بقلم: عابر سبيل
على الطاولة الخشبية الصغيرة في وسط الصالون، كان الهاتف الذكي يستلقي هناك. شاشة سوداء لامعة، هيكل انسيابي، وتكنولوجيا متطورة كانت حتى وقت قريب نافذة "زياد" على العالم. لكنه اليوم، لم يعد يراه هاتفاً. كان يراه "لغماً" صغيراً، قنبلة موقوتة نسي أحدهم أن ينزع فتيلها.
منذ "حادثة الثلاثاء"، ذلك اليوم الذي انفجرت فيه أجهزة الـ"بيجر" واللاسلكي في جيوب وأيدي أصحابها، تغيرت علاقة زياد بالمادة. أصبح ينظر إلى جيب بنطاله بريبة. هل ارتفعت حرارة الجهاز؟ هل البطارية منتفخة قليلاً؟ هل هذه السخونة طبيعية أم أنها الثواني الأخيرة قبل الانفجار؟ أخرج الهاتف من جيبه ووضعه بعيداً عنه مسافة مترين. مسافة أمان وهمية.
ساد الصمت في الغرفة. زوجته تقرأ القرآن بصوت غير مسموع، وأطفاله نائمون في الغرفة الداخلية – المنطقة الأكثر أماناً كما أقنع نفسه.
فجأة.. "ررررن... ررررن...".
لم تكن نغمة عسكرية، ولا صفارة إنذار. كانت نغمة "البيانو" الهادئة التي اختارها زياد بنفسه قبل الحرب بشهر. لكنها في سكون الليل، بدت وكأنها صرخة وحش. انتفض زياد في مكانه. سقط كوب الماء من يد زوجته وانسكب على السجادة، لكن أحداً لم يلتفت للماء. تسمرت العيون على الشاشة المضيئة.
اقترب زياد بحذر، وكأنه يقترب من أفعى. نظر إلى الشاشة. لا يوجد اسم. "رقم خاص" (Private Number).
تجمد الدم في عروقه. في قاموس الحرب اللبنانية الجديدة، "الرقم الخاص" لا يعني مفاجأة سارة، ولا شركة اتصالات تسوق لعروضها. الرقم الخاص يعني احتمالاً واحداً من اثنين: إما صوتٌ آليٌ باردٌ بلكنة ركيكة يقول: "أنت متواجد بالقرب من منشآت تابعة لـ... عليك الإخلاء فوراً والابتعاد لمسافة 500 متر". وإما ضابط مخابرات يخبرك أن منزلك هو الهدف القادم.
"رد يا زياد.."، همست زوجته وهي ترتجف، "بلكي لازم نطلع؟". كان هذا هو الرعب الحقيقي. الرعب ليس في القصف، بل في "الاختيار". إذا ردّ، قد يسمع حكم الإعدام لبيته وشقاء عمره. وإذا لم يردّ، قد يظنونه لا يبالي، وتقع الكارثة وهم نيام.
مدّ يده. كانت أصابعه ترتعش بشكل مفضوح. شعر ببرودة الزجاج تحت إبهامه. سحب المؤشر الأخضر. وضع الهاتف على أذنه، لكنه أبعده سنتيمترات خوفاً من أن ينفجر الجهاز في وجهه كما رأى في الأخبار.
"ألو؟". خرج صوته مبحوحاً، غريباً، كصوت رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ساد صمت لثانية على الطرف الآخر. ثانية بدت كأنها دهر. زياد يغمض عينيه، ينتظر كلمة "إخلاء". يتخيل سقف الغرفة ينهار الآن.
ثم جاء الصوت: "مسا الخير.. هيدا مطعم 'البركة'؟ طالبين دليفري دجاج مشوي؟".
فتح زياد عينيه. اتسعت حدقتاه. نظر إلى زوجته التي كانت قد بدأت بالفعل بجمع الأوراق الرسمية وهي تبكي. "لأ.." قال زياد بصوت خافت، "غلطان بالرقم يا أخي.. غلطان".
أغلق الخط. رمى الهاتف على الأريكة كمن يرمي جمرة حارقة. لم يضحك. لم يغضب. لم يشتم المتصل الساذج الذي يبحث عن دجاج مشوي وسط الجحيم. فقط جلس يحدق في الشاشة السوداء التي عادت للصمت.
لقد نجا البيت هذه المرة. لكن زياد أدرك في تلك اللحظة حقيقة مرعبة: هو لم يعد يملك هذا الجهاز. هذا الجهاز هو الذي يملكه. إنه سجين "رنة" قد تأتي، أو لا تأتي. وفي جيبه، لم يعد يحمل وسيلة تواصل، بل يحمل خوفه الخاص، مشحوناً بنسبة 100%
على الطاولة الخشبية الصغيرة في وسط الصالون، كان الهاتف الذكي يستلقي هناك. شاشة سوداء لامعة، هيكل انسيابي، وتكنولوجيا متطورة كانت حتى وقت قريب نافذة "زياد" على العالم. لكنه اليوم، لم يعد يراه هاتفاً. كان يراه "لغماً" صغيراً، قنبلة موقوتة نسي أحدهم أن ينزع فتيلها.
منذ "حادثة الثلاثاء"، ذلك اليوم الذي انفجرت فيه أجهزة الـ"بيجر" واللاسلكي في جيوب وأيدي أصحابها، تغيرت علاقة زياد بالمادة. أصبح ينظر إلى جيب بنطاله بريبة. هل ارتفعت حرارة الجهاز؟ هل البطارية منتفخة قليلاً؟ هل هذه السخونة طبيعية أم أنها الثواني الأخيرة قبل الانفجار؟ أخرج الهاتف من جيبه ووضعه بعيداً عنه مسافة مترين. مسافة أمان وهمية.
ساد الصمت في الغرفة. زوجته تقرأ القرآن بصوت غير مسموع، وأطفاله نائمون في الغرفة الداخلية – المنطقة الأكثر أماناً كما أقنع نفسه.
فجأة.. "ررررن... ررررن...".
لم تكن نغمة عسكرية، ولا صفارة إنذار. كانت نغمة "البيانو" الهادئة التي اختارها زياد بنفسه قبل الحرب بشهر. لكنها في سكون الليل، بدت وكأنها صرخة وحش. انتفض زياد في مكانه. سقط كوب الماء من يد زوجته وانسكب على السجادة، لكن أحداً لم يلتفت للماء. تسمرت العيون على الشاشة المضيئة.
اقترب زياد بحذر، وكأنه يقترب من أفعى. نظر إلى الشاشة. لا يوجد اسم. "رقم خاص" (Private Number).
تجمد الدم في عروقه. في قاموس الحرب اللبنانية الجديدة، "الرقم الخاص" لا يعني مفاجأة سارة، ولا شركة اتصالات تسوق لعروضها. الرقم الخاص يعني احتمالاً واحداً من اثنين: إما صوتٌ آليٌ باردٌ بلكنة ركيكة يقول: "أنت متواجد بالقرب من منشآت تابعة لـ... عليك الإخلاء فوراً والابتعاد لمسافة 500 متر". وإما ضابط مخابرات يخبرك أن منزلك هو الهدف القادم.
"رد يا زياد.."، همست زوجته وهي ترتجف، "بلكي لازم نطلع؟". كان هذا هو الرعب الحقيقي. الرعب ليس في القصف، بل في "الاختيار". إذا ردّ، قد يسمع حكم الإعدام لبيته وشقاء عمره. وإذا لم يردّ، قد يظنونه لا يبالي، وتقع الكارثة وهم نيام.
مدّ يده. كانت أصابعه ترتعش بشكل مفضوح. شعر ببرودة الزجاج تحت إبهامه. سحب المؤشر الأخضر. وضع الهاتف على أذنه، لكنه أبعده سنتيمترات خوفاً من أن ينفجر الجهاز في وجهه كما رأى في الأخبار.
"ألو؟". خرج صوته مبحوحاً، غريباً، كصوت رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ساد صمت لثانية على الطرف الآخر. ثانية بدت كأنها دهر. زياد يغمض عينيه، ينتظر كلمة "إخلاء". يتخيل سقف الغرفة ينهار الآن.
ثم جاء الصوت: "مسا الخير.. هيدا مطعم 'البركة'؟ طالبين دليفري دجاج مشوي؟".
فتح زياد عينيه. اتسعت حدقتاه. نظر إلى زوجته التي كانت قد بدأت بالفعل بجمع الأوراق الرسمية وهي تبكي. "لأ.." قال زياد بصوت خافت، "غلطان بالرقم يا أخي.. غلطان".
أغلق الخط. رمى الهاتف على الأريكة كمن يرمي جمرة حارقة. لم يضحك. لم يغضب. لم يشتم المتصل الساذج الذي يبحث عن دجاج مشوي وسط الجحيم. فقط جلس يحدق في الشاشة السوداء التي عادت للصمت.
لقد نجا البيت هذه المرة. لكن زياد أدرك في تلك اللحظة حقيقة مرعبة: هو لم يعد يملك هذا الجهاز. هذا الجهاز هو الذي يملكه. إنه سجين "رنة" قد تأتي، أو لا تأتي. وفي جيبه، لم يعد يحمل وسيلة تواصل، بل يحمل خوفه الخاص، مشحوناً بنسبة 100%

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire