مهند فوزي أبو شمالة
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة إستراتيجية شديدة التعقيد والتصاعد؛ مرحلة تتشكل في أعقاب سنوات ممتدة من حرب الإبادة والتدمير الشامل التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية، وفي ظل تداخل إقليمي واشتباك عسكري غير مسبوق تتسارع فيه التغيرات في بنية الشرق الأوسط وتتقاطع فيه جبهات المواجهة. وأمام هذا المشهد الصاخب والتحديات المصيرية التي تواجه الهوية الوطنية والبيت الداخلي الفلسطيني، تفرض الضرورة الإعلامية والسياسية قراءة عميقة تعيد التأصيل للمصطلحات، وتشخص الاتجاهات القادمة بعين الخبرة والتاريخ. ومن أجل التفكيك السياسي لهذه الحالة الراهنة وقراءة مآلاتها الميدانية والإقليمية، تحاور "بوابة الهدف الإخبارية" الرفيق والرمز النضالي التاريخي صلاح صلاح، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي هذا الحوار يفتح صلاح ملفات المرحلة، يقرأ أبعاد مبادرة الجبهة الشعبية للإنقاذ الوطني، وموقع قضيتنا في معادلات الإقليم وهندسة "الشرق الأوسط الجديد"، يمتد التفكيك السياسي في كلماته ليشمل تحولات جبهات المقاومة المترابطة، وتبدلات حظوظ التطبيع في المنطقة عقب الانكسارات الإستراتيجية للمشروع الصهيوني، واهتزاز المظلة الأمريكية.
وفيما يلي، نص الحوار كاملاً:
جاءت مبادرة الجبهة الشعبية حول خطة إنقاذ وطنية لمنع تحويل الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني في صورة جديدة، كيف قرأت المبادرة؟
الانتخابات الحرة النزيهة التي تمكّن كل فلسطيني من أن يدلي بصوته حيثما كان، هي مطلب لكل الشعب الفلسطيني، لكنّ انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني التي يجري الحديث عنها هذه الأيام، ضمن الآلية المطروحة لإجرائها والسقف السياسي المحدد للمرشحين لها، تثير شكوكاً مشروعة، ومحفّزة عند كثيرين (فصائل وأفراداً)، وليس فقط لأنّها تعيد إنتاج الانقسام، وإنّما أيضاً لأنّها:
تؤدي لتكريس ما هو قائم على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، في حين أنّ المطلوب هو التجديد بالنهج السياسي وليس بالأشخاص، أي أن يجد معارضو نهج "أوسلو" فرصتهم بالترشح والانتخاب، وليقرر الناخبون نتائجها.
صيغة الكوتا من خلال بدعة "التجمعات الانتخابية" تتناقض مع مبدأ الديمقراطية الانتخابية التي يجب أن تعطي المجال لكل فلسطيني لممارسة حقه بالإدلاء بصوته واختيار مرشحيه.
الانتخابات لمجلس وطني جامع يجب أن تكون حصيلة حوار بين جميع الفصائل والفاعليات الفلسطينية، يشكّل مدخلاً لإعادة تفعيل هيئات م. ت. ف، وأرضية مناسبة لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
إجراء الانتخابات بموجب الآلية المطروحة وسقفها السياسي يعطي مبرراً مشروعاً لمخاوف البعض بأنّها تستهدف عزلهم ومنعهم من المشاركة في القرار الوطني، وتكريس استمرار سياسة الهيمنة والتفرد التي آن الوقت للتخلص منها.
والبعض يرى أنّ هذه الانتخابات تأتي في سياق ترتيب الأوضاع القيادية في مواقع القرار الثلاث (فتح، والمنظمة، والسلطة) لضمان استمرار ما خلّفته اتفاقات أوسلو من التزامات وترتيبات.
هل ترى أن إجراء الانتخابات هو الطريق لحل أزمة النظام السياسي؟ أم أنّ ترتيب البيت الفلسطيني عبر إعادة بناء منظمة التحرير يجب أن يسبق الاستحقاق التشريعي؟
إجراء الانتخابات بالطريقة التي يجري تداولها يعقّد أزمة النظام السياسي الفلسطيني ولا يحلّها. لهذا، في تقديري، بادرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى طرح خارطة طريق للإنقاذ لتفادي ما هو أسوأ قد يترتب على الانتخابات، ودعت إلى التأجيل لفتح حوار شامل يوصل إلى برنامج سياسي تُجرى الانتخابات على أساسه.
ولنتذكر أنّ أزمة النظام السياسي بدأت عندما جرى الخروج عن البرنامج الذي يمثّل الإجماع الوطني وهو الميثاق الوطني الفلسطيني. ولن يخرج النظام السياسي من أزمته إلا بالعودة إلى مسببها، بدءاً من التخلي عن اتفاقات أوسلو وانتهاءً بالعودة إلى الثوابت (التحرير والعودة وتقرير المصير).
مبادرة الجبهة في جوهرها ليست فقط حبل إنقاذ للجميع من ورطة الانتخابات، بل هي خطوة عملية للعودة إلى الوحدة الوطنية من خلال فتح حوار جدي بين كل الفلسطينيين للوصول إلى برنامج سياسي متفق عليه.
هل تلتقي الجبهة مع تيار الإصلاح الديمقراطي، الذي يقوده محمد دحلان والمنشق عن حركة فتح، والذي يطرح إعادة بناء فتح وإنهاء احتكار القرار وإعادة بناء منظمة التحرير؟
الجبهة الشعبية تنظيم ديمقراطي منفتح للقاء والحوار مع جميع الفصائل الفلسطينية، ولم أسمع أنّها تضع أو وضعت سابقاً أو حالياً "فيتو" على اللقاء مع أي فصيل في الموقع الوطني. ونلتقي مع تيار الإصلاح الديمقراطي في إطار اللقاءات التشاورية التي يجري بعضها بدعوة أو برعاية مصرية.
أما موضوع علاقة دحلان مع فتح والشروط المتبادلة بينهما، فهذا شأن داخلي فتحاوي، لا أعتقد أنّ الجبهة معنية به، غير التمني أن يكون بينهما حوار جدي يؤدي لإعادة وحدة فتح. وفي موضوع الحوار الوطني وإعادة بناء م. ت. ف، فهذا شأن فلسطيني عام لا يقتصر تناوله على طرفين مهما علا شأنهما.
تدعو الجبهة الشعبية إلى إصلاح شامل عبر مرحلة انتقالية تسبق إجراء الانتخابات التشريعية، لكن ذلك يقيّد فرص تحالفها مع الفصائل والتيارات الأخرى.. فهل تهدف الجبهة إلى الإصلاح من داخل النظام السياسي أم من صفوف المعارضة؟
الجبهة الشعبية عندها عقدة اسمها الوحدة الوطنية التي تجمع كل الأطراف والقوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية للاتفاق على برنامج وطني، وأحياناً يُساء فهمها في كيفية تعاملها مع هذا الموضوع، خاصة لجهة تشديدها على الموقف السياسي الذي يحرص على التمسك بالرؤية الاستراتيجية للصراع مع الكيان الصهيوني.
لذا، هي لا تنحاز لأي من الاستقطابات التي تبرز في الساحة الفلسطينية، وتحرص على أن يبقى خط تواصلها مفتوحاً مع الجميع. لهذا، بجانب أنّ المبادرة تستهدف إنقاذ الجميع من أزمة الانتخابات (إجراؤها أم لا، نشارك فيها أم لا)، هي أيضاً وربما الأهم، تهدف إلى إجراء لقاء بين كل مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية وفتح حوار وطني شامل يؤدي إلى الاتفاق على برنامج سياسي جامع يشكّل أرضية لإعادة الوحدة الوطنية المطلوبة بإلحاح.
هذه المبادرة بالبعد الذي تحمله تستحق من قيادة الجبهة إعطاءها كل الجهد والتحرك الفاعل والنشط في جميع الساحات والفروع، ومع كل الأوساط الفاعلة، وبكل الوسائل الممكنة (إعلامياً وجماهيرياً وسياسياً) لتصبح مبادرة وطنية لها حاضنة جماهيرية واسعة تفرض على المعنيين أن يتعاملوا معها بجدية.
على كلٍّ، عندما كانت الجبهة تجد خروجاً على الخط السياسي يضرب الوحدة الوطنية ويستوجب الضغط من خارج الأطر التي تمثّلها م. ت. ف كانت تفعل ذلك. شكّلت مع قوى أخرى جبهة الرفض في مواجهة البرنامج المرحلي عام 1974، وشكّلت مع أكثرية الفصائل الفلسطينية جبهة الإنقاذ عام 1988، في معارضة القبول بقرار 242. ولم تُتّهم في الحالتين أنّها ضد م. ت. ف أو العمل لإيجاد بديل لها، ولن تهاب الآن من هذه التهمة "الفزّاعة"؛ فموقف الجبهة واضح وهو التمسّك بمنظمة التحرير الفلسطينية الثورية التي وُجدت على أساسها، وينظمها الميثاق الوطني الفلسطيني.
(أعرف أنّ البعض سيعتبر هذا الطرح شوفينياً، غير واقعي، لا يأخذ بعين الاعتبار المستجدات، متخلفاً... إلخ، لكن التاريخ يحكم).
من يملك القرار الفلسطيني اليوم؟
سؤالك يذكرني بمقولة كانت سائدة: "من يملك القرار الفلسطيني فتح، ومن يملك قرار فتح أبو عمار".
هذا يعني أنّ القرار كان بيد أبي عمار، وهو كان يؤكد ذلك بقوله: "قولوا ما شئتم وأنا أفعل ما أشاء". نفس المقولة تنطبق على واقعنا اليوم، مع استبدال اسم أبي عمار باسم أبي مازن.
كيف تنظر إلى مسألة المقاومة والشرعية في ظل الحرب القائمة والاحتلال التوسعي في الضفة الغربية؟
المقاومة ليست خياراً، هي ممر إجباري لمواجهة عدو غاصب عنصري توسعي، يتمادى باستعمال فائض القوة التي يمتلكها لممارسة كل أشكال الإبادة الجماعية والتدمير والتجويع والحصار، ومعه كل جهود السلام التي راهن عليها البعض لردعه عن الاستمرار بارتكاب جرائمه. لا مجال أمام الشعب الفلسطيني غير المقاومة. أما كيف؟ ومتى؟ فهذا يخضع للظروف والإمكانيات وتوفّر مصادر الدعم.
الجديد هنا، وفي غاية الأهمية، أنّ المقاومة لم تعد ممراً إجبارياً فلسطينياً فقط، بل شملت كل من يهددهم المشروع الصهيوني بالتوسع لإقامة "إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل"، وحتى دولاً إقليمية (إيران، تركيا ) بدأت تستشعر خطر الكيان الصهيوني. لهذا، فإنّ تشكيل محور المقاومة الذي يخوض معارك مع العدو الإسرائيلي سابقة مهمة يُبنى عليها.
كيف تقرأ الانتخابات الإسرائيلية وتراجع شعبية نتنياهو وسيناريوهات الالتفاف على واقعه المأزوم من خلال التصعيد على كافة جبهات الصراع، وهل سيتعامل مع هزيمة متوقعة بإراقة المزيد من الدم الفلسطيني أم بفرض معادلة جديدة على الراعي الأمريكي؟
محللون كثر يرون أنّ الحرب الدائرة في منطقتنا (فلسطين وجوارها) يتحمّل مسؤوليتها "نتنياهو" ليحميَ نفسه من تهم عدة يجري التحقيق معه حولها، أهمها مسؤوليته في السابع من أكتوبر وما تلاه حتى اليوم.
في تقديري، إنّ الأمر لا يقتصر على "نتنياهو" وحده، بل هو مع حكومته يمثّلون نهج اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني، الذي يتقاطع مع النهج البربري الذي يقوده "ترامب" وفريقه في الولايات المتحدة الأمريكية، ويبرّر لـ"إسرائيل" كل الجرائم التي ترتكبها ويعطيها الحق بالتوسّع واحتلال أرض الغير بالقوة.
أما نتائج الانتخابات داخل الكيان الصهيوني فلن تغيّر شيئاً مهماً في السياسة الصهيونية تجاه الوضع الفلسطيني. ربما إذا أتت حكومة جديدة تخفف من بعض الإجراءات الإجرامية لتجنب الضغط الدولي الهائل الذي تتعرض له، بالإضافة إلى محاولة الحد من التناقضات الداخلية والضغوطات الاقتصادية، لكنّها ستستمر بنفس سياسة الاغتصاب والتوسّع، والاستخفاف بأي جهود سلام في المنطقة لا تخدم مصالحها.
أين فلسطين من هندسة الشرق الأوسط الجديد؟
الشرق الأوسط الجديد يجري الحديث عنه منذ زمن، وعرض "بيريز" تفاصيله بالمنظور الصهيوني في كتاب، يُعاد طرحه بصيغة جديدة تحت عنوان: "اتفاقات أبراهام"، كلاهما واحد في الجوهر، يهدفان إلى تمكين "إسرائيل" من الهيمنة على المنطقة وإقامة علاقات مع حكامها يسهّل لهم التعامل الاقتصادي، والنفوذ السياسي، وحل مشكلة اللاجئين بطريقة ما، وبذا يصبح موضوع فلسطين وشعبها خارج الاهتمام العربي، ويُترك للعدو الإسرائيلي التعامل معه حسبما يراه مناسباً.
هل يمكن للسلام الإقليمي أن يتحقق مع بقاء الاحتلال في فلسطين وجنوب لبنان؟
لا ولن يتحقق سلام إقليمي ولا شرق أوسطي مع بقاء هذا الكيان العنصري الغاصب التوسعي المسمّى "إسرائيل". يوماً بعد يوم تتكرس القناعة بأن الصراع مع هذا الكيان صراع وجود، ويزداد عدد المقتنعين مع ازدياد عدد الجرائم والمجازر التي يرتكبها، وتُعطي تأكيداً جديداً بأنّ "ما أُخذ بالقوة لن يُستردّ بغير القوة".
أي تسوية ممكنة على حساب القضية الفلسطينية ستعيد هيكلة الصراع من جديد.. فهل سنشهد تشكيل محور مقاومة أوسع وأشمل بعد أن أعادت الحرب على غزة القضية إلى الواجهة من جديد؟
أستبعد أن تُطرح رسمياً صيغ لتسويات جديدة خارج "أوسلو"، فهذا يكفي ويوفّي.
من الإفرازات الهامة للحرب على غزة والتي سيكون لها تأثير كبير على مستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني هو تشكيل محور المقاومة، الذي بدأ مع دخول حزب الله الحرب تحت عنوان "إسناد غزة" وهو في الحقيقة شريك في الحرب المستمرة في جنوب لبنان كما في غزة، ويدفع كلاهما نفس الثمن الباهظ. واحتمالات أن يتوسّع هذا المحور مفتوحة ليضمَّ قوىً تغرس في "إسرائيل" خطراً يهدد أمنها الوطني (إيران، تركيا) بالإضافة للدول العربية (لبنان، سوريا، العراق ومصر).
هل تراجعت مشاريع التطبيع في المنطقة بعد دخول إيران، عبر المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، على خط التسوية؟
موضوع التطبيع لم يعد بالسهولة التي كان عليها قبل السابع من أكتوبر؛ لأنّ الحرب على غزة التي توسّعت لتشمل دولاً أخرى في المنطقة أوجدت توترات وتركت تبعات لا يمكن تجاهلها، ومنها:
إنّ الوجود الأمريكي أصبح بموضع شك في أن يشكّل قوة حماية لحلفائه في المنطقة، بالعكس يُنظر للوجود الأمريكي كمصدر قلق وتوتر، مما يضعف دوره للضغط على الدول المستهدفة بالتطبيع، بموجب مشروع أبراهام، ك السعودية بشكل خاص، لتقبل به.
"إسرائيل" لم يعد مرحباً بها بعد أن أخذت تعلّق بشكل استفزازي نواياها التوسّعية لتشمل حدود دول أخرى بما فيها السعودية وليس دول الجوار فقط، بالإضافة لما تواجهه من عزلة دولية بسبب ما ترتكبه من جرائم ووحشية.
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة إستراتيجية شديدة التعقيد والتصاعد؛ مرحلة تتشكل في أعقاب سنوات ممتدة من حرب الإبادة والتدمير الشامل التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية، وفي ظل تداخل إقليمي واشتباك عسكري غير مسبوق تتسارع فيه التغيرات في بنية الشرق الأوسط وتتقاطع فيه جبهات المواجهة. وأمام هذا المشهد الصاخب والتحديات المصيرية التي تواجه الهوية الوطنية والبيت الداخلي الفلسطيني، تفرض الضرورة الإعلامية والسياسية قراءة عميقة تعيد التأصيل للمصطلحات، وتشخص الاتجاهات القادمة بعين الخبرة والتاريخ. ومن أجل التفكيك السياسي لهذه الحالة الراهنة وقراءة مآلاتها الميدانية والإقليمية، تحاور "بوابة الهدف الإخبارية" الرفيق والرمز النضالي التاريخي صلاح صلاح، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي هذا الحوار يفتح صلاح ملفات المرحلة، يقرأ أبعاد مبادرة الجبهة الشعبية للإنقاذ الوطني، وموقع قضيتنا في معادلات الإقليم وهندسة "الشرق الأوسط الجديد"، يمتد التفكيك السياسي في كلماته ليشمل تحولات جبهات المقاومة المترابطة، وتبدلات حظوظ التطبيع في المنطقة عقب الانكسارات الإستراتيجية للمشروع الصهيوني، واهتزاز المظلة الأمريكية.
وفيما يلي، نص الحوار كاملاً:
جاءت مبادرة الجبهة الشعبية حول خطة إنقاذ وطنية لمنع تحويل الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني في صورة جديدة، كيف قرأت المبادرة؟
الانتخابات الحرة النزيهة التي تمكّن كل فلسطيني من أن يدلي بصوته حيثما كان، هي مطلب لكل الشعب الفلسطيني، لكنّ انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني التي يجري الحديث عنها هذه الأيام، ضمن الآلية المطروحة لإجرائها والسقف السياسي المحدد للمرشحين لها، تثير شكوكاً مشروعة، ومحفّزة عند كثيرين (فصائل وأفراداً)، وليس فقط لأنّها تعيد إنتاج الانقسام، وإنّما أيضاً لأنّها:
تؤدي لتكريس ما هو قائم على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، في حين أنّ المطلوب هو التجديد بالنهج السياسي وليس بالأشخاص، أي أن يجد معارضو نهج "أوسلو" فرصتهم بالترشح والانتخاب، وليقرر الناخبون نتائجها.
صيغة الكوتا من خلال بدعة "التجمعات الانتخابية" تتناقض مع مبدأ الديمقراطية الانتخابية التي يجب أن تعطي المجال لكل فلسطيني لممارسة حقه بالإدلاء بصوته واختيار مرشحيه.
الانتخابات لمجلس وطني جامع يجب أن تكون حصيلة حوار بين جميع الفصائل والفاعليات الفلسطينية، يشكّل مدخلاً لإعادة تفعيل هيئات م. ت. ف، وأرضية مناسبة لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
إجراء الانتخابات بموجب الآلية المطروحة وسقفها السياسي يعطي مبرراً مشروعاً لمخاوف البعض بأنّها تستهدف عزلهم ومنعهم من المشاركة في القرار الوطني، وتكريس استمرار سياسة الهيمنة والتفرد التي آن الوقت للتخلص منها.
والبعض يرى أنّ هذه الانتخابات تأتي في سياق ترتيب الأوضاع القيادية في مواقع القرار الثلاث (فتح، والمنظمة، والسلطة) لضمان استمرار ما خلّفته اتفاقات أوسلو من التزامات وترتيبات.
هل ترى أن إجراء الانتخابات هو الطريق لحل أزمة النظام السياسي؟ أم أنّ ترتيب البيت الفلسطيني عبر إعادة بناء منظمة التحرير يجب أن يسبق الاستحقاق التشريعي؟
إجراء الانتخابات بالطريقة التي يجري تداولها يعقّد أزمة النظام السياسي الفلسطيني ولا يحلّها. لهذا، في تقديري، بادرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى طرح خارطة طريق للإنقاذ لتفادي ما هو أسوأ قد يترتب على الانتخابات، ودعت إلى التأجيل لفتح حوار شامل يوصل إلى برنامج سياسي تُجرى الانتخابات على أساسه.
ولنتذكر أنّ أزمة النظام السياسي بدأت عندما جرى الخروج عن البرنامج الذي يمثّل الإجماع الوطني وهو الميثاق الوطني الفلسطيني. ولن يخرج النظام السياسي من أزمته إلا بالعودة إلى مسببها، بدءاً من التخلي عن اتفاقات أوسلو وانتهاءً بالعودة إلى الثوابت (التحرير والعودة وتقرير المصير).
مبادرة الجبهة في جوهرها ليست فقط حبل إنقاذ للجميع من ورطة الانتخابات، بل هي خطوة عملية للعودة إلى الوحدة الوطنية من خلال فتح حوار جدي بين كل الفلسطينيين للوصول إلى برنامج سياسي متفق عليه.
هل تلتقي الجبهة مع تيار الإصلاح الديمقراطي، الذي يقوده محمد دحلان والمنشق عن حركة فتح، والذي يطرح إعادة بناء فتح وإنهاء احتكار القرار وإعادة بناء منظمة التحرير؟
الجبهة الشعبية تنظيم ديمقراطي منفتح للقاء والحوار مع جميع الفصائل الفلسطينية، ولم أسمع أنّها تضع أو وضعت سابقاً أو حالياً "فيتو" على اللقاء مع أي فصيل في الموقع الوطني. ونلتقي مع تيار الإصلاح الديمقراطي في إطار اللقاءات التشاورية التي يجري بعضها بدعوة أو برعاية مصرية.
أما موضوع علاقة دحلان مع فتح والشروط المتبادلة بينهما، فهذا شأن داخلي فتحاوي، لا أعتقد أنّ الجبهة معنية به، غير التمني أن يكون بينهما حوار جدي يؤدي لإعادة وحدة فتح. وفي موضوع الحوار الوطني وإعادة بناء م. ت. ف، فهذا شأن فلسطيني عام لا يقتصر تناوله على طرفين مهما علا شأنهما.
تدعو الجبهة الشعبية إلى إصلاح شامل عبر مرحلة انتقالية تسبق إجراء الانتخابات التشريعية، لكن ذلك يقيّد فرص تحالفها مع الفصائل والتيارات الأخرى.. فهل تهدف الجبهة إلى الإصلاح من داخل النظام السياسي أم من صفوف المعارضة؟
الجبهة الشعبية عندها عقدة اسمها الوحدة الوطنية التي تجمع كل الأطراف والقوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية للاتفاق على برنامج وطني، وأحياناً يُساء فهمها في كيفية تعاملها مع هذا الموضوع، خاصة لجهة تشديدها على الموقف السياسي الذي يحرص على التمسك بالرؤية الاستراتيجية للصراع مع الكيان الصهيوني.
لذا، هي لا تنحاز لأي من الاستقطابات التي تبرز في الساحة الفلسطينية، وتحرص على أن يبقى خط تواصلها مفتوحاً مع الجميع. لهذا، بجانب أنّ المبادرة تستهدف إنقاذ الجميع من أزمة الانتخابات (إجراؤها أم لا، نشارك فيها أم لا)، هي أيضاً وربما الأهم، تهدف إلى إجراء لقاء بين كل مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية وفتح حوار وطني شامل يؤدي إلى الاتفاق على برنامج سياسي جامع يشكّل أرضية لإعادة الوحدة الوطنية المطلوبة بإلحاح.
هذه المبادرة بالبعد الذي تحمله تستحق من قيادة الجبهة إعطاءها كل الجهد والتحرك الفاعل والنشط في جميع الساحات والفروع، ومع كل الأوساط الفاعلة، وبكل الوسائل الممكنة (إعلامياً وجماهيرياً وسياسياً) لتصبح مبادرة وطنية لها حاضنة جماهيرية واسعة تفرض على المعنيين أن يتعاملوا معها بجدية.
على كلٍّ، عندما كانت الجبهة تجد خروجاً على الخط السياسي يضرب الوحدة الوطنية ويستوجب الضغط من خارج الأطر التي تمثّلها م. ت. ف كانت تفعل ذلك. شكّلت مع قوى أخرى جبهة الرفض في مواجهة البرنامج المرحلي عام 1974، وشكّلت مع أكثرية الفصائل الفلسطينية جبهة الإنقاذ عام 1988، في معارضة القبول بقرار 242. ولم تُتّهم في الحالتين أنّها ضد م. ت. ف أو العمل لإيجاد بديل لها، ولن تهاب الآن من هذه التهمة "الفزّاعة"؛ فموقف الجبهة واضح وهو التمسّك بمنظمة التحرير الفلسطينية الثورية التي وُجدت على أساسها، وينظمها الميثاق الوطني الفلسطيني.
(أعرف أنّ البعض سيعتبر هذا الطرح شوفينياً، غير واقعي، لا يأخذ بعين الاعتبار المستجدات، متخلفاً... إلخ، لكن التاريخ يحكم).
من يملك القرار الفلسطيني اليوم؟
سؤالك يذكرني بمقولة كانت سائدة: "من يملك القرار الفلسطيني فتح، ومن يملك قرار فتح أبو عمار".
هذا يعني أنّ القرار كان بيد أبي عمار، وهو كان يؤكد ذلك بقوله: "قولوا ما شئتم وأنا أفعل ما أشاء". نفس المقولة تنطبق على واقعنا اليوم، مع استبدال اسم أبي عمار باسم أبي مازن.
كيف تنظر إلى مسألة المقاومة والشرعية في ظل الحرب القائمة والاحتلال التوسعي في الضفة الغربية؟
المقاومة ليست خياراً، هي ممر إجباري لمواجهة عدو غاصب عنصري توسعي، يتمادى باستعمال فائض القوة التي يمتلكها لممارسة كل أشكال الإبادة الجماعية والتدمير والتجويع والحصار، ومعه كل جهود السلام التي راهن عليها البعض لردعه عن الاستمرار بارتكاب جرائمه. لا مجال أمام الشعب الفلسطيني غير المقاومة. أما كيف؟ ومتى؟ فهذا يخضع للظروف والإمكانيات وتوفّر مصادر الدعم.
الجديد هنا، وفي غاية الأهمية، أنّ المقاومة لم تعد ممراً إجبارياً فلسطينياً فقط، بل شملت كل من يهددهم المشروع الصهيوني بالتوسع لإقامة "إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل"، وحتى دولاً إقليمية (إيران، تركيا ) بدأت تستشعر خطر الكيان الصهيوني. لهذا، فإنّ تشكيل محور المقاومة الذي يخوض معارك مع العدو الإسرائيلي سابقة مهمة يُبنى عليها.
كيف تقرأ الانتخابات الإسرائيلية وتراجع شعبية نتنياهو وسيناريوهات الالتفاف على واقعه المأزوم من خلال التصعيد على كافة جبهات الصراع، وهل سيتعامل مع هزيمة متوقعة بإراقة المزيد من الدم الفلسطيني أم بفرض معادلة جديدة على الراعي الأمريكي؟
محللون كثر يرون أنّ الحرب الدائرة في منطقتنا (فلسطين وجوارها) يتحمّل مسؤوليتها "نتنياهو" ليحميَ نفسه من تهم عدة يجري التحقيق معه حولها، أهمها مسؤوليته في السابع من أكتوبر وما تلاه حتى اليوم.
في تقديري، إنّ الأمر لا يقتصر على "نتنياهو" وحده، بل هو مع حكومته يمثّلون نهج اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني، الذي يتقاطع مع النهج البربري الذي يقوده "ترامب" وفريقه في الولايات المتحدة الأمريكية، ويبرّر لـ"إسرائيل" كل الجرائم التي ترتكبها ويعطيها الحق بالتوسّع واحتلال أرض الغير بالقوة.
أما نتائج الانتخابات داخل الكيان الصهيوني فلن تغيّر شيئاً مهماً في السياسة الصهيونية تجاه الوضع الفلسطيني. ربما إذا أتت حكومة جديدة تخفف من بعض الإجراءات الإجرامية لتجنب الضغط الدولي الهائل الذي تتعرض له، بالإضافة إلى محاولة الحد من التناقضات الداخلية والضغوطات الاقتصادية، لكنّها ستستمر بنفس سياسة الاغتصاب والتوسّع، والاستخفاف بأي جهود سلام في المنطقة لا تخدم مصالحها.
أين فلسطين من هندسة الشرق الأوسط الجديد؟
الشرق الأوسط الجديد يجري الحديث عنه منذ زمن، وعرض "بيريز" تفاصيله بالمنظور الصهيوني في كتاب، يُعاد طرحه بصيغة جديدة تحت عنوان: "اتفاقات أبراهام"، كلاهما واحد في الجوهر، يهدفان إلى تمكين "إسرائيل" من الهيمنة على المنطقة وإقامة علاقات مع حكامها يسهّل لهم التعامل الاقتصادي، والنفوذ السياسي، وحل مشكلة اللاجئين بطريقة ما، وبذا يصبح موضوع فلسطين وشعبها خارج الاهتمام العربي، ويُترك للعدو الإسرائيلي التعامل معه حسبما يراه مناسباً.
هل يمكن للسلام الإقليمي أن يتحقق مع بقاء الاحتلال في فلسطين وجنوب لبنان؟
لا ولن يتحقق سلام إقليمي ولا شرق أوسطي مع بقاء هذا الكيان العنصري الغاصب التوسعي المسمّى "إسرائيل". يوماً بعد يوم تتكرس القناعة بأن الصراع مع هذا الكيان صراع وجود، ويزداد عدد المقتنعين مع ازدياد عدد الجرائم والمجازر التي يرتكبها، وتُعطي تأكيداً جديداً بأنّ "ما أُخذ بالقوة لن يُستردّ بغير القوة".
أي تسوية ممكنة على حساب القضية الفلسطينية ستعيد هيكلة الصراع من جديد.. فهل سنشهد تشكيل محور مقاومة أوسع وأشمل بعد أن أعادت الحرب على غزة القضية إلى الواجهة من جديد؟
أستبعد أن تُطرح رسمياً صيغ لتسويات جديدة خارج "أوسلو"، فهذا يكفي ويوفّي.
من الإفرازات الهامة للحرب على غزة والتي سيكون لها تأثير كبير على مستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني هو تشكيل محور المقاومة، الذي بدأ مع دخول حزب الله الحرب تحت عنوان "إسناد غزة" وهو في الحقيقة شريك في الحرب المستمرة في جنوب لبنان كما في غزة، ويدفع كلاهما نفس الثمن الباهظ. واحتمالات أن يتوسّع هذا المحور مفتوحة ليضمَّ قوىً تغرس في "إسرائيل" خطراً يهدد أمنها الوطني (إيران، تركيا) بالإضافة للدول العربية (لبنان، سوريا، العراق ومصر).
هل تراجعت مشاريع التطبيع في المنطقة بعد دخول إيران، عبر المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، على خط التسوية؟
موضوع التطبيع لم يعد بالسهولة التي كان عليها قبل السابع من أكتوبر؛ لأنّ الحرب على غزة التي توسّعت لتشمل دولاً أخرى في المنطقة أوجدت توترات وتركت تبعات لا يمكن تجاهلها، ومنها:
إنّ الوجود الأمريكي أصبح بموضع شك في أن يشكّل قوة حماية لحلفائه في المنطقة، بالعكس يُنظر للوجود الأمريكي كمصدر قلق وتوتر، مما يضعف دوره للضغط على الدول المستهدفة بالتطبيع، بموجب مشروع أبراهام، ك السعودية بشكل خاص، لتقبل به.
"إسرائيل" لم يعد مرحباً بها بعد أن أخذت تعلّق بشكل استفزازي نواياها التوسّعية لتشمل حدود دول أخرى بما فيها السعودية وليس دول الجوار فقط، بالإضافة لما تواجهه من عزلة دولية بسبب ما ترتكبه من جرائم ووحشية.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire