من إيران الى الاسلام، خطاب المأزق

 


د. طنوس شلهوب

في كثير من الأحيان، تكشف اللغة السياسية التي تُستخدم في زمن الحروب ما تعجز الوقائع الميدانية عن قوله صراحة. في هذا السياق يمكن فهم عودة بنيامين نتنياهو إلى خطاب يتحدث فيه عن مواجهة «التطرف الاسلامي السني والشيعي» .
يمكن قراءة هذا الخطاب في ضوء المأزق الذي يواجهه العدوان الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فالمشروع الصهيو-أميركي كان يفترض تحقيق نتائج سريعة وفق اولويات: إسقاط النظام، او إخضاعه  وفق السيناريو الفنزويلي. غير أن تعثر تحقيق إنجاز حاسم امام صمود ايراني فاجأ المعتدين، وبدء انكشاف كلفة المواجهة وتعقيداتها، وضع نتانياهو، الذي كان يقدم نفسه بصورة فرعون المنطقة الذي لا يُهزم، أمام مأزق حقيقي.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب الأيديولوجي أداة لتعويض الفشل الميداني بصيغة مواجهة حضارية أو دينية شاملة. عندما تُعرَّف الحرب، في الخطاب السياسي، على أنها مواجهة بين إسرائيل و«الإسلام السني والشيعي»، فإن غياب النتائج العسكرية السريعة لم يعد يبدو إخفاقا مباشرا، بل جزءا من معركة طويلة ومعقدة بطبيعتها.
كما يخدم هذا الخطاب هدفا آخر يتمثل في محاولة إعادة تعبئة المعسكر الغربي حول إسرائيل. فحين تُقدَّم إسرائيل بوصفها رأس الحربة في مواجهة «خطر إسلامي» شامل، يصبح من الأسهل مطالبة الحلفاء الغربيين بتقديم دعم سياسي وعسكري أكبر، وتحويل الحرب من صراع إقليمي إلى قضية ذات بعد عالمي.
واللافت في هذا السياق أن نتنياهو جمع السنة والشيعة في خطاب واحد، وهو ما يعكس إدراكا صهيونيا بأن الاستقطاب الطائفي (سني - شيعي) الذي ساد في المنطقة خلال السنوات الماضية لم يعد كافيا لتأمين البيئة الاستراتيجية التي كانت تل أبيب تستفيد منها. لذلك يجري الانتقال من خطاب يستثمر في الانقسامات داخل المنطقة إلى خطاب يعيد رسم خط مواجهة أشمل بين إسرائيل والعالم الإسلامي برمته.
بهذا المعنى، لا تبدو عودة نتنياهو إلى لغة المواجهة الحضارية تعبيرا عن ثقة بالنصر بقدر ما تعكس محاولة لإدارة آثار المأزق. فكلما تعثر تحقيق الإنجاز العسكري، ازدادت الحاجة إلى خطاب يوسع إطار الصراع ويعيد تعريفه في وظيفة مزدوجة الاهداف للتعبئة الداخلية والخارجية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire