د. طنوس شلهوب
لا يمكن مقاربة السياسة الأميركية تجاه كوبا خارج إطار تحليل الإمبريالية بوصفها أعلى مراحل تطوّر الرأسمالية، حيث لا تعود الدولة القومية مجرّد فاعل سياسي، بل أداة عضوية في خدمة إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية على الصعيد العالمي. فالحصار المفروض على كوبا منذ أكثر من ستة عقود يمثل ممارسة نموذجية لمنطق إمبريالي يعاقب أي محاولة لكسر علاقات التبعية داخل النظام الرأسمالي العالمي.
مثّلت الثورة الكوبية لحظة قطيعة مع نمط التراكم التابع، إذ لم تكتفِ بتغيير السلطة السياسية، بل مسّت البنية الاقتصادية ذاتها عبر مصادرة الملكيات الكبرى، وفكّ الارتباط النسبي مع السوق الأميركية، وإعادة توجيه فائض القيمة بما يخدم حاجات اجتماعية داخلية. ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت كوبا إلى «حالة شاذة» في منطق الإمبريالية، لا بسبب حجمها أو قوتها، بل بسبب دلالتها الطبقية والسيادية.
في هذا السياق، يؤدي الحصار الاقتصادي وظيفة مزدوجة: فهو من جهة أداة مباشرة لتجفيف الموارد، وخنق عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي، ومن جهة أخرى آلية ردع موجهة إلى الأطراف الأخرى في النظام العالمي، مفادها أن الخروج عن علاقات التبعية سيُواجَه بعقاب طويل الأمد. بذلك، تُستهدف الثورة الكوبية بصفتها تجربة تحاول، ضمن حدودها التاريخية، كسر منطق السوق الرأسمالية المعولمة.
وتكشف الذرائع المتكررة التي تسوقها الولايات المتحدة – من «الخطر الشيوعي» إلى «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الأمن القومي» – عن الطابع الأيديولوجي البحت لهذا الخطاب. فهي ليست سوى أشكال مختلفة لوعي زائف يُستخدم لتغطية حقيقة الصراع: صراع بين مركز إمبريالي يسعى إلى فرض شروط التراكم الرأسمالي، وطرف تابع سابق يحاول الدفاع عن سيادة اقتصادية وسياسية.
أما العقوبات الثانوية المفروضة على الدول والشركات التي تتعامل مع كوبا، فتمثل تعبيرًا متقدمًا عن العنف الإمبريالي في مرحلته المتأخرة. إذ لم تعد الإمبريالية تكتفي بإخضاع الأطراف التابعة مباشرة، بل تسعى إلى ضبط مجمل العلاقات الاقتصادية الدولية، مستخدمة هيمنتها على النظام المالي العالمي لتحويل التجارة والطاقة والعملة إلى أدوات قسر سياسي. هنا يتبدّى بوضوح أن ما يُسمّى «النظام الدولي القائم على القواعد» ليس سوى نظام قائم على اختلال ميزان القوى الطبقية بين المركز والأطراف.
ورغم ذلك، فإن استمرار كوبا في الحفاظ على حدّ أدنى من الاستقلال السياسي والاجتماعي، رغم الحصار والتجويع والضغط، يفضح محدودية القوة الإمبريالية نفسها. فالإمبريالية قادرة على الإفقار، لكنها عاجزة عن إعادة إنتاج الشرعية؛ قادرة على التخريب، لكنها غير قادرة على خلق نموذج اجتماعي بديل يحظى بقبول الشعوب. ومن هنا يتحوّل الحصار من أداة هيمنة إلى شاهد على مأزق بنيوي في النظام الرأسمالي العالمي.
في المحصلة، لا يشكّل الحصار على كوبا مجرّد سياسة عدائية، بل هو ممارسة طبقية منظّمة تهدف إلى إعادة إدخال بلد صغير في مدار التبعية. غير أن فشل هذا الهدف حتى الآن يؤكّد حقيقة أساسية: أن الإمبريالية، مهما بلغت قدرتها على العنف، لا تستطيع محو فكرة الثورة حين تتحوّل إلى وعي اجتماعي وممارسة تاريخية.
لا يمكن مقاربة السياسة الأميركية تجاه كوبا خارج إطار تحليل الإمبريالية بوصفها أعلى مراحل تطوّر الرأسمالية، حيث لا تعود الدولة القومية مجرّد فاعل سياسي، بل أداة عضوية في خدمة إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية على الصعيد العالمي. فالحصار المفروض على كوبا منذ أكثر من ستة عقود يمثل ممارسة نموذجية لمنطق إمبريالي يعاقب أي محاولة لكسر علاقات التبعية داخل النظام الرأسمالي العالمي.
مثّلت الثورة الكوبية لحظة قطيعة مع نمط التراكم التابع، إذ لم تكتفِ بتغيير السلطة السياسية، بل مسّت البنية الاقتصادية ذاتها عبر مصادرة الملكيات الكبرى، وفكّ الارتباط النسبي مع السوق الأميركية، وإعادة توجيه فائض القيمة بما يخدم حاجات اجتماعية داخلية. ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت كوبا إلى «حالة شاذة» في منطق الإمبريالية، لا بسبب حجمها أو قوتها، بل بسبب دلالتها الطبقية والسيادية.
في هذا السياق، يؤدي الحصار الاقتصادي وظيفة مزدوجة: فهو من جهة أداة مباشرة لتجفيف الموارد، وخنق عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي، ومن جهة أخرى آلية ردع موجهة إلى الأطراف الأخرى في النظام العالمي، مفادها أن الخروج عن علاقات التبعية سيُواجَه بعقاب طويل الأمد. بذلك، تُستهدف الثورة الكوبية بصفتها تجربة تحاول، ضمن حدودها التاريخية، كسر منطق السوق الرأسمالية المعولمة.
وتكشف الذرائع المتكررة التي تسوقها الولايات المتحدة – من «الخطر الشيوعي» إلى «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الأمن القومي» – عن الطابع الأيديولوجي البحت لهذا الخطاب. فهي ليست سوى أشكال مختلفة لوعي زائف يُستخدم لتغطية حقيقة الصراع: صراع بين مركز إمبريالي يسعى إلى فرض شروط التراكم الرأسمالي، وطرف تابع سابق يحاول الدفاع عن سيادة اقتصادية وسياسية.
أما العقوبات الثانوية المفروضة على الدول والشركات التي تتعامل مع كوبا، فتمثل تعبيرًا متقدمًا عن العنف الإمبريالي في مرحلته المتأخرة. إذ لم تعد الإمبريالية تكتفي بإخضاع الأطراف التابعة مباشرة، بل تسعى إلى ضبط مجمل العلاقات الاقتصادية الدولية، مستخدمة هيمنتها على النظام المالي العالمي لتحويل التجارة والطاقة والعملة إلى أدوات قسر سياسي. هنا يتبدّى بوضوح أن ما يُسمّى «النظام الدولي القائم على القواعد» ليس سوى نظام قائم على اختلال ميزان القوى الطبقية بين المركز والأطراف.
ورغم ذلك، فإن استمرار كوبا في الحفاظ على حدّ أدنى من الاستقلال السياسي والاجتماعي، رغم الحصار والتجويع والضغط، يفضح محدودية القوة الإمبريالية نفسها. فالإمبريالية قادرة على الإفقار، لكنها عاجزة عن إعادة إنتاج الشرعية؛ قادرة على التخريب، لكنها غير قادرة على خلق نموذج اجتماعي بديل يحظى بقبول الشعوب. ومن هنا يتحوّل الحصار من أداة هيمنة إلى شاهد على مأزق بنيوي في النظام الرأسمالي العالمي.
في المحصلة، لا يشكّل الحصار على كوبا مجرّد سياسة عدائية، بل هو ممارسة طبقية منظّمة تهدف إلى إعادة إدخال بلد صغير في مدار التبعية. غير أن فشل هذا الهدف حتى الآن يؤكّد حقيقة أساسية: أن الإمبريالية، مهما بلغت قدرتها على العنف، لا تستطيع محو فكرة الثورة حين تتحوّل إلى وعي اجتماعي وممارسة تاريخية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire