نداء الخائبين، وليس نداءً للانقاذ

 


د. طنوس شلهوب

تداولت مواقع التواصل نصاً بعنوان نداء لإنقاذ لبنان متبوعاً باسماء عشرات الموقعين، من بينهم يساريون  سابقون واخرين من المعروفين بولائهم للمشروع الأميركي والخليجي والصهيوني.
يقوم هذا النداء على مقاربة تضع الاحتلال الإسرائيلي والدور الإيراني في مستوى واحد من التعارض مع "السيادة" اللبنانية، فتتعامل مع المقاومة بوصفها مشكلة داخلية لا باعتبارها نتاجاً تاريخياً لواقع الاحتلال والعدوان المستمر. وهكذا، يُزاح التناقض الرئيسي مع المشروع الصهيوني من موقعه المركزي ويُحول إلى مجرد عنصر ضمن سلسلة أزمات متوازية، الأمر الذي
يؤدي عملياً إلى تمييع طبيعة الصراع الوطني التحرري.
فالاحتلال الإسرائيلي ليس تدخلاً خارجياً عادياً يمكن وضعه في كفة واحدة مع أي نفوذ إقليمي آخر، بل هو مشروع استعماري استيطاني توسعي ارتبط تاريخياً بالهيمنة الإمبريالية الغربية على المنطقة. ومن هنا فإن المساواة بينه وبين التحالفات أو الاصطفافات الإقليمية التي نشأت في سياق مقاومته تلغي الفوارق النوعية بين المستعمِر والمستعمَر، وبين العدوان ومن يتصدى له. أما علاقة حزب الله بإيران، مهما كانت طبيعتها وحدودها ومدى مشروعيتها أو إشكاليتها، فهي ليست علاقة مماثلة لعلاقة المستعمِر بالشعب الواقع تحت الاحتلال، ولا يمكن فهمها خارج سياق الصراع الإقليمي الذي نشأ بفعل استمرار المشروع الصهيوني نفسه.
وفي الوقت نفسه، يطرح النداء شعار حصر السلاح بيد الدولة، كأن الدولة اللبنانية كيان محايد قائم فوق الانقسامات الاجتماعية والطائفية، متجاهلاً أن الدولة نفسها كانت، عبر عقود طويلة، عاجزة عن حماية الأرض والناس أو عن بناء استراتيجية دفاع وطني مستقلة. فالدولة ليست مفهوماً مجرداً، بل تعبير عن موازين القوى القائمة وعن طبيعة البنية السياسية والاقتصادية التي تحكم المجتمع. والسؤال الذي يتجنبه النداء هو: أي دولة يُفترض بها احتكار السلح؟ الدولة
 التي عجزت عن منع الاحتلال عام 1982 والتي لم  تتمكن من تحرير أرضها إلا بفعل المقاومة؟
كما يتبنى النداء فهماً ضيقاً للسيادة يختزلها في احتكار الدولة للعنف المشروع، فيما تتجاهل هذه المقاربة أن السيادة الفعلية لا تنفصل عن الاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية للمراكز المالية الدولية ومن البنية الريعية. هل يمكن حصر السيادة بالسلاح في حين تستمر هذه السلطة في التواطؤ مع المصارف التي نهبت اللبنانيين؟
ومن جهة أخرى، يقدم النداء المفاوضات المباشرة كخيار وحيد للخلاص، متجاهلاً الطبيعة العدوانية الاستعمارية للمشروع الصهيوني، والسؤال الذي يبقى بلا جواب هو: ما الذي يملكه لبنان للتفاوض إذا جرى تفكيك عناصر الردع المتوافرة لديه قبل إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات وضمان الحقوق الوطنية؟
ويزداد هذا التناقض وضوحاً حين يتجاهل النداء طبيعة السلطة السياسية الراهنة التي يُطلب منها تنفيذ هذا المسار. فهذه السلطة لا يمكن النظر إليها باعتبارها معطى وطنياً مجرداً أو مستقلاً عن موازين القوى الخارجية، بل جاءت في سياق ضغوط سياسية ودبلوماسية واسعة مارستها الولايات المتحدة وحلفاؤها في اللجنة الخماسية. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لسلطة تستند في شرعيتها إلى الرعاية الأميركية أن تمارس دوراً سيادياً مستقلاً في مواجهة إسرائيل؟
كيف يمكن لمن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة ان ينظر الى الولايات المتحدة وكأنها وسيط محايد بين لبنان وإسرائيل؟ فهي شريك اسرائيل في العدوان والممول الأكبر للتفوق العسكري الإسرائيلي، والحامي الدائم له في المؤسسات الدولية، والشريك السياسي والاستراتيجي المباشر للمشروع الإسرائيلي في المنطقة. لذلك فإن الرهان على مفاوضات مباشرة ترعاها واشنطن يتجاهل حقيقة ميزان القوى القائم، ويحول مفهوم السيادة إلى مطلب موجّه حصراً نحو الداخل اللبناني، بينما يجري التغاضي عن أشكال التبعية والضغط الخارجي التي تمارسها الولايات المتحدة نفسها على القرار الوطني.
هنا تبدو المفارقة صارخة: يُطلب التخلي عن عناصر القوة التي تمثلها المقاومة باسم السيادة، فيما يُطلب من لبنان أن يسلّم مصيره التفاوضي إلى قوة دولية منحازة تاريخياً لخصمه. وهنا يغدو السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء سيادة وطنية حقيقية بالاستناد إلى الطرف نفسه الذي يشكل أحد أعمدة اختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل؟
ويزداد الأمر دلالة إذا ما نظرنا إلى توقيت النداء نفسه. فهو يصدر بعد حرب مدمرة استهدفت الجنوب وسكانه وبناه التحتية، لكنه يوجه القسم الأكبر من نقده إلى المقاومة لا إلى المعتدي. وبذلك يبدو وكأن النتائج السياسية التي عجزت إسرائيل عن فرضها بالقوة العسكرية يجري السعي إلى تحقيقها عبر خطاب يسعى إلى نزع الشرعية عن المقاومة وتحويلها إلى مصدر الأزمة. فبدلاً من مساءلة العدوان وأسبابه ونتائجه، تنتقل بؤرة الاتهام إلى القوة التي واجهته.
في الجوهر، يمثل هذا الخطاب استمراراً للمواقف السياسية التاريخية لليمين اللبناني، والذي يعبِّر عن مصالح شرائح من البرجوازية العليا والوسطى المرتبطة بالاقتصاد الريعي وبمنظومة العولمة الليبرالية، والتي تروج لمقولة قوة لبنان في ضعفه، وتنظر إلى المقاومة بوصفها عائقاً أمام إعادة دمج لبنان في النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، بما في ذلك مسار التطبيع الخياني.
في الخلاصة، يشكل هذا البيان رد فعل الخائبين  الذين راهنوا على إسقاط ايران وإلحاق الهزيمة بالمقاومة، خصوصاً بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها اسرائيل في تحقيق اهداف العدوان، واضطرارها للتعامل مع نتائج هذا العدوان بواقعية، والتنازل امام صمود ايران والبطولة الاسطورية للمقاومين في الجنوب.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire