حين يُحجب التناقض الرئيسي: قراءة في اطروحة ذكي طه

 



د. طنوس شلهوب

ينطلق زكي طه (منظمة العمل الشيوعي سابقاً) في مقاله «دعوة جدية لفتح مسار الحل للمأزق الذي نعيشه في لبنان» (مجلة الحرية، 10 حزيران) من تشخيص يعتبر أن لبنان والمنطقة يعيشان أزمة تاريخية مركبة تجاوزت حدود الأزمات السياسية والاقتصادية التقليدية، لتصبح تعبيراً عن انسداد أفق المشاريع المتصارعة التي حكمت العقود الأخيرة. فبحسب الكاتب، لم ينجح المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في فرض استقرار عادل أو تحقيق التنمية والسلام، كما أن المشروع الإيراني، رغم رفعه راية المقاومة ومواجهة الهيمنة، لم يتمكن بدوره من تقديم نموذج يجمع بين التحرر الوطني وبناء الدولة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ومن هذا التشخيص يستخلص الكاتب أن الاستقطاب القائم بين المحاور الإقليمية والدولية بلغ حدوده التاريخية، وأن اللبنانيين باتوا عالقين بين خوفين متقابلين: الخوف من الهيمنة الإسرائيلية ومنطق التسويات المفروضة من جهة، والخوف من استمرار منطق المحاور والساحات المفتوحة وما ينتجه من أزمات وانقسامات من جهة أخرى. لذلك يدعو إلى فتح نقاش حول ما يسميه «الخيار البديل» أو «الخيار الثالث»، وهو خيار يسعى إلى الجمع بين مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة الوطنية من جهة، وبين بناء دولة ديمقراطية حديثة تحتكر القرار الوطني والسلاح المشروع من جهة أخرى، بعيداً عن الارتهان لأي محور إقليمي أو دولي.
ويرى الكاتب أن هذا البديل لم يتبلور بعد كقوة سياسية أو مشروع مكتمل، لكنه يعتبر أن المهمة الملحة اليوم تتمثل في إعادة فتح النقاش حول شروط ولادته والقوى الاجتماعية والسياسية القادرة على حمله. غير أن هذه المقاربة، على الرغم من طموحها إلى تجاوز الاستقطابات السائدة، تثير أسئلة نظرية وسياسية عميقة حول طبيعة الصراع في المنطقة، وموقع الإمبريالية والصهيونية فيه، ومعنى الدولة والسيادة، والحدود الفاصلة بين نقد تجارب المقاومة والانزلاق إلى مقاربات تساوي بينها وبين المشاريع المهيمنة. ومن هذه الزاوية يمكن مقاربة النص نقدياً من منظور ثوري.

**

من وجهة نظر ثورية، لا تكمن المشكلة الأساسية في ما يقوله النص فحسب، بل في ما يحجبه ويُخرجه من مجال الرؤية. فالنص يبدو للوهلة الأولى نقدياً ومتوازناً، لكنه في العمق يعيد إنتاج أحد أكثر أنماط التفكير شيوعاً لدى الليبرالية العربية الراهنة: تحويل الصراع التاريخي الملموس إلى أزمة خيارات سياسية مجردة، وفصل السياسة عن البنية الطبقية والإمبريالية التي تنتجها.

أولاً: إخفاء التناقض الرئيسي خلف خطاب «المأزق»
ينطلق الكاتب من فكرة أن المنطقة تعيش مأزقاً ناتجاً عن فشل مشروعين: المشروع الأميركي-الإسرائيلي والمشروع الإيراني. لكن هذا التوصيف يضع الطرفين في مستوى تحليلي واحد، وكأن الصراع قائم بين قوتين متكافئتين تتنازعان النفوذ.
غير أن المنظور الثوري ينطلق من سؤال مختلف: ما هو التناقض الرئيسي في المنطقة؟
فهل المشكلة الأساسية هي التنافس بين محورين إقليميين؟ أم أن جوهر الصراع ما زال يتمثل في الهيمنة الإمبريالية الغربية والمشروع الاستيطاني الصهيوني بوصفهما البنية المهيمنة التي تعيد إنتاج التبعية والحروب والتفكيك؟
عندما يُختزل الصراع إلى مجرد تنافس بين «مشروعين»، يصبح الاحتلال والاستعمار الاستيطاني مجرد عنصر ضمن عناصر عدة، لا البنية المحدِّدة للمشهد كله. وهنا يفقد التحليل بوصلته التاريخية.

ثانياً: مساواة شكلية تخفي لا تكافؤ القوى
يعلن الكاتب أنه لا يساوي بين المشروع الأميركي الإسرائيلي والمشروع الإيراني، لكنه عملياً يبني حجته على نتائج هذه المساواة الضمنية.
فالأول يمثل القوة الإمبريالية المهيمنة عالمياً والمدعومة بأضخم ترسانة عسكرية واقتصادية وإعلامية في التاريخ الحديث، بينما الثاني يمثل دولة إقليمية تحاول توسيع نفوذها ضمن شروط فرضتها عقود من الحصار والصراع.
ليس المطلوب من الثوري أن يتبنى المشروع الإيراني أو يغض النظر عن تناقضاته، لكن من غير الممكن تحليل الواقع وكأن الطرفين يشغلان الموقع نفسه داخل النظام العالمي.
إن نقد قوى المقاومة شيء، وتحويلها إلى أحد قطبي أزمة متناظرة مع الإمبريالية شيء آخر.

ثالثاً: تحويل المقاومة إلى مشكلة بدل اعتبارها نتاجاً للمشكلة
في النص يظهر أن أحد أسباب الأزمة اللبنانية هو تداخل المقاومة مع النفوذ الإقليمي.
لكن السؤال الذي يتم تجاهله هو: لماذا ظهرت المقاومة أصلاً؟
فالمقاومة في لبنان لم تنشأ نتيجة رغبة إيرانية مجردة، بل نشأت نتيجة الاحتلال الإسرائيلي وعجز الدولة اللبنانية والنظام العربي الرسمي عن مواجهته.
بمعنى آخر، المقاومة ليست السبب الأول للأزمة، بل هي أحد منتجات أزمة أعمق تتمثل في عجز الدولة البرجوازية التابعة عن حماية السيادة الوطنية.
إن اختزال المسألة إلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة يتجاهل السؤال الجوهري: أي دولة؟
هل هي الدولة الطائفية نفسها التي عجزت عن الدفاع عن الجنوب ولبنان لعقود؟ وهل يمكن الحديث عن احتكار الدولة للسلاح بمعزل عن قدرتها الفعلية على حماية البلاد؟

رابعاً: الدولة كفئة مجردة
يطرح النص شعار «الدولة القادرة والسيدة والديمقراطية» بوصفه أفقاً جامعاً.
لكن الدولة هنا تظهر ككيان فوق الطبقات وفوق المصالح الاجتماعية.
أما التحليل الثوري فيرى أن الدولة ليست مؤسسة محايدة، بل تعبير عن ميزان القوى بين الطبقات والقوى الاجتماعية، وهي تعبّر عن مصالح الطبقة المهيمنة (البرجوازية الكومبرادورية).
ولهذا فإن السؤال ليس كيف نبني دولة فقط، بل: دولة من يحكمها؟ ولصالح من تعمل؟ وأي طبقات تمثل؟
فقد تكون الدولة قوية جداً، لكنها قوية في خدمة المصارف والاحتكارات والرأسمال الريعي والتبعية للخارج.
ولهذا يبدو شعار «بناء الدولة» في النص أقرب إلى أمنية أخلاقية منه إلى برنامج سياسي ملموس.

خامساً: غياب الطبقات وحضور المجتمع المجرد
من اللافت أن النص يتحدث باستمرار عن «المجتمع» و«اللبنانيين» و«المصلحة الوطنية»، لكنه لا يذكر الطبقات الاجتماعية إلا عرضاً.
فكأن اللبنانيين كتلة واحدة ذات مصالح متجانسة.
لكن من منظور ماركسي، ليست مصالح العامل والعاطل عن العمل وصاحب المصرف والمضارب العقاري متطابقة.
الأزمة اللبنانية ليست فقط أزمة محاور خارجية، بل أيضاً أزمة نظام رأسمالي ريعي طائفي راكم الثروات لدى أقلية ضيقة بينما دفع الغالبية نحو الفقر والتهميش، وشهد اكبر عملية سرقة في التاريخ من قبل اصحاب المصارف، ما زالت تداعياتها مستمرة بغياب اي خطوات جدية لمعالجة نتائجها من قبل السلطة الراهنة.
وغياب هذا البعد يجعل الأزمة تبدو وكأنها أزمة خيارات سياسية لا أزمة بنية اجتماعية واقتصادية.

سادساً: «الخيار الثالث» بوصفه فراغاً سياسياً
يقدم النص «الخيار الثالث» باعتباره بديلاً عن الاستقطاب القائم.
لكن عند التدقيق يتبين أن هذا الخيار لا يمتلك مضموناً طبقياً أو اجتماعياً محدداً.
فهو:
ضد الهيمنة الإسرائيلية.
ضد النفوذ الإيراني.
مع الديمقراطية.
مع العدالة الاجتماعية.
مع الدولة.
مع السيادة.
أي أنه يجمع مجموعة من المبادئ العامة التي يصعب الاعتراض عليها، لكنه لا يجيب عن سؤال القوة الاجتماعية القادرة على تحقيقها.
في الفكر الثوري والممارسة السياسية لا توجد خيارات ثالثة تولد من الرغبة الأخلاقية في تجاوز الاستقطاب، بل من وجود قوى اجتماعية وطبقية  قادرة على فرض مشروع تاريخي بديل.
أما إذا لم تُحدد هذه القوى، فإن «الخيار الثالث» يبقى شعاراً معلقاً في الفراغ.

سابعاً: أزمة اليسار كما يصورها النص
يرى الكاتب أن مشكلة اليسار تكمن في ارتهانه للمحاور.
لكن المشكلة أعمق من ذلك.
فاليسار العربي لم يتراجع فقط بسبب الاصطفافات الإقليمية، بل بسبب انهيار مشروعه الاجتماعي والطبقي، وتخليه التدريجي عن تنظيم الطبقات الشعبية، وانزلاق أجزاء واسعة منه نحو الليبرالية السياسية والثقافية.
لهذا فإن استعادة دور اليسار لا تبدأ من البحث عن مسافة متساوية بين المحاور، بل من إعادة بناء ارتباطه بالعمال والفلاحين والفئات الشعبية والكادحين وبقضايا التحرر الوطني.

الخلاصة
تكمن قوة النص في محاولته كسر الاستقطابات السائدة وفتح نقاش حول المأزق اللبناني. لكنه من منظور ثوري يبقى أسير أفق ليبرالي يرى الأزمة بوصفها أزمة خيارات سياسية بين محاور متصارعة، لا بوصفها نتاجاً لبنية الإمبريالية العالمية والرأسمالية التابعة والطائفية الطبقية.
ولهذا فإن «الخيار الثالث» الذي يدعو إليه لا يظهر كمشروع تاريخي بديل بقدر ما يظهر كدعوة أخلاقية إلى الاعتدال بين طرفين، بينما يظل السؤال الذي يتجنبه النص هو السؤال الحاسم: ما هي القوى الاجتماعية القادرة على مواجهة الإمبريالية والصهيونية والرأسمالية التابعة في آن واحد، وبناء دولة تحرر وطني وعدالة اجتماعية حقيقية؟ فبدون الإجابة عن هذا السؤال يبقى البديل مجرد رغبة، لا مشروعاً ثورياً قابلاً للتحقق.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire