▼

ماركس أم سعاده؟ من أين نبدأ بفهم التاريخ؟

 

د. طنوس شلهوب

قرأت باهتمام مقال الدكتورة نبيلة غصن «ماركس أم سعاده؟ من يملك مفتاح تفسير التاريخ؟»، المنشور في موقع «الطوفان» في 4 تشرين الأول. والمقال يطرح قضية تستحق النقاش، لأن المقارنة بين كارل ماركس وأنطون سعاده هي في الواقع بين طريقتين في النظر إلى التاريخ والمجتمع والإنسان. بداية، أعتقد أن صيغة «ماركس أم سعاده؟» نفسها تحتاج إلى مراجعة. فالسؤال الأعمق ليس أي الرجلين نختار، ولا من منهما يملك «مفتاح» تفسير التاريخ، بل: من أين يبدأ التاريخ في تفسيرنا للمجتمع؟ وكيف تتكون أشكال الاجتماع البشري، ومنها الأمة؟
ربما كان من أكثر التحولات ثورية في تاريخ الفكر الإنساني أن ماركس لم يبدأ من الأفكار التي يحملها الناس عن أنفسهم، ولا من الهويات الجاهزة، ولا من الدولة أو الأمة بوصفهما حقائق أزلية، بل بدأ من الحياة المادية للناس: من إنتاجهم لحاجاتهم، ومن طريقة تنظيم هذا الإنتاج، ومن العلاقات الاجتماعية التي تنشأ في سياقه.
فالإنسان لا يدخل التاريخ باعتباره أمة مكتملة، ولا باعتباره طبقة مكتملة، ولا باعتباره حاملًا لهوية سياسية جاهزة. إنه يدخل التاريخ بوصفه كائناً يعيش ضمن شروط مادية محددة، ويضطر إلى إقامة علاقات مع الآخرين من أجل إنتاج حياته وإعادة إنتاجها. ومع تطور الإنتاج، وظهور فائض اجتماعي، وتطور تقسيم العمل وأشكال الملكية، تظهر أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية. ومن داخل هذه العملية التاريخية تتكون الطبقات. فالطبقة ليست فكرة في رؤوس الناس تسبق وجودها الاجتماعي، بل علاقة اجتماعية تاريخية تتشكل في شروط محددة. وهنا تكمن أهمية المنهج الماركسي: الأشكال التي يعيش الناس ضمنها ليست أبدية.
فالقبيلة ليست الشكل الذي حكم الاجتماع البشري منذ الأزل، والمدينة ليست كذلك، والإمبراطورية والإقطاع والدولة الحديثة ليست أشكالًا ثابتة خارج التاريخ. والأمة أيضاً ليست شكلًا أزلياً للاجتماع البشري. وهذا لا يعني أن الأمة وهم، أو أن الانتماء القومي مجرد اختراع أيديولوجي. على العكس، الأمة حقيقة تاريخية واجتماعية وسياسية يمكن أن تصبح قوة مادية هائلة في حياة البشر. لكن كونها حقيقة تاريخية لا يعني أنها كانت موجودة دائماً، ولا أنها تمثل التفسير النهائي للتاريخ. الأمة، إذن، يمكن أن تكون قوة تاريخية حقيقية، من دون أن تكون نقطة البداية الأزلية التي نفسر بها التاريخ كله.

كيف تتكون الأمة؟
إذا كانت الأمة حقيقة تاريخية، فمن الطبيعي أن نسأل كيف تتكون. وهنا لا يمكن اختزالها في عنصر واحد. فاللغة، والجغرافيا، والتاريخ المشترك، والعلاقات الاقتصادية، والمصالح المتبادلة، والتفاعل الاجتماعي والسياسي، والمؤسسات، والدولة، والوعي بالانتماء، كلها يمكن أن تدخل في عملية التكوين القومي. لكن لا يوجد عنصر واحد من هذه العناصر يصنع الأمة بمفرده. المسألة هي في كيفية تفاعل هذه العناصر عبر التاريخ، وفي الدرجة التي تتحول بها إلى وحدة اجتماعية وسياسية وتاريخية، وإلى تشكل وعي مشترك بالانتماء إلى جماعة واحدة.
وفي الوقت نفسه لا توجد أمة حديثة متجانسة بالمطلق. داخل كل أمة اختلافات وتناقضات ومناطق ومصالح وذاكرات محلية. لذلك فإن السؤال ليس: هل تتوافر جميع عناصر الأمة بصورة كاملة؟ بل: هل أنتج تفاعل هذه العناصر، في مسار تاريخي معين، جماعة بشرية تتبلور كوحدة تاريخية وسياسية واجتماعية، وتكتسب وعيًا مشتركًا بذاتها يحدد هويتها؟
وهذا التمييز مهم لأنه يمنعنا من تحويل أي عنصر من عناصر الاجتماع البشري إلى مفتاح وحيد لتحديد الأمة. كما يمنعنا من الانتقال مباشرة من وجود روابط تاريخية أو جغرافية أو اقتصادية إلى استنتاج وجود أمة محددة الحدود، من دون دراسة المسار الذي جعل هذه الروابط تتحول إلى وحدة قومية.

الأمة العربية: من الروابط التاريخية إلى قضية سياسية
وهذا السؤال نفسه ينبغي أن نطرحه عندما ننتقل إلى المقارنة بين الأمة العربية و«سورية الطبيعية». قد يقول قائل: إذا كانت بعض الشروط التي نستخدمها لمناقشة «سورية الطبيعية» لا تنطبق بصورة كاملة عليها، فإنها لا تنطبق أيضاً على الأمة العربية. في الواقع توجد روابط عربية عميقة: لغة مشتركة، وتاريخ حضاري متداخل، وتشابك جغرافي وبشري وثقافي، وحركة اقتصادية واسعة، وتجارب استعمارية وهيمنة خارجية أعادت تشكيل المنطقة كلها، وإن بدرجات وأشكال مختلفة. لكن الأهم من تعداد هذه العناصر هو فهم المسار التاريخي الذي جعلها تتحول إلى قضية سياسية. فالدعوة الحديثة إلى الوحدة العربية لم تكن مجرد فكرة اخترعها بعض المثقفين ثم حاولوا فرضها على واقع لا علاقة له بها. لقد نشأت في سياق تاريخي محدد، تداخلت فيه الروابط التي كانت قائمة أصلًا بين شعوب المنطقة مع التجربة الاستعمارية والتقسيم السياسي والتجزئة الاقتصادية، ثم مع حركات التحرر الوطني التي واجهت الاستعمار والهيمنة والتبعية.
لقد كشفت الهيمنة الاستعمارية، بصورة عملية، أن تجزئة المنطقة لم تكن مجرد حدود جغرافية محايدة، بل ارتبطت ببنية السيطرة عليها. ومن هنا أصبحت الوحدة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الحركة الوطنية العربية، وفي الوعي الشعبي، جزءًا من مشروع التحرر من الاستعمار والتجزئة، لا مجرد حنين إلى ماضٍ مشترك. وهذا لا يعني أن العالم العربي كان في أي لحظة وحدة سياسية أو اقتصادية مكتملة، ولا أن الوحدة العربية كانت نتيجة حتمية للتاريخ. بل يعني أن فكرة الوحدة نفسها نشأت من مسار تاريخي مادي محدد، ومن تناقضات واقعية عاشتها شعوب المنطقة، وتحولت إلى مشروع سياسي حامل لقضايا التحرر الوطني.
وعليه، فإن النضال من أجل التحرر الوطني والوحدة العربية لا يحول الأمة العربية إلى جوهر ثابت سابق على التاريخ. فالوحدة يمكن أن تكون في الوقت نفسه واقعاً جزئياً، وإمكانًا تاريخياً، ومشروعاً سياسياً. وهذا مهم جدًا في المقارنة مع سعاده. فالمسألة ليست أن الأمة العربية مكتملة بينما «سورية الطبيعية» غير مكتملة، ولا أن الأولى حقيقية والثانية وهم. المسألة هي: ما المسار التاريخي الذي ننتسب إليه حين نتحدث عن كل منهما؟
إذا كانت الدعوة إلى الوحدة العربية قد تبلورت ضمن مسار طويل من التفاعل التاريخي، ثم أخذت مضموناً سياسياً واضحاً في مواجهة الاستعمار والتجزئة، فعلينا أن نسأل السؤال نفسه عن «الأمة السورية»: ما المسار التاريخي الذي أنتجها بوصفها وحدة قومية مستقلة عن المجال العربي الأوسع؟ وما القوى الاجتماعية والسياسية التي خاضت هذا المسار؟ وها حقاً تشكل وعي قومي سوري متميز، لا مجرد وعي محلي أو مشرقي أو عربي؟

ماذا يقول سعاده؟
من الإنصاف أن نبدأ بالتأكيد أن أنطون سعاده لم يبنِ تصوره للأمة على العرق أو الدين أو النسب، كما تفعل بعض التصورات القومية. بل حاول أن يقدم تصوراً اجتماعياً وتاريخياً للأمة، وربط تكوّنها بالإنسان، والبيئة، والتفاعل الاجتماعي، والتاريخ. وفي «المحاضرات العشر» يرفض صراحةً رد الأمة السورية إلى أصل سلالي واحد، ويشرحها باعتبارها نتيجة تاريخ طويل من احتكاك الشعوب واستقرارها وتفاعلها وامتزاجها في هذه المنطقة. وهذه نقطة ينبغي الاعتراف بها، لأنها تجعل نقد سعاده أكثر جدية، لا أقل. فالمشكلة ليست في أنه أدخل البيئة والتاريخ والتفاعل الاجتماعي في تفسير الأمة. المشكلة تبدأ في الانتقال من هذه العناصر العامة إلى تحديد مجال قومي بعينه وحدوده، ثم التعامل مع هذا المجال باعتباره الأمة التي تكشفت حقيقتها من خلال هذه العناصر.
فالسؤال هنا ليس: هل تؤثر البيئة في الإنسان والمجتمع؟ بالطبع تؤثر. ولا: هل للجغرافيا أهمية في التاريخ؟ بالطبع لها أهمية. بل السؤال هو: هل يمكن الانتقال من وجود بيئة جغرافية مترابطة وعلاقات تاريخية واقتصادية إلى إثبات وجود أمة محددة الحدود، من دون أن نفسر أولًا كيف أنتجت هذه العلاقات وحدة قومية فعلية؟ وهنا يظهر موضع الخلاف المنهجي.

الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد: شروط تتشكل تاريخياً
الجغرافيا شرط أساسي في التاريخ، لكنها لا تتكلم بنفسها. البحر والجبل والنهر والسهل والموارد الطبيعية تضع شروطاً وإمكانات، لكن البشر هم الذين يحولون هذه المعطيات إلى علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولهذا لا ترسم الجغرافيا وحدها الحدود القومية. فالمنطقة الجغرافية الواحدة يمكن أن تضم جماعات مختلفة، كما يمكن لجماعة تاريخية واحدة أن تتوزع في أكثر من إطار سياسي. والحدود والأسواق وأنماط الإنتاج والهجرة والتبادل تتغير عبر التاريخ. لذلك لا يكون السؤال: ما المجال الجغرافي الذي يمكن أن يشكل أمة؟ بل: ماذا فعل البشر تاريخياً بهذه الجغرافيا؟ كيف أنتجوا؟ كيف تبادلوا؟ كيف تشكلت الأسواق؟ كيف توزعت الملكية؟ كيف نشأت المدن؟ كيف تطورت المؤسسات والدولة؟ وكيف نشأت المصالح المشتركة؟ ثم كيف تحولت هذه العلاقات، في مرحلة معينة، إلى ثقافة ووعي بالانتماء إلى جماعة سياسية وتاريخية واحدة؟
والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد. فوجود التجارة بين منطقتين لا يعني أنهما تشكلان سوقاً وطنية واحدة، إذ توجد التجارة بين أمم مختلفة. لكن الاقتصاد يظل عنصراً أساسياً في فهم الأمة الحديثة، لأن تطور الأسواق وتقسيم العمل وحركة السكان ووسائل النقل والاتصال والدولة الحديثة يساهم في دمج السكان ضمن علاقات جديدة.
ولهذا لا يكفي أن نقول إن هناك علاقات اقتصادية بين أجزاء «سورية الطبيعية»، كما لا يكفي أن ننفيها. المطلوب هو دراسة طبيعة هذه العلاقات ودرجة تكاملها، والأهم، هل ساهمت في تكوين وحدة اجتماعية وسياسية مشتركة، أو وعي لهوية قومية واحدة. وهنا يظهر الفرق بين تحليل مادي يبدأ من التاريخ الفعلي، وبين جمع عناصر مشتركة ثم الانتقال منها مباشرة إلى استنتاج قومي.

«سورية الطبيعية»: من المجال التاريخي إلى الوحدة القومية
لا يمكن إنكار الروابط العميقة بين المناطق التي أدرجها سعاده ضمن «سورية الطبيعية». فقد عاشت أجزاء واسعة منها قروناً ضمن إمبراطوريات ومجالات حضارية وسياسية متداخلة، وارتبطت بلغات وثقافات وأسواق وحركات بشرية مشتركة بدرجات مختلفة. وسعاده نفسه بنى جزءًا أساسياً من حجته على فكرة الوحدة الجغرافية والزراعية والاقتصادية والاستراتيجية لهذا المجال؛ ففي «المحاضرات العشر» يصف سورية الطبيعية بأنها وحدة «جغرافية ـ زراعية ـ اقتصادية ـ استراتيجية»، ويربط اكتمال القضية القومية باكتمال هذه الوحدة. لكن وجود هذه الروابط لا يحسم وحده مسألة الأمة. إن وجود مجال تاريخي مترابط لا يساوي بالضرورة وجود أمة واحدة محددة الحدود.
فالتاريخ يمكن أن ينتج أكثر من إمكانية للانتماء والوحدة. وقد تتقاطع فيه مستويات متعددة: محلي، ومشرقي، وعربي، وديني، وإمبراطوري، ثم وطني وقومي حديث. وليس من الضروري أن يؤدي هذا التعقيد إلى نتيجة قومية واحدة محددة سلفاً.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الوحدة الممكنة أو المنشودة إلى وحدة مفترضة سابقة على التحليل، ثم يعاد تفسير الجغرافيا والتاريخ واللغة والعلاقات الاجتماعية باعتبارها أدلة على حقيقة هذه الوحدة. عندها ينقلب اتجاه المنهج. فالمنهج العلمي يبدأ من العلاقات الواقعية، ويدرس كيف تطورت، وما الأشكال الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها. أما أن نبدأ من وحدة قومية مفترضة ثم نعيد قراءة الوقائع على ضوئها، فمعناه أن الواقع أصبح تابعاً للفكرة بدل أن تكون الفكرة مستخرجة من الواقع.

قبرص: الاختبار المنهجي

ولعل قضية قبرص تكشف هذه المشكلة المنهجية بصورة أوضح من أي مثال آخر. لا تكمن أهمية قبرص في استخدامها كحجة لإسقاط مشروع سعاده، بل في أنها تضع المنهج أمام سؤال يصعب تجاوزه. فسعاده لم يكتفِ بتحديد «سورية الطبيعية» بوصفها مجالًا جغرافياً، بل جعل قبرص جزءًا من الوطن السوري، انطلاقاً من تصوره لوحدة البيئة والمجال الجغرافي. وقد نص المبدأ الخامس صراحة على شمول الوطن السوري جزيرة قبرص، وشرح سعاده ذلك باعتبارها جزءًا متمماً لهذه الأرض. لكن القرب الجغرافي من شرق المتوسط لا يجيب وحده عن سؤال الانتماء القومي. وهنا يُطرح السؤال: إذا كانت الجغرافيا عاملاً حاسماً في تحديد الأمة، فأين تنتهي هذه الجغرافيا؟ ومن يحدد حدودها؟ هل يكفي القرب الجغرافي؟ أم يجب أن يكون هناك تفاعل اقتصادي واجتماعي؟ وهل يكفي التاريخ المشترك؟ وإذا كان كذلك، فأي تاريخ مشترك، وأي درجة من الاشتراك؟ وماذا نفعل بالمجموعات البشرية التي ترتبط تاريخياً وجغرافياً بأكثر من مجال؟ وفي الواقع، فإن سكان قبرص راهناً منقسمين الى “شعبين”، قسم من أصول تركية ويعتبر نفسه جزءًا منها ويتكلم التركية، بينما القسم الباقي يعتبر نفسه أقرب الى اليونان ويتكلم اليونانية. قبرص، بهذا المعنى، تكشف أن الانتقال من «وجود روابط جغرافية وتاريخية» إلى «إذن نحن أمام أمة محددة الحدود» ليس انتقالًا بديهياً. وإذا كانت الجغرافيا تحدد الأمة، فمن الذي يحدد حدود الجغرافيا القومية؟
أما إذا كان الإنسان والمجتمع والتاريخ هم الذين يعطون الجغرافيا معناها السياسي والقومي، فإننا نعود من جديد إلى السؤال المادي عن العلاقات التي أنتجت الجماعة القومية. وهنا يصبح النقد أعمق من مجرد الاعتراض على إدراج قبرص أو استبعادها. المسألة هي أن الحدود القومية نفسها تحتاج إلى تفسير تاريخي.

ليست المشكلة في حجم الأمة
ومن الضروري توضيح نقطة حتى لا يُساء فهم النقد. المشكلة ليست في أن سعاده اختار وحدة أصغر من الوحدة العربية، وكأن الأمة الأكبر مساحة هي بالضرورة الأمة «الأصح». فالحجم الجغرافي ليس معياراً للحقيقة القومية. ولو كان الأمر كذلك، لأصبح من السهل جداً إثبات أو نفي أي أمة بمجرد مقارنة مساحتها بأمة أخرى. المشكلة هي أن سعاده أعطى للمجال الذي حدده بوصفه «سورية الطبيعية» أساساً موضوعياً حاسماً جعله الأمة الحقيقية، أو المجال الطبيعي الذي لا تكتمل القضية القومية من دونه. وفي المقابل تصبح الدوائر الأوسع للانتماء، ولا سيما العربية، إما أوهاماً أو التباسات تاريخية ينبغي تجاوزها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تكشف هذه الحدود عن أمة كانت قد تشكلت بالفعل قبل سعاده، أم أن المشروع القومي السوري نفسه ساهم في تحويل هذا المجال المتداخل تاريخياً إلى تصور عن أمة محددة الحدود؟ هذا هو جوهر المسألة.

الأمة والتناقضات داخلها
الأمة ليست فرداً واحداً له مصلحة واحدة وصوت واحد. داخلها طبقات وفئات ومناطق ومصالح مختلفة. هناك من يملك وسائل الإنتاج ومن يعمل فيها، وهناك أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الأجور، وهناك مصالح تجارية وصناعية ومصرفية وعقارية، وهناك تفاوت بين المركز والأطراف.
لذلك فإن الحديث عن «المصلحة القومية» يطرح سؤالًا آخر: مصلحة من؟ ومن يحددها؟ فالاعتراف بوجود الأمة لا يلغي الصراع الطبقي، كما أن الصراع الطبقي لا يلغي الأمة. كلاهما يدخل في تشكيل الواقع التاريخي، ويتفاعل أحدهما مع الآخر. وهنا تظهر أهمية الدولة.
فالدولة ليست الأمة نفسها، كما أن الحكومة ليست الشعب، والحزب الذي يتحدث باسم الأمة لا يصبح بمجرد ذلك ممثلاً لكل أفرادها. الدولة مؤسسة تاريخية تتكون ضمن علاقات اجتماعية محددة، وتمتلك قدراً من الاستقلال النسبي عن مختلف القوى الاجتماعية، لكنها ليست فوق المجتمع والتاريخ. ولهذا فإن السؤال «من يمثل الأمة؟» لا يمكن فصله عن سؤال «من يملك القوة الاجتماعية والسياسية؟». قد ترفع الطبقات المختلفة العلم نفسه، وتتحدث اللغة نفسها، لكنها لا تعيش بالضرورة المصالح نفسها. ومن هنا كان تمييز لينين بين الاعتراف بالمسألة القومية وبين تحويل القومية إلى أيديولوجيا تتجاوز الانقسامات الطبقية.
فالماركسية، في تناولها للمسألة القومية، لا تنكر الحقوق والحركات القومية، لكنها تدرسها في ظروفها التاريخية وعلاقاتها الطبقية الملموسة.

ماركس أم سعاده؟
لهذا لا أعتقد أن وضع ماركس وسعاده في مواجهة ثنائية من نوع «من يملك مفتاح التاريخ؟» يساعد كثيراً على فهم المسألة. ماركس لا يقدم مفتاحاً سحرياً يفسر كل شيء، وسعاده لا يقدم كذلك. لكن الفرق المنهجي بينهما مهم. ماركس يبدأ من الحياة المادية والعلاقات الاجتماعية التي ينتجها البشر في سياق إعادة إنتاج حياتهم، ثم يدرس كيف تتشكل منها الطبقات والمؤسسات والأفكار وأشكال الوعي والانتماء، وكيف تتحول هذه الأشكال نفسها، بعد تشكلها، إلى قوى فاعلة في التاريخ. وهذا لا يعني أن المادة تحدد كل شيء بصورة ميكانيكية. فالأشكال الاجتماعية التي ينتجها التاريخ تكتسب استقلالاً نسبياً، وتصبح لها مؤسساتها وذاكرتها ورموزها وأفكارها، ثم تؤثر بدورها في المجتمع. ما ينتج تاريخياً يمكن أن يتحول لاحقاً إلى عامل فاعل في إنتاج التاريخ. هذا هو المنهج الجدلي.
فالأمة، بعد أن تتكون، تصبح قوة تاريخية حقيقية. واللغة والثقافة والذاكرة والدولة تصبح بدورها قوى اجتماعية حقيقية. لكن كونها أصبحت قوى فاعلة لا يعني أنها كانت نقطة البداية الأزلية التي تفسر التاريخ. لذلك لا ينبغي أن نضع الأمة والطبقة في مواجهة ثنائية. المسألة القومية ليست وهماً يجب تجاوزه، كما أن الأمة ليست كياناً متجانساً يلغي التناقضات الاجتماعية. يمكن للماركسي أن يناضل ضد الاستعمار والتبعية ومن أجل التحرر والوحدة، وفي الوقت نفسه يسأل عن البنية الاجتماعية التي يتحرك فيها هذا النضال، وعن القوى الطبقية التي تحدد مضمونه، وعن الدولة التي تتولى تمثيله. وهذا ما يفسر إمكان الجمع بين الموقف الماركسي والنضال من أجل الوحدة العربية. فالماركسية لا تطلب من المناضل أن يتجاهل المجال التاريخي الذي تجري فيه معركته، بل أن يفهمه. وإذا كانت الوحدة العربية قد تحولت تاريخياً إلى مطلب للتحرر من الاستعمار والتجزئة، فإن تحليل هذا المطلب لا يبدأ من إنكار وجود الأمة العربية، بل من دراسة الشروط التي جعلت الوحدة قضية سياسية فعلية.

اكتشاف الأمة أم إنتاج الوعي القومي بها؟
أما في حالة «سورية الطبيعية»، فالسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل اكتشف سعاده وحدة قومية كانت قد تشكلت تاريخياً قبل صياغته لمشروعه، أم أنه صاغ مشروعاً سياسياً يسعى إلى تحويل مجال تاريخي وجغرافي متداخل إلى وحدة قومية؟ الفرق بين الأمرين ليس لغوياً. إنه فرق في فهم التاريخ نفسه.
إذا كان المشروع القومي السوري بصياغة سعادة قد لعب الدور الأساسي في إنتاج الوعي بالأمة السورية وتحديد حدودها، فإننا نكون أمام مشروع بناء قومي له قيمته السياسية والتاريخية، لكن يصعب عندها القول إن المشروع اكتشف ببساطة أمة مكتملة كانت قائمة موضوعياً قبل أن يسميها ويحدد حدودها. أما إذا قيل إن الأمة كانت موجودة قبل المشروع، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: أين نجد في التاريخ السابق على سعاده المسار الاجتماعي والسياسي الذي أنتج هذه الوحدة القومية المحددة؟ وأين نجد الوعي المشترك الذي يميزها عن دوائر الانتماء الأخرى، ولا سيما الانتماء العربي؟ هذا السؤال لا ينتقص من الدور التاريخي لسعاده، بل يحدد طبيعة هذا الدور.
فقد يكون المفكر أو الحركة السياسية كاشفاً عن اتجاه تاريخي قائم، وقد يكون أيضاً فاعلاً في إنتاج هوية سياسية جديدة. وفي أحيان كثيرة قد يجتمع الأمران، إذ يعيد المشروع السياسي تنظيم روابط تاريخية موجودة أصلًا ويمنحها معنى جديداً واتجاهاً جديداً. لكن في هذه الحالة يبقى علينا أن نميز بين اكتشاف الأمة وتكوين الوعي القومي بها.

الخلاصة
الأمة حقيقة تاريخية، لكنها ليست بداية التاريخ. إنها تتكون من تفاعل معقد بين الجغرافيا واللغة والتاريخ والاقتصاد والمؤسسات والوعي، والمصالح، والصراعات الاجتماعية، والسياسية. ولا يمكن ردها إلى عنصر واحد، كما لا يمكن إنكارها لأن عناصرها لم تتطابق بصورة كاملة. لكن الاعتراف بوجود الأمة لا يعفينا من تفسيرها.
والسؤال المحوري هنا: كيف أنتجت العلاقات المادية والاجتماعية والتاريخية جماعة بشرية ترى نفسها أمة؟ ومن هنا يصبح الفرق بين التحليل الماركسي ومشروع سعاده أقل ارتباطاً بالسؤال السطحي: «هل توجد أمة أم لا؟»، وأكثر ارتباطاً بالسؤال الأعمق: كيف نعرف أن جماعة بشرية تشكل أمة، وكيف نفسر نشوء هذه الأمة بدل أن نفترضها نقطة انطلاق لتفسير التاريخ؟
وربما هنا ينبغي أن نخرج فعلًا من سؤال «ماركس أم سعاده؟». فالمسألة في النهاية ليست اختيار اسم في مواجهة اسم، بل اختيار طريقة في قراءة التاريخ: هل نبدأ من الواقع والعلاقات التي ينتجها البشر، ثم نفهم منها أشكال الوعي، والانتماء، والمؤسسات، والأمة؟ أم نبدأ من شكل قومي محدد، ثم نعيد ترتيب التاريخ والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية لكي تثبت لنا أنه كان موجوداً منذ البداية والناس غافلة عنه؟

***

ماركس أم سعاده؟ من يملك مفتاح تفسير التاريخ؟الصراع الطبقي في مواجهة الصراع بين الأمم
د. نبيلة عفيف غصن

مقدمة: من يحرّك التاريخ؟
من أكثر الأسئلة إلحاحًا في علم الاجتماع السياسي والفكر السياسي: ما القوة الأساسية التي تصنع التاريخ؟ هل هو الصراع داخل المجتمع بين الطبقات والمصالح الاقتصادية، كما أبرز كارل ماركس؟ أم أن الوحدة الاجتماعية الأوسع، أي الأمة، هي الإطار الحقيقي الذي تتحدد داخله المصالح والصراعات الكبرى، وأن الصراع الحاسم في التاريخ الحديث يجري بين الأمم والقوى المنظمة في وحدات قومية؟
هنا تكتسب نظرية أنطون سعاده أهمية تتجاوز سياقها التاريخي المباشر. فسعاده لم ينطلق من إنكار وجود التفاوت الاجتماعي أو الصراع الاقتصادي داخل المجتمع، بل رفض أن يتحول الصراع الطبقي إلى التفسير الشامل للتاريخ. وفي مقابل الرؤية التي تجعل الطبقة مركز الحركة التاريخية، وضع الأمة والمجتمع والدولة والسيادة في قلب التحليل، معتبرًا أن الإنسان لا يعيش بوصفه فردًا اقتصاديًا مجردًا، بل ضمن مجتمع تاريخي له أرض وذاكرة ومصالح وكيان سياسي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين باعتبارهما اختبارًا واسعًا لهذه المسألة: هل تتصرف الطبقات منفصلة عن أممها، أم أن الطبقات نفسها تتحرك في معظم اللحظات التاريخية الكبرى داخل أطر قومية ودولية تحددها موازين القوة بين الأمم؟
والواقع الدولي المعاصر يقدم مادة غنية لإعادة النظر في هذا السؤال.

ماركس: الطبقة بوصفها محرك التاريخ
شكّل ماركس انقلابًا فكريًا كبيرًا عندما نقل تفسير التاريخ من عالم الأفكار المجردة إلى علاقات الإنتاج والمصالح المادية. ففي الرؤية الماركسية، لا يمكن فهم المجتمع بمعزل عن الطريقة التي ينتج بها ثروته، ولا عن علاقات الملكية والسيطرة على وسائل الإنتاج.
ومن هنا ظهر مفهوم الصراع الطبقي بوصفه أحد المفاتيح المركزية لفهم التاريخ: ملاك وسائل الإنتاج في مواجهة الذين يبيعون قوة عملهم، والطبقات المهيمنة في مواجهة الطبقات المستغلة.
وكان لهذا التحليل أثر بالغ في تفسير التحولات الاجتماعية والاقتصادية في أوروبا الصناعية، ولا سيما في القرن التاسع عشر. فالرأسمالية لم تكن بالنسبة إلى ماركس مجرد نظام اقتصادي، بل نظامًا اجتماعيًا ينتج علاقات قوة، ويعيد تشكيل الدولة والسياسة والثقافة.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التفسير من تحليل مهم لبنية المجتمع إلى تفسير وحيد لكل حركة التاريخ.
فالحربان العالميتان، وحركات التحرر الوطني، وصعود الدول القومية، والصراعات الجيوسياسية، والحروب الاقتصادية، والصراع على الموارد والممرات الاستراتيجية، كلها أظهرت أن البشر لا يتحركون فقط بوصفهم أعضاء في طبقات اقتصادية، بل أيضًا بوصفهم أعضاء في جماعات سياسية وتاريخية وأمم ودول.
وهنا تظهر المسافة الفكرية التي تفصل سعاده عن ماركس.

سعاده: الأمة وحدة اجتماعية تاريخية قبل أن تكون مجرد طبقة اقتصادية
لم يكن سعاده يرى المجتمع تجمعًا اعتباطيًا لأفراد أو طبقات متصارعة، بل رأى فيه وحدة اجتماعية تاريخية تتكون عبر تفاعل الإنسان مع الأرض والتاريخ والثقافة والحياة المشتركة.
ومن هنا تصبح الأمة عنده ليست مجرد شعار سياسي أو عاطفة وجدانية، بل واقعًا اجتماعيًا تاريخيًا له مصالحه ومصيره وكيانه.
وهذا يقود إلى اختلاف جوهري في زاوية النظر.
فإذا كان ماركس يسأل بصورة أساسية:
من يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يستغل من؟
فإن سعاده يضيف سؤالًا أكثر اتساعًا:
أي مجتمع يملك حق تقرير مصيره؟ ومن يسيطر على أرضه وموارده وقراره السياسي؟ وأي قوة خارجية تعيد تشكيل بنيته لمصلحتها؟
وهذا السؤال الأخير بالغ الأهمية؛ لأن المجتمع قد يحتوي طبقات متفاوتة المصالح، لكنها تصبح جميعًا معرّضة لخطر واحد عندما تتعرض الأمة نفسها للاحتلال أو التجزئة أو التبعية أو التفكيك.
وهنا لا يعود الصراع الطبقي قادرًا وحده على تفسير الواقع.
فالعامل والموظف ورجل الأعمال والمثقف والفلاح، رغم اختلاف مواقعهم الاقتصادية، قد يجدون أنفسهم في لحظة تاريخية واحدة أمام تحدٍّ قومي أو وجودي مشترك.

الصراع بين الأمم لا يلغي الصراع الاجتماعي
ومن الخطأ تفسير نظرية سعاده وكأنها دعوة إلى إنكار التناقضات الاجتماعية.
على العكس، كان مشروعه يقوم على إعادة بناء المجتمع على أساس العدالة والتكامل الاجتماعي، وعلى تجاوز العصبيات الطائفية والمذهبية والمصالح الفئوية الضيقة.
لكن الفرق الأساسي هو أن الصراع الاجتماعي عند سعاده ليس الغاية النهائية للمجتمع.
فالمجتمع الذي يحوّل كل علاقاته إلى صراع داخلي دائم قد يفقد قدرته على إنتاج القوة القومية.
وهنا يمكن صياغة الفكرة على النحو الآتي:
ليست المشكلة في وجود التناقضات داخل الأمة، بل في تحويل هذه التناقضات إلى بديل عن وحدة الأمة ومصالحها العليا.
فالطبقة لا تعيش في الفراغ؛ إنها تعيش داخل مجتمع محدد، وعلى أرض محددة، وتحت نظام سياسي محدد، وفي مواجهة قوى خارجية محددة.
وهذا يجعل المستوى القومي إطارًا لا يمكن تجاهله في التحليل.

القرن العشرون: اختبار قاسٍ للنظرية الطبقية
جاء القرن العشرون ليقدم مفارقة تاريخية مهمة.
فقد كانت الثورة الروسية عام 1917 مستندة بصورة أساسية إلى الفكر الماركسي والصراع الطبقي، لكن الدولة السوفياتية التي نشأت عنها سرعان ما أصبحت قوة جيوسياسية كبرى تتحرك بمنطق الدولة والمصلحة الاستراتيجية والنفوذ الدولي.
وبالمثل، فإن الأحزاب الشيوعية في مختلف أنحاء العالم، رغم أمميتها النظرية، وجدت نفسها مضطرة إلى العمل داخل دول ومجتمعات قومية محددة.
بل إن الصراع الدولي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة لم يكن مجرد صراع بين البروليتاريا والبرجوازية.
لقد كان أيضًا صراعًا بين قوتين دوليتين عظيمتين، لكل منهما دولتها ومؤسساتها ومجال نفوذها ومصالحها الاستراتيجية.
وهنا يظهر السؤال السعادي بوضوح:
إذا كانت الطبقة هي العامل الحاسم وحده، فلماذا تحولت الدولة والمصلحة القومية والسيادة والأمن إلى عناصر مركزية في سلوك الأنظمة التي تبنّت الماركسية نفسها؟

الحرب العالمية: عندما تتراجع الطبقة أمام الأمة
تقدم الحرب العالمية الأولى والثانية مثالًا أكثر وضوحًا.
كان العمال في أوروبا ينتمون نظريًا إلى طبقة واحدة تتجاوز الحدود. وكان شعار الأممية العمالية يقوم على التضامن بين العمال بغض النظر عن الجنسية.
لكن عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، وجد العمال أنفسهم في جيوش دولهم، يقاتلون عمالًا من دول أخرى.
كانت هذه لحظة كاشفة: الانتماء القومي والدولة والمصلحة الجيوسياسية استطاعت في لحظة تاريخية حاسمة أن تتقدم على الانتماء الطبقي الأممي.
وهذا لا يعني أن التحليل الطبقي أصبح بلا قيمة، بل يعني أن الطبقة ليست دائمًا الوحدة السياسية الأعلى التي يتحرك من خلالها الإنسان.
ففي لحظة الحرب، يصبح السؤال:
من يملك الأرض؟ ومن يحمي الحدود؟ ومن يملك القرار والسيادة؟
وهذه أسئلة تقع في قلب النظرية القومية الاجتماعية.
العالم المعاصر: عودة الجغرافيا والصراع بين القوى الكبرى
إذا انتقلنا إلى القرن الحادي والعشرين، نجد أن الاتجاه العالمي لا يسير نحو اختفاء الأمم، بل نحو إعادة تشكيل التوازنات بينها.
الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الهند، تركيا، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من القوى، تتحرك وفق حسابات تتعلق بالأمن والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والممرات البحرية والبرية والفضاء السيبراني.

الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مثلًا، لا يمكن تفسيرها فقط بوصفها صراعًا بين الطبقة الرأسمالية والعمال.
إنها تتضمن صراعًا على:
التكنولوجيا المتقدمة؛
أشباه الموصلات؛
الذكاء الاصطناعي؛
سلاسل الإمداد؛
الممرات التجارية؛
النفوذ البحري؛
الطاقة؛
والقدرة على صياغة النظام الدولي.
وهنا تظهر بوضوح المصلحة القومية للدولة بوصفها عاملًا حاسمًا.
حتى الشركات العملاقة التي تعمل عابرًا للحدود تجد نفسها في نهاية المطاف مرتبطة بالبيئات القانونية والتكنولوجية والاستراتيجية للدول التي تنتمي إليها.
فلسطين نموذج مكثف للصراع متعدد المستويات
القضية الفلسطينية تقدم مثالًا شديد الوضوح على محدودية تفسير التاريخ بالصراع الطبقي وحده.
فالإنسان الفلسطيني قد يكون عاملًا أو فلاحًا أو أكاديميًا أو رجل أعمال، لكن ذلك لا يلغي أن هناك مسألة تتعلق بالأرض والسيادة والاقتلاع والهوية والوجود السياسي.
كما أن الصراع في فلسطين لم يكن صراعًا اجتماعيًا داخليًا بين طبقتين فقط، بل أصبح جزءًا من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية وقوى إقليمية ودولية ومصالح استراتيجية واقتصادية وعسكرية.
وهذا ما يجعل النظرية السعادية قادرة على تقديم عدسة مختلفة:
الإنسان الاجتماعي لا يمكن فصله عن الأرض التي يعيش عليها، ولا عن الجماعة التاريخية التي ينتمي إليها، ولا عن الصراع على السيادة.

سورية الطبيعية ومشكلة التجزئة
ومن هنا تكتسب رؤية سعاده لمفهوم سورية الطبيعية أهميتها الفكرية والسياسية.
فهو لم يتعامل مع المنطقة باعتبارها مجموعة كيانات منفصلة نشأت بصورة طبيعية وتاريخية نهائية، بل رأى أن التجزئة السياسية لا تلغي وحدة المجتمع التاريخية والجغرافية.
وبغض النظر عن الموقف من الحدود السياسية القائمة اليوم، فإن السؤال السعادي يبقى شديد الأهمية:
هل تستطيع مجتمعات مجزأة سياسيًا أن تواجه بمفردها القوى الكبرى التي تتحرك على نطاق إقليمي ودولي؟
هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر في عصر الممرات الاقتصادية، والطاقة، والأمن الإقليمي، والحروب الهجينة، والسيادة الرقمية.
فالدولة الصغيرة التي تفقد القدرة على التحكم بمواردها وممراتها وقرارها السياسي تصبح أكثر تعرضًا للتأثير الخارجي، حتى لو كانت مؤسساتها الدستورية قائمة.
من الصراع الطبقي إلى صراع الوظائف والمصالح
لكن التجربة المعاصرة لا تسمح أيضًا بالعودة إلى قومية رومانسية تتجاهل الاقتصاد.
فهناك تداخل بين الصراع القومي والاجتماعي.
القوى الدولية قد تستخدم الفوارق الطبقية والاجتماعية والطائفية داخل مجتمع ما لإضعاف قدرته على الوحدة. وقد تتحول النخب الاقتصادية إلى قنوات نفوذ خارجي. كما يمكن للشركات متعددة الجنسيات أن تمتلك قوة تتجاوز أحيانًا قدرة بعض الدول.
وهنا يصبح المطلوب تركيبًا فكريًا أكثر عمقًا:
لا يكفي أن نقول إن التاريخ صراع بين الطبقات، ولا أن نقول إن الصراع بين الأمم يلغي التناقضات الاجتماعية.
الأدق هو القول إن الصراعات الاجتماعية تجري داخل بنى قومية وسياسية، وأن الصراعات بين الأمم والقوى الدولية تستطيع بدورها إعادة تشكيل البنية الطبقية والاجتماعية داخل كل مجتمع.
وبذلك تصبح العلاقة جدلية وليست إقصائية.

ما الذي يجعل رؤية سعاده راهنة اليوم؟
تكمن راهنية سعاده في أنه أدرك مبكرًا أن التحرر لا يمكن أن يكون اقتصاديًا فقط.
فالاستقلال الاقتصادي من دون سيادة سياسية يبقى ناقصًا، والسيادة السياسية من دون وحدة اجتماعية قابلة للتحقق تبقى هشة، والوحدة الاجتماعية من دون مشروع ثقافي وأخلاقي تتحول إلى تجمع مصالح مؤقت.
ولهذا ربط سعاده بين الأرض والمجتمع والدولة والثقافة والسيادة.
وهذا الربط يسمح بفهم ظواهر حديثة لم تكن موجودة بالشكل الحالي في زمنه، مثل:
الحروب الاقتصادية؛
العقوبات الدولية؛
الحرب السيبرانية؛
السيطرة على البيانات؛
منصات التواصل؛
الذكاء الاصطناعي؛
سلاسل التوريد؛
الأمن الغذائي والطاقة؛
والحرب على الوعي والرواية.
فالصراع لم يعد يجري فقط على الأرض؛ إنه يجري أيضًا على العقل والموارد والتكنولوجيا والقرار.
وهذا يقود إلى مفهوم بالغ الأهمية في زمننا: السيادة الرقمية القومية، أي قدرة المجتمع على حماية فضائه المعرفي والتكنولوجي من أن يتحول إلى مجال نفوذ خارجي.
خاتمة: الأمة ليست نفيًا للطبقة، بل إطارًا لتجاوز الانقسام
ربما تكمن قوة المقارنة بين ماركس وسعاده في أنها لا تتطلب اختيار أحدهما بوصفه تفسيرًا وحيدًا لكل التاريخ.
لقد قدم ماركس أدوات قوية لفهم التفاوت والاستغلال وعلاقات الإنتاج والسلطة الاقتصادية. أما سعاده فقد وسّع مجال النظر إلى سؤال آخر: كيف يتحول المجتمع إلى قوة تاريخية قادرة على حماية وجوده ومصالحه وسيادته؟
ومن هذه الزاوية، لا تكون الأمة مجرد بديل عن الطبقة، بل تصبح الإطار الذي تتفاعل داخله الطبقات والفئات والمصالح.
فالطبقة لا تستطيع أن تتحرر إذا كان المجتمع الذي تنتمي إليه فاقدًا لسيادته، والأمة لا تستطيع أن تنهض إذا كانت بنيتها الداخلية قائمة على الظلم والتفاوت والتفكك.
وهنا تتجلى إحدى أهم الأفكار السعادية: المشكلة ليست في وجود المصالح المختلفة داخل المجتمع، بل في عجز المجتمع عن تحويل تعدده إلى وحدة اجتماعية منتجة.
إن القرن الحادي والعشرين، بما يشهده من صراع على الطاقة والتكنولوجيا والممرات والأسواق والموارد والقرار السياسي والوعي، يعيد إلى الواجهة السؤال الذي طرحه سعاده بصورة مختلفة عن ماركس:
هل يستطيع الإنسان أن يفهم نفسه خارج الجماعة التاريخية التي صنعت وجوده؟ وهل تستطيع الطبقات أن تنتصر منفردة في عالم تتحرك فيه القوى الكبرى بوصفها دولًا وأممًا وكتلًا استراتيجية؟
الجواب الذي تقدمه التجربة التاريخية يبدو واضحًا: لا يمكن اختزال التاريخ في الصراع الطبقي، كما لا يمكن اختزال المجتمع في الصراع بين الأمم.
لكن عندما يصل الصراع إلى مستوى السيادة والوجود والمصير، يصبح المجتمع أمام ضرورة تتجاوز الانقسام الداخلي: أن يعرف من هو، وما هي أرضه، وما هي مصالحه، وما هو موقعه في ميزان القوى العالمي.
وهنا تحديدًا تتجلى راهنية سعاده: في تحويل الوعي من مجرد وعي بالفئة والمصلحة الآنية إلى وعي بالنحن؛ ومن مجتمع تتنازعه العصبيات والمصالح إلى مجتمع يعرف نفسه ككل تاريخي، قادر على إنتاج القوة والعدالة معًا.
فالأمة، في المنظور السعادي، ليست سجنًا للطبقات، بل الإطار الذي يمكن داخله تجاوز صراع المصالح الضيق نحو بناء مجتمع أكثر عدلًا، وأكثر قدرة على امتلاك قراره، وأكثر حضورًا في التاريخ.
وفي عالم تتصارع فيه القوى الكبرى على إعادة توزيع النفوذ والثروة والتكنولوجيا والممرات، تصبح المسألة في جوهرها سؤالًا عن من يمتلك القدرة على أن يكون فاعلًا في التاريخ، ومن يتحول إلى موضوع تتقرر مصائره من خارجه.
وهذه هي النقطة التي تجعل الصراع بين الأمم، في القراءة السعادية، ليس مجرد منافسة بين دول، بل صراعًا على حق المجتمعات في أن تصنع تاريخها بنفسها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire