د. ثائر يوسف عودة
في وقفة تأملية حول طبيعة "أدب الإبادة" بوصفه جنساً أدبياً، نتساءل: هل أدب الإبادة جنس مستقل له قواعده وخصائصه وتاريخه؟ أم أنه مجرد موضوع من بين موضوعات الأدب، مثل الحب أو الموت أو الطبيعة؟ يمكن القول إن الإبادة الجماعية، بفعلها المتطرف (استهداف مجموعة بشرية بأكملها لمجرد هويتها)، تنتج أدباً مميزاً له سماته الخاصة. منها: التوتر بين الشهادة والفن- بين واجب التوثيق ورغبة الجمال. ومنها أيضاً، مسؤولية الكاتب تجاه الضحايا الذين لا يستطيعون الكتابة بأنفسهم، كيلا يقتلوا مرتين، مرة بآلة القتل الإجرامية الصهيونية، وأخرى بالمحو والنسيان.
إنّ كتابات غزة تنتمي إلى ما يمكن تسميته "الكتابة في أثناء الإبادة"، أي كتابات الضحايا الذين يكتبون ليس بعد الإبادة بل أثناءها. وهذا زمن يختلف عن زمن أدب الإبادة العالمي الذي كُتب بعد انتهاء الإبادة بسنوات أو عقود. أدباء غزة يكتبون وهم يقتلون. وما يميز أدب الإبادة في غزة هو السخونة العاطفية، والغضب، وهذا عائد إلى طبيعة الإبادة ذاتها، فهي إبادة همجية مكشوفة، لا تعرف الضحية لماذا تقوم الصهيونية بكل هذا الإجرام، وليس هناك سبب منطقي لقصف مشفى أو مدرسة. لا توجد حجة عقلانية يمكن أن تبرر كل هذا الموت، والكتابة تقول للعالم هذه الإبادة غير قابلة للفهم والتفسير، وتقول أيضاً: إذا استطعتُ فهمها، فقد أهزمها جزئياً. ربما لهذا السبب حاولت "الكتابة" أن تفكك شخصية الصهيوني فالقتلة ليسوا شياطين، هم بشر عاديون يذهبون إلى العمل ويشربون القهوة ويحبون أولادهم. لكنهم يفعلون أشياء شيطانية. هذه الحقيقة مزعجة أكثر من فكرة "الشر المجرد" لأنه إذا كان القتلة بشراً عاديين، فأي منا يمكن أن يصبح قاتلاً؟ ويمثل أدب إبادة غزة - وهي إبادة ما تزال مستمرة - جنساً أدبياً معاصراً مهماً، يتعامل مع واقع عيانيّ: إبادة تُمارس أمام العالم، وعلى الهواء مباشرة، دون خجل أو تبرير. وما يميز هذا الأدب أنه ليس أدب "ما بعد" بل أدب "أثناء". الكُتّاب يكتبون وهم تحت القصف، يكتبون وهم يعرفون أن الصفحة التي يكتبونها قد تكون آخر صفحة، يكتبون وهم لا يعرفون إن كانوا سيبقون أحياء ليروا منشوراتهم. وكتاباتهم/ شهاداتهم هنا ليست من الذاكرة، وهذا الزمن المضغوط، هذا الإلحاح، يخلق شعرية مختلفة: جمل قصيرة، إيقاع سريع، تركيز على التفاصيل الحية لأن الموت قادم وقد لا يتسع الوقت للزخرفة. إنّ معظم أعمال أدب الإبادة في العالم كُتبت بعد انتهاء الإبادة، أو بعد انتهاء المرحلة الأكثر دموية منها، لكن كتابات غزة تُكتب والإبادة مستمرة، وهذا يخلق شعوراً بالإلحاح، وخطراً حقيقياً على الكاتب (قد يُقتل قبل أن ينهي)، وصعوبة في الرؤية الكلية (لا يعرف كيف ستنتهي القصة). هذه الخاصية تجعل الكتابة وثيقة حية، وليس تأريخاً بعد فوات الأوان.
في "كتابات غزة" جسدُ الشخصية هو ساحة المعركة؛ تعذبه، تجوّعه، تجرحه، تحاول قتله، تشرّده، تمزقه القنابل، تبعثره في الركام. هذه التفاصيل في جعل الجسد هدفاً للعنف يثير سؤالاً عميقاً: هل هناك عنف خاص بالأطفال في حروب الإبادات؟ المدارس المستهدفة كانت للأطفال فقط. هم من قُتلوا. وهذا التحديد للعنف ليس مصادفة. الإبادة تستهدف الأطفال لأنّ قتلهم يرسل رسالة أعمق: نحن نقتل مستقبلكم. نحن نقتل أجيالكم القادمة. نحن نقتل قدرة مجتمعكم على التجدد. وهو تأكيد على أن هذه الجريمة موجهة ضد المستقبل تحديداً.
تصف كتابات غزة المجازر بطريقة شبه أسطورية، وهذا الأسلوب يعكس واقع غزة الذي هو أقوى من الخيال، ويختار الكاتب الغزي الواقعية القاسية (الواقعية العجائبية) لأنه لم يعد هناك مجال للإخفاء أو الترميز؛ الهمجية مكشوفة، لذلك لا حاجة إلى الأسطرة. الواقع نفسه أصبح أسطورياً في قسوته. لم تعد هناك حاجة إلى رموز خيالية والموت ليس نهاية الحكاية، الشخصيات تموت لكنها تبقى حاضرة بوصفها قصة تُروى، وتتحول إلى فكرة، والأفكار لا تموت (ليسوا أرقاماً)، ولا يمكنك أن تكتب عن أطفال يموتون دون أن تمنحهم أمل الخلود. الخلود هنا ليس عقيدة دينية، بل حاجة نفسية وأدبية. لا يمكن للكاتب أن يقتل الطفل الغزي مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بنسيانه بعد الصفحة الأخيرة. وهم ليسوا "أضراراً جانبية" للنظام العالمي، للصراع. كما تعتقد الوظيفة العنصرية في الإبادة: تجريد الضحية من إنسانيتها، وتحويلها إلى "آخر" يمكن قتله دون شعور بالذنب. و"الكتابة" تقاوم هذا التجريد بإعادة إضفاء الطابع الإنساني على الضحية.
يمكن استخلاص بعض السمات الناصعة في "كتابات غزة"، ومن أهمها: أن الكتابة/ الشهادة التزام أخلاقي. فالكاتب لا يكتب من أجل المتعة الأدبية. يكتب لأنه يشعر بأنه يجب أن يشهد، يجب أن يقول للعالم: هذا ما حدث. هذه مسؤولية تجاه الضحايا الذين لا يستطيعون الكلام. ومن جهة ثانية الكتابة هي محاولة فهم اللاإنساني؛ فالإبادة هي ذروة اللاإنسانية، والكتابة عنها محاولة لفهم كيف يمكن للبشر أن يفعلوا ذلك. حتى لو فشلت المحاولة (وهي تفشل غالباً)، فمحاولة الفهم في حد ذاتها هي فعل إنساني يعيد الإنسانية للأدب، وهذه أبرز سمات الأدب العالمي. من جهة ثالثة محاولة البحث عن بصيص أمل، فلا يمكن الكتابة عن الإبادة دون بصيص أمل، والكاتب يجد أمله في البقايا الذين يعيشون ليرووا، والأمل ليس خروجاً سعيداً، بل هو ما يجعل الاستمرار ممكناً؛ لذلك جاءت النهايات مفتوحة على الأمل (دون سذاجة). الضحايا يتحولون إلى فكرة، وهذا أمل. وبعض الشخصيات تواصل الحياة، وهذا أمل. النهاية لا تعد بنصر قريب، ولكنها لا تيأس. هذا التوازن بين الواقعية القاسية والإنسانية المتفائلة هو سر قوة كتابات غزة. ومن جهة رابعة الكتابة تعتني بالتفاصيل الصغيرة. أدب الإبادة يعرف أن القتلة يريدون تحويل الضحايا إلى أرقام. لذلك، تُعنى الكتابة بالتفاصيل الصغيرة للضحايا، وكل تفصيل هو انتصار على النسيان، على التجريد. يضاف إلى كل تلك السمات أن اللغة سلاح جوهري في زمن القنابل والصواريخ، الكلمات تبدو ضعيفة. لكن أدب الإبادة يعرف أن الكلمات هي ما يبقى بعد القنابل. القنابل تدمر الجسد، لكن الكلمات تبني الذاكرة. والمعركة النهائية هي على الذاكرة والنسيان لا على الأرض وحسب.
يلتقي أدب الإبادة مع أدب المقاومة الفلسطيني عموماً، من غسان كنفاني إلى محمود درويش ويفترق عنه بطبيعة الحال، وما يجمعه معه هو القناعة أن الكتابة مقاومة، وأن القلم لا يقل أهمية عن البندقية. وأن المعركة على السردية قد تكون أطول من المعركة على الأرض، لكنها لا تقل أهمية. ويتبنى "أدب غزة" هذه القناعة بقوة، والكاتب الغزي يكتب "رسالة من تحت الركام" قبل أن يموت. كلماته تنتقل حول العالم، وتكسب معركة لم يكسبها جيش. أما الاختلاف فيظهر في اللغة، كانت لغة أدب المقاومة يومية غالباً، رغم شاعريتها؛ حديث عن الحواجز، عن الشهادة، عن السجن. أما لغة "كتابات غزة" فأكثر مأساوية، أكثر تكثيفاً، لأن "أدب الإبادة" لا يخترع البقاء للشخصيات، بل تفرضه عليها الظروف. تبقى لأن ليس لديها مكان تذهب إليه، والمقاومة هنا أقل "بطولية" وأكثر "إنسانية"، وهذا ما يجعلها أقرب للقارئ العادي.
ستثير "كتابات غزة" ردود فعل متباينة في الغرب؛ فاليسار المتضامن سيرى فيها نقداً مهماً للإمبريالية، وإنسانية عميقة، وفناً رفيعاً. اليمين والوسط سيرون فيها دعاية مناهضة لأمريكا، ومبالغة في تصوير جيش الحرب والاحتلال الصهيوني. قد تُمنع في بعض البلدان، أو تُدرّس في بعض الجامعات، أو تُقرأ في دوائر ضيقة من النشطاء، وفي القراءة العالمية الإنسانية، خارج السياقات السياسية، سُتقرأ بوصفها كتابة عن الفقد، عن موت الأطفال في الحرب، عن إمكانية الأمل في أصعب الظروف. بهذه القراءة، قد تتجاوز كتابات غزة حدودها الفلسطينية لتصبح أدباً عالمياً، مثلما تجاوزت أعمال عالمية كل الحواجز. وهنا يأتي إلى سؤال مهم: ما الذي ينتظر "كتابات غزة" في المستقبل؟ هل ستصبح أعمالاً عالمية تُدرّس في الجامعات، أم ستُنسى كغيرها من آلاف الكتابات عن الحروب؟ الإجابة تعتمد على عدة عوامل، من أهمها: استمرار الصراع. وطالما استمر قراع المحتل سيبقى موضوع الكتابة طازجاً، ثانياً: جودتها الأدبية، إذا صمدت اللغة وصمدت الحكاية ستبقى. ثالثاً: ترجمتها: السردية مكتوبة وستُكتب باللغة العربية ومستقبلها في العالم يتوقف على جودة ترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والماندرين وغيرها. كثير من الأعمال العظيمة ظلت محصورة في لغاتها الأصلية بسبب ضعف الترجمة، وإذا ما تُرجمت "هذه الكتابات" بشكل واسع، فقد تجد جمهوراً عالمياً واسعاً. رابعاً: سياقات الاستقبال الأكاديمي؛ هل سيدرّسها النقاد في الجامعات الغربية فضلاً عن العربية؟ هذا يتوقف على اتجاهات الموضة الأكاديمية. حالياً، أدب ما بعد الاستعمار وأدب المقاومة وأدب الإبادة كلها تيارات رائجة. إذا استمرت، قد تُدرَّس في مقررات عن أدب الشرق الأوسط المعاصر. إذا تراجعت هذه التيارات، قد تُهمّش. خامساً: السينما والتلفزيون. إذا تم تحويل "كتابات غزة" إلى أفلام أو مسلسلات، فإن جمهورها سيتسع بشكل هائل. قصة غزة لديها إمكانات درامية كبيرة، ومشهدية تفوق الخيال، فإذا ما قُيّض لها إنتاج سينمائي مخلص فقد يجعلها اسماً مألوفاً في كل بيت.
"كتابات غزة" اليوم لا يمكن وضعها في قمة خارطة أدب الإبادة العالمي، بجانب الأعمال العالمية، فهؤلاء كُتّاب أسطوريون غيّرت أعمالهم مفهوم الأدب نفسه. لكنها تقع في مكان ناصع، قوتها الفريدة هي في الجمع بين الشهادة الحية (وهي تُكتب تحت القصف)، ومعظم كتّاب الإبادة إما شهداء أو أسرى أو ... قوتها الثانية هي شخصياتها التي تموت وتتحول إلى فكرة. هذه الشخصيات قد تُخلّد في الذاكرة الأدبية، هم ليسوا مجرد ضحايا، وليسوا مجرد مقاومة، هم مزيج نادر من الاثنين مع إضافة الحلم والكتابة. قوتها الثالثة هي لغتها الأدبية المكثفة، التي تجعل القارئ يشعر بالألم دون أن يغرق في الميلودراما أو الخطابية العالية والنهايات المكشوفة التي قد لا ترضي كل القراء.
"كتابات غزة" تمنحنا بعضاً من الغد المسروق، وتقول لنا: هكذا كان الضحايا، موتهم ليس النهاية، لأننا نحن نقرأ عنهم الآن. ونحن، بقراءتنا، نعيدهم إلى الحياة مؤقتاً، والأدب لا يعيد الموتى، لكنه يجعلنا نشعر أنهم لم يموتوا تماماً، إنهم ما يزالون هنا، في الكلمات، في الصور، في الأحاسيس. وهذا الشعور، هذا الوهم النبيل، قد يكون كافياً. ليس لإحياء الموتى، بل لإحياء الأحياء. لجعلنا نشعر أن الحياة تستحق العيش، وأن المقاومة تستحق العناء، وأن الأفكار أقوى من آلة القتل.
"كتابات غزة" الآن فكرة. وأنت تقرأ هذه الكلمات، تصبح جزءاً من فكرتها، تستمر بها، تحملها معك، ربما تهمس بها لطفلك قبل النوم، ربما تكتب عنها في مقال، ربما تقف ضد الإبادة في مكانك. أي فعل، أي استمرار، أي مقاومة، مهما صَغُرت، هي انتصار لغزة وضحاياها. الأفكار لا تُقتل؛ لأن الأفكار تعيش فينا. ونحن ما نزال أحياء. وسنبقى أحياء، ونكتب، ونحلم، ونزرع أزهاراً جديدة تحت ركام جديد. وهكذا تستمر الحياة. وهكذا ينتصر الأدب.
في وقفة تأملية حول طبيعة "أدب الإبادة" بوصفه جنساً أدبياً، نتساءل: هل أدب الإبادة جنس مستقل له قواعده وخصائصه وتاريخه؟ أم أنه مجرد موضوع من بين موضوعات الأدب، مثل الحب أو الموت أو الطبيعة؟ يمكن القول إن الإبادة الجماعية، بفعلها المتطرف (استهداف مجموعة بشرية بأكملها لمجرد هويتها)، تنتج أدباً مميزاً له سماته الخاصة. منها: التوتر بين الشهادة والفن- بين واجب التوثيق ورغبة الجمال. ومنها أيضاً، مسؤولية الكاتب تجاه الضحايا الذين لا يستطيعون الكتابة بأنفسهم، كيلا يقتلوا مرتين، مرة بآلة القتل الإجرامية الصهيونية، وأخرى بالمحو والنسيان.
إنّ كتابات غزة تنتمي إلى ما يمكن تسميته "الكتابة في أثناء الإبادة"، أي كتابات الضحايا الذين يكتبون ليس بعد الإبادة بل أثناءها. وهذا زمن يختلف عن زمن أدب الإبادة العالمي الذي كُتب بعد انتهاء الإبادة بسنوات أو عقود. أدباء غزة يكتبون وهم يقتلون. وما يميز أدب الإبادة في غزة هو السخونة العاطفية، والغضب، وهذا عائد إلى طبيعة الإبادة ذاتها، فهي إبادة همجية مكشوفة، لا تعرف الضحية لماذا تقوم الصهيونية بكل هذا الإجرام، وليس هناك سبب منطقي لقصف مشفى أو مدرسة. لا توجد حجة عقلانية يمكن أن تبرر كل هذا الموت، والكتابة تقول للعالم هذه الإبادة غير قابلة للفهم والتفسير، وتقول أيضاً: إذا استطعتُ فهمها، فقد أهزمها جزئياً. ربما لهذا السبب حاولت "الكتابة" أن تفكك شخصية الصهيوني فالقتلة ليسوا شياطين، هم بشر عاديون يذهبون إلى العمل ويشربون القهوة ويحبون أولادهم. لكنهم يفعلون أشياء شيطانية. هذه الحقيقة مزعجة أكثر من فكرة "الشر المجرد" لأنه إذا كان القتلة بشراً عاديين، فأي منا يمكن أن يصبح قاتلاً؟ ويمثل أدب إبادة غزة - وهي إبادة ما تزال مستمرة - جنساً أدبياً معاصراً مهماً، يتعامل مع واقع عيانيّ: إبادة تُمارس أمام العالم، وعلى الهواء مباشرة، دون خجل أو تبرير. وما يميز هذا الأدب أنه ليس أدب "ما بعد" بل أدب "أثناء". الكُتّاب يكتبون وهم تحت القصف، يكتبون وهم يعرفون أن الصفحة التي يكتبونها قد تكون آخر صفحة، يكتبون وهم لا يعرفون إن كانوا سيبقون أحياء ليروا منشوراتهم. وكتاباتهم/ شهاداتهم هنا ليست من الذاكرة، وهذا الزمن المضغوط، هذا الإلحاح، يخلق شعرية مختلفة: جمل قصيرة، إيقاع سريع، تركيز على التفاصيل الحية لأن الموت قادم وقد لا يتسع الوقت للزخرفة. إنّ معظم أعمال أدب الإبادة في العالم كُتبت بعد انتهاء الإبادة، أو بعد انتهاء المرحلة الأكثر دموية منها، لكن كتابات غزة تُكتب والإبادة مستمرة، وهذا يخلق شعوراً بالإلحاح، وخطراً حقيقياً على الكاتب (قد يُقتل قبل أن ينهي)، وصعوبة في الرؤية الكلية (لا يعرف كيف ستنتهي القصة). هذه الخاصية تجعل الكتابة وثيقة حية، وليس تأريخاً بعد فوات الأوان.
في "كتابات غزة" جسدُ الشخصية هو ساحة المعركة؛ تعذبه، تجوّعه، تجرحه، تحاول قتله، تشرّده، تمزقه القنابل، تبعثره في الركام. هذه التفاصيل في جعل الجسد هدفاً للعنف يثير سؤالاً عميقاً: هل هناك عنف خاص بالأطفال في حروب الإبادات؟ المدارس المستهدفة كانت للأطفال فقط. هم من قُتلوا. وهذا التحديد للعنف ليس مصادفة. الإبادة تستهدف الأطفال لأنّ قتلهم يرسل رسالة أعمق: نحن نقتل مستقبلكم. نحن نقتل أجيالكم القادمة. نحن نقتل قدرة مجتمعكم على التجدد. وهو تأكيد على أن هذه الجريمة موجهة ضد المستقبل تحديداً.
تصف كتابات غزة المجازر بطريقة شبه أسطورية، وهذا الأسلوب يعكس واقع غزة الذي هو أقوى من الخيال، ويختار الكاتب الغزي الواقعية القاسية (الواقعية العجائبية) لأنه لم يعد هناك مجال للإخفاء أو الترميز؛ الهمجية مكشوفة، لذلك لا حاجة إلى الأسطرة. الواقع نفسه أصبح أسطورياً في قسوته. لم تعد هناك حاجة إلى رموز خيالية والموت ليس نهاية الحكاية، الشخصيات تموت لكنها تبقى حاضرة بوصفها قصة تُروى، وتتحول إلى فكرة، والأفكار لا تموت (ليسوا أرقاماً)، ولا يمكنك أن تكتب عن أطفال يموتون دون أن تمنحهم أمل الخلود. الخلود هنا ليس عقيدة دينية، بل حاجة نفسية وأدبية. لا يمكن للكاتب أن يقتل الطفل الغزي مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بنسيانه بعد الصفحة الأخيرة. وهم ليسوا "أضراراً جانبية" للنظام العالمي، للصراع. كما تعتقد الوظيفة العنصرية في الإبادة: تجريد الضحية من إنسانيتها، وتحويلها إلى "آخر" يمكن قتله دون شعور بالذنب. و"الكتابة" تقاوم هذا التجريد بإعادة إضفاء الطابع الإنساني على الضحية.
يمكن استخلاص بعض السمات الناصعة في "كتابات غزة"، ومن أهمها: أن الكتابة/ الشهادة التزام أخلاقي. فالكاتب لا يكتب من أجل المتعة الأدبية. يكتب لأنه يشعر بأنه يجب أن يشهد، يجب أن يقول للعالم: هذا ما حدث. هذه مسؤولية تجاه الضحايا الذين لا يستطيعون الكلام. ومن جهة ثانية الكتابة هي محاولة فهم اللاإنساني؛ فالإبادة هي ذروة اللاإنسانية، والكتابة عنها محاولة لفهم كيف يمكن للبشر أن يفعلوا ذلك. حتى لو فشلت المحاولة (وهي تفشل غالباً)، فمحاولة الفهم في حد ذاتها هي فعل إنساني يعيد الإنسانية للأدب، وهذه أبرز سمات الأدب العالمي. من جهة ثالثة محاولة البحث عن بصيص أمل، فلا يمكن الكتابة عن الإبادة دون بصيص أمل، والكاتب يجد أمله في البقايا الذين يعيشون ليرووا، والأمل ليس خروجاً سعيداً، بل هو ما يجعل الاستمرار ممكناً؛ لذلك جاءت النهايات مفتوحة على الأمل (دون سذاجة). الضحايا يتحولون إلى فكرة، وهذا أمل. وبعض الشخصيات تواصل الحياة، وهذا أمل. النهاية لا تعد بنصر قريب، ولكنها لا تيأس. هذا التوازن بين الواقعية القاسية والإنسانية المتفائلة هو سر قوة كتابات غزة. ومن جهة رابعة الكتابة تعتني بالتفاصيل الصغيرة. أدب الإبادة يعرف أن القتلة يريدون تحويل الضحايا إلى أرقام. لذلك، تُعنى الكتابة بالتفاصيل الصغيرة للضحايا، وكل تفصيل هو انتصار على النسيان، على التجريد. يضاف إلى كل تلك السمات أن اللغة سلاح جوهري في زمن القنابل والصواريخ، الكلمات تبدو ضعيفة. لكن أدب الإبادة يعرف أن الكلمات هي ما يبقى بعد القنابل. القنابل تدمر الجسد، لكن الكلمات تبني الذاكرة. والمعركة النهائية هي على الذاكرة والنسيان لا على الأرض وحسب.
يلتقي أدب الإبادة مع أدب المقاومة الفلسطيني عموماً، من غسان كنفاني إلى محمود درويش ويفترق عنه بطبيعة الحال، وما يجمعه معه هو القناعة أن الكتابة مقاومة، وأن القلم لا يقل أهمية عن البندقية. وأن المعركة على السردية قد تكون أطول من المعركة على الأرض، لكنها لا تقل أهمية. ويتبنى "أدب غزة" هذه القناعة بقوة، والكاتب الغزي يكتب "رسالة من تحت الركام" قبل أن يموت. كلماته تنتقل حول العالم، وتكسب معركة لم يكسبها جيش. أما الاختلاف فيظهر في اللغة، كانت لغة أدب المقاومة يومية غالباً، رغم شاعريتها؛ حديث عن الحواجز، عن الشهادة، عن السجن. أما لغة "كتابات غزة" فأكثر مأساوية، أكثر تكثيفاً، لأن "أدب الإبادة" لا يخترع البقاء للشخصيات، بل تفرضه عليها الظروف. تبقى لأن ليس لديها مكان تذهب إليه، والمقاومة هنا أقل "بطولية" وأكثر "إنسانية"، وهذا ما يجعلها أقرب للقارئ العادي.
ستثير "كتابات غزة" ردود فعل متباينة في الغرب؛ فاليسار المتضامن سيرى فيها نقداً مهماً للإمبريالية، وإنسانية عميقة، وفناً رفيعاً. اليمين والوسط سيرون فيها دعاية مناهضة لأمريكا، ومبالغة في تصوير جيش الحرب والاحتلال الصهيوني. قد تُمنع في بعض البلدان، أو تُدرّس في بعض الجامعات، أو تُقرأ في دوائر ضيقة من النشطاء، وفي القراءة العالمية الإنسانية، خارج السياقات السياسية، سُتقرأ بوصفها كتابة عن الفقد، عن موت الأطفال في الحرب، عن إمكانية الأمل في أصعب الظروف. بهذه القراءة، قد تتجاوز كتابات غزة حدودها الفلسطينية لتصبح أدباً عالمياً، مثلما تجاوزت أعمال عالمية كل الحواجز. وهنا يأتي إلى سؤال مهم: ما الذي ينتظر "كتابات غزة" في المستقبل؟ هل ستصبح أعمالاً عالمية تُدرّس في الجامعات، أم ستُنسى كغيرها من آلاف الكتابات عن الحروب؟ الإجابة تعتمد على عدة عوامل، من أهمها: استمرار الصراع. وطالما استمر قراع المحتل سيبقى موضوع الكتابة طازجاً، ثانياً: جودتها الأدبية، إذا صمدت اللغة وصمدت الحكاية ستبقى. ثالثاً: ترجمتها: السردية مكتوبة وستُكتب باللغة العربية ومستقبلها في العالم يتوقف على جودة ترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والماندرين وغيرها. كثير من الأعمال العظيمة ظلت محصورة في لغاتها الأصلية بسبب ضعف الترجمة، وإذا ما تُرجمت "هذه الكتابات" بشكل واسع، فقد تجد جمهوراً عالمياً واسعاً. رابعاً: سياقات الاستقبال الأكاديمي؛ هل سيدرّسها النقاد في الجامعات الغربية فضلاً عن العربية؟ هذا يتوقف على اتجاهات الموضة الأكاديمية. حالياً، أدب ما بعد الاستعمار وأدب المقاومة وأدب الإبادة كلها تيارات رائجة. إذا استمرت، قد تُدرَّس في مقررات عن أدب الشرق الأوسط المعاصر. إذا تراجعت هذه التيارات، قد تُهمّش. خامساً: السينما والتلفزيون. إذا تم تحويل "كتابات غزة" إلى أفلام أو مسلسلات، فإن جمهورها سيتسع بشكل هائل. قصة غزة لديها إمكانات درامية كبيرة، ومشهدية تفوق الخيال، فإذا ما قُيّض لها إنتاج سينمائي مخلص فقد يجعلها اسماً مألوفاً في كل بيت.
"كتابات غزة" اليوم لا يمكن وضعها في قمة خارطة أدب الإبادة العالمي، بجانب الأعمال العالمية، فهؤلاء كُتّاب أسطوريون غيّرت أعمالهم مفهوم الأدب نفسه. لكنها تقع في مكان ناصع، قوتها الفريدة هي في الجمع بين الشهادة الحية (وهي تُكتب تحت القصف)، ومعظم كتّاب الإبادة إما شهداء أو أسرى أو ... قوتها الثانية هي شخصياتها التي تموت وتتحول إلى فكرة. هذه الشخصيات قد تُخلّد في الذاكرة الأدبية، هم ليسوا مجرد ضحايا، وليسوا مجرد مقاومة، هم مزيج نادر من الاثنين مع إضافة الحلم والكتابة. قوتها الثالثة هي لغتها الأدبية المكثفة، التي تجعل القارئ يشعر بالألم دون أن يغرق في الميلودراما أو الخطابية العالية والنهايات المكشوفة التي قد لا ترضي كل القراء.
"كتابات غزة" تمنحنا بعضاً من الغد المسروق، وتقول لنا: هكذا كان الضحايا، موتهم ليس النهاية، لأننا نحن نقرأ عنهم الآن. ونحن، بقراءتنا، نعيدهم إلى الحياة مؤقتاً، والأدب لا يعيد الموتى، لكنه يجعلنا نشعر أنهم لم يموتوا تماماً، إنهم ما يزالون هنا، في الكلمات، في الصور، في الأحاسيس. وهذا الشعور، هذا الوهم النبيل، قد يكون كافياً. ليس لإحياء الموتى، بل لإحياء الأحياء. لجعلنا نشعر أن الحياة تستحق العيش، وأن المقاومة تستحق العناء، وأن الأفكار أقوى من آلة القتل.
"كتابات غزة" الآن فكرة. وأنت تقرأ هذه الكلمات، تصبح جزءاً من فكرتها، تستمر بها، تحملها معك، ربما تهمس بها لطفلك قبل النوم، ربما تكتب عنها في مقال، ربما تقف ضد الإبادة في مكانك. أي فعل، أي استمرار، أي مقاومة، مهما صَغُرت، هي انتصار لغزة وضحاياها. الأفكار لا تُقتل؛ لأن الأفكار تعيش فينا. ونحن ما نزال أحياء. وسنبقى أحياء، ونكتب، ونحلم، ونزرع أزهاراً جديدة تحت ركام جديد. وهكذا تستمر الحياة. وهكذا ينتصر الأدب.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire