بول مخلوف
بعد أكثر من عقدين على رحيله، يعود إدوارد سعيد بصوته وصورته في وثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين». عبر تسجيلات نادرة وأفلام عائلية، يستعيد العمل سيرة المفكر الفلسطيني ونضاله من أجل انتزاع حق شعبه في رواية تاريخه، في زمن تتواصل فيه محاولات محو الذاكرة الفلسطينية
كلّما ضاقت الحال بفلسطين في نشرات الأخبار، اتّسعت الحاجة إلى استحضار إدوارد سعيد. الرجل الذي رحل قبل ثلاثة وعشرين عاماً أدرك باكراً أنّ المأساة الفلسطينية بدأت مرّتين: حين سلب الفلسطيني من أرضه، وحين سلبت منه رواية ما جرى. فيما تحضر الفاجعة الغزية، لا بد من العودة إلى سعيد ليمنح الفلسطيني اسمه وصوته ويمنع فلسطين من السلب.
يبدو أن الحاضر، وقد أعياه الكلام، يفرض حاجة العودة إلى أحد أكثر أبنائه قدرةً على وصل الجرح بحكايته. هذه العودة هي جوهر الوثائقي الأميركي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة والمنتجة مايكن بيرد، الذي شهد عرضه العالمي الأول في «مهرجان تورونتو السينمائي» الشهر الماضي. يبني الفيلم (107 د) سيرة صاحبه من المواد الأرشيفية، تاركاً لسعيد أن يروي نفسه بصوته وصورته. هكذا يظهر كما كان عليه: بروفيسور يحاضر، ومثقف يجادل، ومنظّر موسيقي يعزف، ويطرح أفكاره بنبرة جمعت حدّة البرهان مع وجدان التجربة.
عرفت بيرد سعيد في جامعة كولومبيا خلال ثمانينيات القرن الماضي. شعرت بعد السابع من أكتوبر والحرب على غزّة، بأن غيابه صار أكثر وطأة. افتقدت، كما تقول، حكمته وإنسانيته وقدرته على رواية فلسطين من داخل التجربة ومن عمق التاريخ في آن. من ذلك الشعور، خرج مشروع استغرق إنجازه عامين، وفتح كلام سعيد القديم على حاضر يكرّر الأسئلة التي لازمته طوال حياته: من يملك حق الكلام؟ من تُصدّق روايته؟ وكيف ينتزع شعب كامل صورته من يد من صوّره طويلاً؟
سيرة منفى بين القدس ونيويورك
تبدأ الحكاية من القدس، حيث وُلد سعيد عام 1935، ثم ارتحل مع العائلة إلى مصر بعد نكبة 1948، ومنها إلى المدرسة وتحصيله العلمي في الولايات المتحدة. تتوالى سنوات الدراسة، فالتدريس في جامعة كولومبيا، واليقظة السياسية التي ستجعل أستاذ الأدب المقارن أحد أبرز الأصوات المدافعة عن فلسطين في العالم.
تمرّ السيرة على كتبه، وفي مقدّمتها «الاستشراق»، وعلى حياته مع زوجته، ثم على معركته الطويلة مع سرطان الدم حتى وفاته في نيويورك عام 2003. من خلال هذا المسار الشخصي، تتكشّف سيرة أخرى أوسع؛ هي سيرة وطن مفقود، ومنفى مهول، وذات مسيّسة تسعى كل يوم إلى تقديم برهان جديد يثبت وجودها وحقها في الأرض ورواية التاريخ. يلخّص عنوان «بين عالمين» حياة سعيد الكاملة. عاش بين القدس والقاهرة ونيويورك، بين العربية والإنكليزية، بين ذاكرة البيت ومؤسسات الغرب، وبين موقع الأكاديمي وقلق المنفي. صاغ من ذلك التمزّق موقعاً للرؤية، كأن تكون في أكثر من مكان يعني أن ترى حدود كل مكان، وأن تكتشف ما تخفيه الروايات السائدة خلف صلابتها.
أفلام منزلية تستعيد فلسطين قبل النكبة
جمع صنّاع الفيلم المادة من أرشيف جامعة كولومبيا، ومن محاضرات وبرامج إذاعية ومقابلات ووثائقيات من أنحاء العالم. تضم المجموعة تسجيلات بالعربية والفرنسية، ومواد من التلفزيونين الهولندي والسويدي، إلى جانب كنز بصري ظلّ زمناً في حوزة العائلة. هو أول وثائقي ينال وصولاً كاملاً إلى أرشيف سعيد الشخصي، وفيه أفلام منزلية صوّرها والده بكاميرا ثمانية مليمترات خلال ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته. تظهر العائلة، وتظهر معها فلسطين قبل قيام إسرائيل. تظهر أيضاً الحياة اليومية للعائلة، ووجوه، وأمكنة تستعيد حركتها بعدما حاصرتها اللغة السياسية طويلاً في زمنٍ غامض اسمه «ما قبل».
هكذا، يكتسب الأرشيف قوته الأخلاقية. إنه يقدّم دليلاً حسّياً على عالم عاشه أهل سعيد، أي جيل فلسطيني عرف بلاده قبل أن يتعرض للاقتلاع والمحو. والوثائقي يعيد أيضاً إلى الفلسطينيين هيئة الأنس بعدما اختزلتهم الشاشة في صورتين: صورة مقاتل يقدَّم بوصفه خطراً، أو ضحية صامتة لا تصل إلى المشاهد إلا جثةً على هاتفه. احتاجت مئات الساعات المصوّرة إلى أكثر من عام كي تستقر في بناء واحد. اختيرت محطات يتردّد صداها في الحاضر، وفي طليعتها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فيما غابت الانتفاضة الثانية بعدما رأى الفريق أن حضورها لن يضيف مساراً جديداً إلى الفيلم. والحال أن العمل أفرد عناية خاصة للفصل بين اليهودية والصهيونية، مقدّماً الصهيونية، وفق رؤية سعيد، مشروعاً سياسياً استعمارياً استيطانياً لا علاقة لليهودية به. يحرّر هذا الفصل النقاش من التعميم الديني، ويضعه في ميدانه التاريخي حيث تفحَص الأفكار من خلال ما أحدثته في الأرض والناس.
حين تصطدم الرواية الفلسطينية بجدار التوزيع
الظاهر أن ولادة الفيلم نفسها تحمل شيئاً من موضوعه. فعمَلٌ يدافع عن حق الفلسطيني في رواية حكايته وجد أبواب التمويل والتوزيع شبه موصدة. احتاج المشروع إلى 11 منتجاً تنفيذياً، وإلى دعم عدة شركات إنتاج. الحماسة ظهرت لدى موظفين في منصات كبرى مثل نتفليكس وآبل، ثم توقفت عند حسابات الإدارات العليا. كان الاهتمام الدولي واضحاً، بينما ظل الوصول إلى موزع قوي في الولايات المتحدة وكندا شاقاً؛ كأن الفيلم واجه، في طريقه إلى الجمهور، الجدار نفسه الذي يحاول تفكيكه على الشاشة.
من يملك الحق في رواية فلسطين؟
تنبع أهمية «إدوارد سعيد: بين عالمين» بعد السابع من أكتوبر من اختياره العودة إلى الجذر. سيل الصور المتدفق من غزّة كشف الفظاعة، لكن التعاطف وحده لا يكفي. صحيح أن الصورة تهزّ الضمير لكن الحكاية تمنح الفاجعة سياقاً يحميها من النسيان والتلاعب. على هذا النحو، يستعيد الفيلم سؤال سعيد الأعمق ويعيد طرحه من جديد: من الذي يملك الإذن بأن يروي؟ وما هي الرواية غير المسموعة؟ كأن هذا الوثائقي يعطي الضحية الحق في الكلام من دون أن يطلب من الجلاد إذنه للإصغاء. أمضى سعيد حياته وهو ينتزع لفلسطين مكاناً في اللغة العالمية. وها هو يعود، بعد أكثر من عقدين على رحيله، كي يذكّر بأن هذا الشعب لم يولد في صباح السابع من أكتوبر، وأن تاريخه أقدم من العنوان العاجل وأوسع من إطار الكاميرا. هو وثائقي يعيد إلى الحاضر أداةً للمقاومة: أن تروي نفسك قبل أن يستقر صوت الآخرين في موضع صوتك، وأن تحفظ الذاكرة وتبقيها على قيد الحياة في مواجهة المحو والاقتلاع.
بعد أكثر من عقدين على رحيله، يعود إدوارد سعيد بصوته وصورته في وثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين». عبر تسجيلات نادرة وأفلام عائلية، يستعيد العمل سيرة المفكر الفلسطيني ونضاله من أجل انتزاع حق شعبه في رواية تاريخه، في زمن تتواصل فيه محاولات محو الذاكرة الفلسطينية
كلّما ضاقت الحال بفلسطين في نشرات الأخبار، اتّسعت الحاجة إلى استحضار إدوارد سعيد. الرجل الذي رحل قبل ثلاثة وعشرين عاماً أدرك باكراً أنّ المأساة الفلسطينية بدأت مرّتين: حين سلب الفلسطيني من أرضه، وحين سلبت منه رواية ما جرى. فيما تحضر الفاجعة الغزية، لا بد من العودة إلى سعيد ليمنح الفلسطيني اسمه وصوته ويمنع فلسطين من السلب.
يبدو أن الحاضر، وقد أعياه الكلام، يفرض حاجة العودة إلى أحد أكثر أبنائه قدرةً على وصل الجرح بحكايته. هذه العودة هي جوهر الوثائقي الأميركي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة والمنتجة مايكن بيرد، الذي شهد عرضه العالمي الأول في «مهرجان تورونتو السينمائي» الشهر الماضي. يبني الفيلم (107 د) سيرة صاحبه من المواد الأرشيفية، تاركاً لسعيد أن يروي نفسه بصوته وصورته. هكذا يظهر كما كان عليه: بروفيسور يحاضر، ومثقف يجادل، ومنظّر موسيقي يعزف، ويطرح أفكاره بنبرة جمعت حدّة البرهان مع وجدان التجربة.
عرفت بيرد سعيد في جامعة كولومبيا خلال ثمانينيات القرن الماضي. شعرت بعد السابع من أكتوبر والحرب على غزّة، بأن غيابه صار أكثر وطأة. افتقدت، كما تقول، حكمته وإنسانيته وقدرته على رواية فلسطين من داخل التجربة ومن عمق التاريخ في آن. من ذلك الشعور، خرج مشروع استغرق إنجازه عامين، وفتح كلام سعيد القديم على حاضر يكرّر الأسئلة التي لازمته طوال حياته: من يملك حق الكلام؟ من تُصدّق روايته؟ وكيف ينتزع شعب كامل صورته من يد من صوّره طويلاً؟
سيرة منفى بين القدس ونيويورك
تبدأ الحكاية من القدس، حيث وُلد سعيد عام 1935، ثم ارتحل مع العائلة إلى مصر بعد نكبة 1948، ومنها إلى المدرسة وتحصيله العلمي في الولايات المتحدة. تتوالى سنوات الدراسة، فالتدريس في جامعة كولومبيا، واليقظة السياسية التي ستجعل أستاذ الأدب المقارن أحد أبرز الأصوات المدافعة عن فلسطين في العالم.
تمرّ السيرة على كتبه، وفي مقدّمتها «الاستشراق»، وعلى حياته مع زوجته، ثم على معركته الطويلة مع سرطان الدم حتى وفاته في نيويورك عام 2003. من خلال هذا المسار الشخصي، تتكشّف سيرة أخرى أوسع؛ هي سيرة وطن مفقود، ومنفى مهول، وذات مسيّسة تسعى كل يوم إلى تقديم برهان جديد يثبت وجودها وحقها في الأرض ورواية التاريخ. يلخّص عنوان «بين عالمين» حياة سعيد الكاملة. عاش بين القدس والقاهرة ونيويورك، بين العربية والإنكليزية، بين ذاكرة البيت ومؤسسات الغرب، وبين موقع الأكاديمي وقلق المنفي. صاغ من ذلك التمزّق موقعاً للرؤية، كأن تكون في أكثر من مكان يعني أن ترى حدود كل مكان، وأن تكتشف ما تخفيه الروايات السائدة خلف صلابتها.
أفلام منزلية تستعيد فلسطين قبل النكبة
جمع صنّاع الفيلم المادة من أرشيف جامعة كولومبيا، ومن محاضرات وبرامج إذاعية ومقابلات ووثائقيات من أنحاء العالم. تضم المجموعة تسجيلات بالعربية والفرنسية، ومواد من التلفزيونين الهولندي والسويدي، إلى جانب كنز بصري ظلّ زمناً في حوزة العائلة. هو أول وثائقي ينال وصولاً كاملاً إلى أرشيف سعيد الشخصي، وفيه أفلام منزلية صوّرها والده بكاميرا ثمانية مليمترات خلال ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته. تظهر العائلة، وتظهر معها فلسطين قبل قيام إسرائيل. تظهر أيضاً الحياة اليومية للعائلة، ووجوه، وأمكنة تستعيد حركتها بعدما حاصرتها اللغة السياسية طويلاً في زمنٍ غامض اسمه «ما قبل».
هكذا، يكتسب الأرشيف قوته الأخلاقية. إنه يقدّم دليلاً حسّياً على عالم عاشه أهل سعيد، أي جيل فلسطيني عرف بلاده قبل أن يتعرض للاقتلاع والمحو. والوثائقي يعيد أيضاً إلى الفلسطينيين هيئة الأنس بعدما اختزلتهم الشاشة في صورتين: صورة مقاتل يقدَّم بوصفه خطراً، أو ضحية صامتة لا تصل إلى المشاهد إلا جثةً على هاتفه. احتاجت مئات الساعات المصوّرة إلى أكثر من عام كي تستقر في بناء واحد. اختيرت محطات يتردّد صداها في الحاضر، وفي طليعتها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فيما غابت الانتفاضة الثانية بعدما رأى الفريق أن حضورها لن يضيف مساراً جديداً إلى الفيلم. والحال أن العمل أفرد عناية خاصة للفصل بين اليهودية والصهيونية، مقدّماً الصهيونية، وفق رؤية سعيد، مشروعاً سياسياً استعمارياً استيطانياً لا علاقة لليهودية به. يحرّر هذا الفصل النقاش من التعميم الديني، ويضعه في ميدانه التاريخي حيث تفحَص الأفكار من خلال ما أحدثته في الأرض والناس.
حين تصطدم الرواية الفلسطينية بجدار التوزيع
الظاهر أن ولادة الفيلم نفسها تحمل شيئاً من موضوعه. فعمَلٌ يدافع عن حق الفلسطيني في رواية حكايته وجد أبواب التمويل والتوزيع شبه موصدة. احتاج المشروع إلى 11 منتجاً تنفيذياً، وإلى دعم عدة شركات إنتاج. الحماسة ظهرت لدى موظفين في منصات كبرى مثل نتفليكس وآبل، ثم توقفت عند حسابات الإدارات العليا. كان الاهتمام الدولي واضحاً، بينما ظل الوصول إلى موزع قوي في الولايات المتحدة وكندا شاقاً؛ كأن الفيلم واجه، في طريقه إلى الجمهور، الجدار نفسه الذي يحاول تفكيكه على الشاشة.
من يملك الحق في رواية فلسطين؟
تنبع أهمية «إدوارد سعيد: بين عالمين» بعد السابع من أكتوبر من اختياره العودة إلى الجذر. سيل الصور المتدفق من غزّة كشف الفظاعة، لكن التعاطف وحده لا يكفي. صحيح أن الصورة تهزّ الضمير لكن الحكاية تمنح الفاجعة سياقاً يحميها من النسيان والتلاعب. على هذا النحو، يستعيد الفيلم سؤال سعيد الأعمق ويعيد طرحه من جديد: من الذي يملك الإذن بأن يروي؟ وما هي الرواية غير المسموعة؟ كأن هذا الوثائقي يعطي الضحية الحق في الكلام من دون أن يطلب من الجلاد إذنه للإصغاء. أمضى سعيد حياته وهو ينتزع لفلسطين مكاناً في اللغة العالمية. وها هو يعود، بعد أكثر من عقدين على رحيله، كي يذكّر بأن هذا الشعب لم يولد في صباح السابع من أكتوبر، وأن تاريخه أقدم من العنوان العاجل وأوسع من إطار الكاميرا. هو وثائقي يعيد إلى الحاضر أداةً للمقاومة: أن تروي نفسك قبل أن يستقر صوت الآخرين في موضع صوتك، وأن تحفظ الذاكرة وتبقيها على قيد الحياة في مواجهة المحو والاقتلاع.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire