!في استعادة التاريخ

 


د. طنوس شلهوب

على ضوء احتدام الصراع في لبنان، وبلوغ الهجوم السياسي-الإعلامي على المقاومة والطائفة الشيعية مستوى غير مسبوق، يُلاحظ تزايد تداول نصوص وخطابات تستعيد التاريخ العقاري والجغرافي، مؤكدة أن أجزاء واسعة من الجغرافيا اللبنانية كانت تعود ملكيتها إلى الشيعة في مراحل سابقة من التاريخ قبل قرنين او اكثر.

ظاهريا، يُراد من هذا الاستدعاء التاريخي التوكيد على تجذّر الشيعة في لبنان، ونفي أي سردية تشكّك بانتمائهم الوطني أو تصوّرهم كجسم طارئ.

غير أن استعادة التاريخ، في هذه اللحظة بالذات، لا يمكن فهمها خارج وظيفتها الإيديولوجية في السياق الراهن. فهي ليست فعلا معرفيا، بل ردٌّ دفاعي يُستدعى تحت ضغط الهجوم، ويُنتج خطابا مضادا يتحرك داخل المنطق نفسه الذي تفرضه القوى الطائفية الاشد تعصباً (التي تدعي تمثيل المسيحيين) لليمين اللبناني. بهذا المعنى، فإن هذا النوع من الرد، مهما كانت نواياه، لا يخدم مشروع المقاومة، لأنه يستعير أدوات خصومها ويعيد إنتاج منطقهم: منطق تحويل الصراع السياسي-التحرري إلى صراع هويات وملكيات اراضي وحقوق تاريخية طائفية.

إن الانزلاق إلى هذا المستوى من السجال يساهم، موضوعيا، في دفع الصراع نحو الخنادق الطائفية، حيث تصبح الجغرافيا والتاريخ ذخيرة تعبئة مذهبية، لا عناصر تحليل نقدي. بينما يفترض بالخطاب المقاوم أن يعمل في الاتجاه المعاكس تمامًا: أي تفكيك الخطاب المهيمن، وكشف طابعه الإقصائي والاستعماري-الداخلي، بدل التماهي معه أو مجاراته. فالمقاومة، بوصفها مشروعا وطنيًا-تحرريًا، تفقد أحد أهم مصادر قوتها حين تُختزل إلى دفاع طائفي عن «حقوق جماعة»، بدل أن تبقى فعلًا سياسيًا يواجه بنية الهيمنة بكل مستوياتها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire