د. طنوس شلهوب
يثير الحديث عن جائزة نوبل سؤالاً يتجاوز أسماء الفائزين والجائزة نفسها: هل تجسد نوبل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جانباً من النظرة الأورو-مركزية إلى العالم؟
ليس المقصود القول إن كل جائزة مُنحت إلى عالم أو أديب أوروبي أو غربي كانت غير مستحقة، ولا أن لجان نوبل تتخذ قراراتها دائماً وفق اعتبارات سياسية. لكن النظر إلى تاريخ الجائزة في سياقه العالمي يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.
فجائزة نوبل نشأت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، في مرحلة كانت فيها أوروبا الغربية تحتل موقعاً مركزياً في النظام الاقتصادي والعلمي والثقافي العالمي. ولم تكن المؤسسات العلمية والجامعات الكبرى ودور النشر وشبكات المعرفة العالمية موزعة بالتساوي بين شعوب العالم. كان المركز يمتلك، إلى حد بعيد، وسائل إنتاج المعرفة ووسائل نشرها ومنحها الاعتراف العالمي.
فالمسألة ليست فقط في عدد الفائزين الأوروبيين أو الغربيين، بل في سؤال أعمق: من يملك القدرة على تحديد ما الذي يستحق أن يُعتبر إنجازاً علمياً أو أدبياً ذا قيمة عالمية؟ ومن يملك المؤسسات التي تمنح هذا الإنجاز صفة «العالمية»؟
ويظهر هذا التفاوت بصورة واضحة إذا نظرنا إلى حضور بلدان الجنوب العالمي في تاريخ الجائزة. فوجود فائزين من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية لا يلغي حقيقة أن هؤلاء ظلوا أقلية في المشهد العام للجائزة. لكن الأهم من مجرد إحصاء الأسماء هو البحث في الأسباب التي تجعل إنتاج المعرفة والإبداع موزعاً بهذا الشكل غير المتكافئ أصلاً.
قبل أن يصل عالم أو أديب إلى دائرة الترشيح والاعتراف الدولي، توجد شبكة كاملة من الجامعات ومراكز البحث ودور النشر والمجلات العلمية والترجمة والمؤسسات الثقافية التي تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من يستطيع الوصول إلى المجال العالمي ومن يبقى إنتاجه محصوراً في مجاله المحلي أو الإقليمي.
وإذا عدنا إلى مرحلة الحرب الباردة، تصبح المسألة أكثر نفوراً. فقد حصل الاتحاد السوفياتي على عدد من جوائز نوبل في العلوم، ولكنها بقيت قليلة نسبياً مقارنة بحجم انجازات العلماء السوفييت في هذا المجال. اما الجوائز الأدبية والسياسية فلم تكن خارج الصراع بين السوفييت والغرب. فقد مُنحت الجائزة لبوريس باسترناك عام 1958، ولسولجينتسين عام 1970، ولأندريه ساخاروف عام 1975، ثم لبروسكي عام 1987. من الجلي أن اختيار هؤلاء ارتبط بالصراع الفكري والسياسي بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي. وهذا يُظهر أن جائزة نوبل ليست محايدة خارج الصراع.
اما بالنسبة لعالم الجنوب فان التفاوت في الجوائز لا يمكن فصله عن التفاوت في شروط إنتاج المعرفة نفسها. فالدول التي تمتلك جامعات ومختبرات ومراكز أبحاث وتمويلاً وشبكات نشر وترجمة دولية واسعة، تمتلك فرصاً أكبر لإنتاج المعرفة التي تصل إلى المؤسسات العالمية. أما المجتمعات التي حُرمت تاريخياً من هذه الشروط بسبب الاستعمار والتبعية والتفاوت الاقتصادي العالمي وعلاقة الهيمنة والتبعية، فلا يمكن أن نتوقع أن يكون حضورها في مؤسسات الاعتراف العالمي مساوياً لحضور المراكز التي راكمت هذه الشروط طوال عقود وقرون.
وهنا تصبح المسألة أكثر عمقاً من مجرد القول إن نوبل «منحازة للغرب». إنها تتعلق بما يمكن تسميته مركزية الاعتراف. فقد ينتج مجتمع ما معرفة علمية أو أدباً أو فلسفة ذات قيمة كبيرة، لكن انتقال هذا الإنتاج من المجال المحلي أو الإقليمي إلى المجال العالمي يحتاج غالباً إلى المرور عبر مؤسسات وشبكات تقع تاريخياً في مراكز القوة.
ومن هنا يمكن النظر إلى نوبل باعتبارها جزءاً من ظاهرة أوسع تشمل الجامعات الكبرى، ودور النشر، والمجلات العلمية، وشبكات الترجمة والمؤسسات الثقافية. فهذه المؤسسات لا تكتفي باكتشاف القيمة؛ إنها تشارك أيضاً في تحديد ما الذي يُرى بوصفه قيمة، وما الذي يصل إلى جمهور عالمي، وما الذي يبقى خارج دائرة الاعتراف.
المشكلة، إذن، ليست في أن نوبل أوروبية المنشأ فحسب، ولا في أن كثيراً من جوائزها ذهبت إلى الأوروبيين والغربيين، بل في أن المركز التاريخي للنظام العالمي ما زال يمتلك قدرة استثنائية على تحديد ما ينبغي أن يُعتبر معرفة عالمية وإبداعاً عالمياً وقيمة إنسانية عالمية.
وعليه فان القوى المهيمنة في العالم هي من يملك شروط إنتاج المعرفة، وشروط تداولها، وسلطة منحها صفة العالمية. في الخلاصة، فإنه في ظل علاقات القوة هذه، لا يمكن أن تكون مؤسسات توزيع الالقاب والجوائز خارج هذه العلاقات.
يثير الحديث عن جائزة نوبل سؤالاً يتجاوز أسماء الفائزين والجائزة نفسها: هل تجسد نوبل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جانباً من النظرة الأورو-مركزية إلى العالم؟
ليس المقصود القول إن كل جائزة مُنحت إلى عالم أو أديب أوروبي أو غربي كانت غير مستحقة، ولا أن لجان نوبل تتخذ قراراتها دائماً وفق اعتبارات سياسية. لكن النظر إلى تاريخ الجائزة في سياقه العالمي يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.
فجائزة نوبل نشأت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، في مرحلة كانت فيها أوروبا الغربية تحتل موقعاً مركزياً في النظام الاقتصادي والعلمي والثقافي العالمي. ولم تكن المؤسسات العلمية والجامعات الكبرى ودور النشر وشبكات المعرفة العالمية موزعة بالتساوي بين شعوب العالم. كان المركز يمتلك، إلى حد بعيد، وسائل إنتاج المعرفة ووسائل نشرها ومنحها الاعتراف العالمي.
فالمسألة ليست فقط في عدد الفائزين الأوروبيين أو الغربيين، بل في سؤال أعمق: من يملك القدرة على تحديد ما الذي يستحق أن يُعتبر إنجازاً علمياً أو أدبياً ذا قيمة عالمية؟ ومن يملك المؤسسات التي تمنح هذا الإنجاز صفة «العالمية»؟
ويظهر هذا التفاوت بصورة واضحة إذا نظرنا إلى حضور بلدان الجنوب العالمي في تاريخ الجائزة. فوجود فائزين من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية لا يلغي حقيقة أن هؤلاء ظلوا أقلية في المشهد العام للجائزة. لكن الأهم من مجرد إحصاء الأسماء هو البحث في الأسباب التي تجعل إنتاج المعرفة والإبداع موزعاً بهذا الشكل غير المتكافئ أصلاً.
قبل أن يصل عالم أو أديب إلى دائرة الترشيح والاعتراف الدولي، توجد شبكة كاملة من الجامعات ومراكز البحث ودور النشر والمجلات العلمية والترجمة والمؤسسات الثقافية التي تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من يستطيع الوصول إلى المجال العالمي ومن يبقى إنتاجه محصوراً في مجاله المحلي أو الإقليمي.
وإذا عدنا إلى مرحلة الحرب الباردة، تصبح المسألة أكثر نفوراً. فقد حصل الاتحاد السوفياتي على عدد من جوائز نوبل في العلوم، ولكنها بقيت قليلة نسبياً مقارنة بحجم انجازات العلماء السوفييت في هذا المجال. اما الجوائز الأدبية والسياسية فلم تكن خارج الصراع بين السوفييت والغرب. فقد مُنحت الجائزة لبوريس باسترناك عام 1958، ولسولجينتسين عام 1970، ولأندريه ساخاروف عام 1975، ثم لبروسكي عام 1987. من الجلي أن اختيار هؤلاء ارتبط بالصراع الفكري والسياسي بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي. وهذا يُظهر أن جائزة نوبل ليست محايدة خارج الصراع.
اما بالنسبة لعالم الجنوب فان التفاوت في الجوائز لا يمكن فصله عن التفاوت في شروط إنتاج المعرفة نفسها. فالدول التي تمتلك جامعات ومختبرات ومراكز أبحاث وتمويلاً وشبكات نشر وترجمة دولية واسعة، تمتلك فرصاً أكبر لإنتاج المعرفة التي تصل إلى المؤسسات العالمية. أما المجتمعات التي حُرمت تاريخياً من هذه الشروط بسبب الاستعمار والتبعية والتفاوت الاقتصادي العالمي وعلاقة الهيمنة والتبعية، فلا يمكن أن نتوقع أن يكون حضورها في مؤسسات الاعتراف العالمي مساوياً لحضور المراكز التي راكمت هذه الشروط طوال عقود وقرون.
وهنا تصبح المسألة أكثر عمقاً من مجرد القول إن نوبل «منحازة للغرب». إنها تتعلق بما يمكن تسميته مركزية الاعتراف. فقد ينتج مجتمع ما معرفة علمية أو أدباً أو فلسفة ذات قيمة كبيرة، لكن انتقال هذا الإنتاج من المجال المحلي أو الإقليمي إلى المجال العالمي يحتاج غالباً إلى المرور عبر مؤسسات وشبكات تقع تاريخياً في مراكز القوة.
ومن هنا يمكن النظر إلى نوبل باعتبارها جزءاً من ظاهرة أوسع تشمل الجامعات الكبرى، ودور النشر، والمجلات العلمية، وشبكات الترجمة والمؤسسات الثقافية. فهذه المؤسسات لا تكتفي باكتشاف القيمة؛ إنها تشارك أيضاً في تحديد ما الذي يُرى بوصفه قيمة، وما الذي يصل إلى جمهور عالمي، وما الذي يبقى خارج دائرة الاعتراف.
المشكلة، إذن، ليست في أن نوبل أوروبية المنشأ فحسب، ولا في أن كثيراً من جوائزها ذهبت إلى الأوروبيين والغربيين، بل في أن المركز التاريخي للنظام العالمي ما زال يمتلك قدرة استثنائية على تحديد ما ينبغي أن يُعتبر معرفة عالمية وإبداعاً عالمياً وقيمة إنسانية عالمية.
وعليه فان القوى المهيمنة في العالم هي من يملك شروط إنتاج المعرفة، وشروط تداولها، وسلطة منحها صفة العالمية. في الخلاصة، فإنه في ظل علاقات القوة هذه، لا يمكن أن تكون مؤسسات توزيع الالقاب والجوائز خارج هذه العلاقات.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire