! الديمقراطية" الامبريالية"

 


د. طنوس شلهوب 

أثار تصريح وزير الدفاع البريطاني، الذي قال فيه إنه لو أُتيحت له الفرصة «لاختطف» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمحاسبته، جدلًا واسعا، لا بسبب طابعه الافتراضي فحسب، بل لأنه يعكس منطقا سياسيًا مألوفا في الخطاب الغربي المعاصر. فهذا النوع من التصريحات لا يأتي في فراغ، بل يندرج ضمن سلسلة متواصلة من المواقف التي عبّر عنها قادة غربيون، كان أوضحها وأكثرها قيام الرئيس الاميركي  ترامب بخطف  الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، واطلق تهديدات طالت عدة بلدان. 

هذا التوازي بين الخطابين البريطاني والأميركي يكشف أن الأمر لا يتعلق باختلاف أساليب أو شخصيات، بل بوحدة العقل الإمبريالي نفسه. فترامب، بخطابه الشعبوي الصريح، قال ما يفكر فيه النظام الإمبريالي عادة بلغة أكثر تهذيبا. أما المسؤول البريطاني، فقد عبّر عن الجوهر ذاته، لكن بعبارات مغلّفة بـ«المساءلة» و«القانون الدولي».

عندما اقدم ترامب على اختطاف مادورو لم يكن ذلك نابعًا من حرص على الديمقراطية في فنزويلا، بل من حقيقة مادية واضحة:
فنزويلا دولة خارجة عن الطاعة، تمتلك موارد استراتيجية، وتحاول بناء سياسة مستقلة عن الهيمنة الأميركية. وهنا، تصبح السيادة مشروطة:
من يخضع للنظام الرأسمالي العالمي يتمتع بالحماية
ومن يتمرد يُجرَّد من شرعيته السياسية، ويُعاد تعريفه كمجرم أو ديكتاتور.

اللافت أن هذا المنطق يُطبَّق اليوم حتى على قوى كبرى كروسيا. الفارق ليس نوعيًا، بل في الدرجة فقط. فإذا كان اختطاف مادورو قد نُفذ بوصفه خيارا واقعيا، فإن الحديث عن اختطاف بوتين يُقدَّم بوصفه افتراضًا رمزيًا، لكنه يستند إلى البنية الذهنية ذاتها: نزع السيادة وتحويل الخصم إلى هدف مشروع.

فرانز فانون يذكر بأن الاستعمار يصبح أكثر عنفا حين يشعر بتآكل شرعيته. في هذه اللحظة، يسقط القناع الأخلاقي، ويظهر العنف في صورته الخام، لغويا وسياسيا.

خطاب ترامب كان تجليًا فجًّا لهذا السقوط: تهديدات مباشرة، لغة مافيوية، واحتقار صريح للقانون الدولي. أما التصريح البريطاني فيمثل مرحلة وسطى: عنف رمزي مُقنَّع، لكنه لا يقل دلالة.
كلا الخطابين يؤكدان ما قاله فانون:
«الاستعمار يتحدث لغة العقل، لكنه لا يفهم إلا لغة القوة».

إدوارد سعيد يساعدنا على فهم لماذا تُستباح دول مثل فنزويلا، أو تُختزل روسيا في شخص بوتين. فخطاب ترامب عن مادورو، وخطاب الوزير البريطاني عن بوتين، يعتمدان على آلية واحدة: تشخيص الدولة في قائدها، ثم شيطنة هذا القائد بوصفه خارجًا عن الإنسانية السياسية.
هذا الاختزال يسمح للغرب بأن يقول ضمنياً:
لسنا في صراع مع شعوب، بل مع «طغاة».
لكن سعيد يوضح أن هذا الخطاب يخفي علاقة قوة غير متكافئة، ويحوّل السياسة الدولية إلى مسرح أخلاقي زائف، تُلغى فيه جذور الصراع الاقتصادية والتاريخية.

من منظور ماركسي، يكتسب هذا الخطاب حدّة أكبر في لحظة تراجع الهيمنة الأميركية–الغربية. فمع صعود قوى جديدة، وتآكل القدرة على فرض الإرادة بالقوة الاقتصادية وحدها، يعود التهديد العاري ليطفو على السطح.

خطاب ترامب كان تعبيرا صريحا عن هذه الأزمة، أما الخطاب البريطاني فيعكس محاولة الحفاظ على الهيبة الإمبريالية عبر لغة أخلاقية متعالية. لكن في الحالتين، نحن أمام نظام عالمي يستخدم:
القانون حين يخدمه
ويتجاوزه حين يعجز عن فرض إرادته عبره

إن الربط بين تصريح وزير الدفاع البريطاني وتنفيذ ترامب لتهديداته وخطف الرئيس مادورو يبيّن أن المسألة ليست أخلاقية ولا قانونية، بل سياسية–طبقية–إمبريالية.

فما يجمع بوتين ومادورو، رغم اختلاف السياق، هو خروجهما بدرجات متفاوتة عن منظومة الهيمنة الغربية. وما يجمع لندن وواشنطن هو عقل استعماري يرى أن السيادة امتياز، لا حقا، وأن القوة تمنح نفسها شرعية ذاتية.

وهكذا، يصبح «الاختطاف» ليس مجرد كلمة عابرة، بل مفهومًا كاشفًا: عودة صريحة لمنطق الغزوة الإمبريالية، لكن بلغة القرن الحادي والعشرين.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire