طنوس شلهوب
الحروب، عموماً، لا تنفجر فجأة. قد تبدو مفاجئة للناس العاديين، لكن التحضيرات تبدأ مبكراً في أروقة مراكز القرار وأجهزة الاستخبارات. والحرب الأهلية في لبنان كانت أشبه بهزّة أرضية، تصل موجاتها إلى السطح قبل وقوعها وتشعر بها بعض الكائنات، مثل القطط والكلاب. لقد أرسلت إشاراتها قبل أشهر من اندلاعها، حين ظهرت علناً تشكيلات الميليشيات المسلحة اليمينية في المناطق الشرقية من بيروت. وفي تلك المرحلة، كانت أيديولوجيا المارونية السياسية تروّج لسردية أن لبنان أرض قداسة موجود منذ الأزل وإلى الأبد، ترعاه فرنسا كالأم الحنون.
كان والدي متحرراً من هذه الأوهام التي لا مكان لها في عالم السياسة، حيث تحتدم الصراعات الاجتماعية والطبقية على أرضية المصالح الاقتصادية والمالية. وفي حرب الأيام الستة، أصبنا جميعاً بالإحباط والقهر حين اكتشفنا أن الأخبار عن انتصارات الجيوش العربية لم تكن سوى بيانات إذاعية منفصلة عن الواقع. وبلغت دهشتنا ذروتها عندما استمعنا إلى خطاب التنحي للرئيس جمال عبد الناصر.
ورغم أن والديَّ كانا يحملان ضغينة لعبد الناصر، خاصة حين يدور الحديث عن الوحدة وكيفية تصفية القائد الشيوعي فرج الله الحلو، فإنهما كانا ينظران بارتياح إلى الإنجازات التي تحققت في مصر: توزيع الأراضي على الفلاحين، تأميم قناة السويس، تشييد السد العالي، التعاون مع الاتحاد السوفياتي، والعداء لإسرائيل وأميركا.
أذكر أنه حين تبيّنت هزيمة الجيوش العربية، أقامت مجموعات مسلحة من حزبي الكتائب والأحرار في بلدة الحدث نقاط حراسة ليلية عند تقاطعات الطرق الرئيسية، بذريعة الإجراءات الاحتياطية، وهو ما كشفه لنا لاحقاً أحد الجيران. وقد انعكست ارتدادات الهزيمة على لبنان بانتقال اليمين إلى الهجوم، وظهر ذلك في الشعارات التي رفعها وفي خوضه انتخابات 1968 النيابية بالتحالف الثلاثي المعادي للعروبة.
من الصعب التكهن اليوم حول سلوك قوى اليمين لو أن عبد الناصر لم يتراجع عن التنحي، ويستوعب الهزيمة ويخوض حرب الاستنزاف بدعم لامحدود من الاتحاد السوفياتي. على الأرجح ان احتمال انفجار الوضع اللبناني تراجع مع تخطي مصر للهزيمة. وتعززت ثقة التقدميين بحركة التحرر الوطني العربية في ظل الانخراط الشعبي من كافة الأقطار العربية في فصائل الثورة الفلسطينية، وقد تقدم شعار حرب التحرير الشعبية، وجاءت معركة الكرامة لتؤكد ان إسرائيل ليست قدراً وأن الحاق الهزيمة بها هو امرٌ ممكن.
عندما اشتعلت المعارك بيت فصائل الثورة الفلسطينية والجيش الأردني في العام 1970 أدركنا أن قرار تصفية الثورة دخل حيز التنفيذ على يد النظام الهاشمي، وهذا كان مؤشر سيء إذ لا يمكن ان لا يترك أثره على بلدنا، خصوصاً ان اليمين اللبناني أعلن صراحة معارضته لاتفاق القاهرة، والذي منح الثورة الفلسطينية الحق بالعمل العسكري من منطقة العرقوب في الجنوب اللبناني. وكان الرهان على الدور الذي يمكن ان تلعبه مصر لوقف المذبحة وإيجاد مخرج سياسي يوقف هدر الدم الفلسطيني على ضوء المباحثات التي انطلقت في القاهرة بمبادرة من الرئيس عبد الناصر.
كان والدي يضبط ساعته عند السادسة صباحاً قبل خروجه من المنزل، على إيقاع ساعة بيغ بن من إذاعة لندن. بعد ذلك، كانت والدتي تتعمد رفع صوت الإذاعة اللبنانية على البرنامج الصباحي للشاعر جورج جرداق بصوت الإعلامية نهى فضل الدجاني، التي تتناوب على قراءة الشعر وبث أغاني فيروز، حتى الساعة السابعة موعد نشرة الأخبار، حيث كان علينا النهوض للتحضير للذهاب إلى المدرسة.
في ذلك اليوم، لم يُبث برنامج الدجاني كالعادة. فتحت عيوني على نغمات الموسيقى الكلاسيكية، ووالدتي توقظني بحزن، قائلة بصوت متهدج: "مات عبد الناصر". رفعت رأسي عن الوسادة، ونظرت إلى وجه والدتي، وشعرت وكأن الهواء قد فرغ من الفضاء، وكأن الدمع قد تجمد في عينيّ.
كان الحزن يغطي العائلة، كما كان سائداً في أوساط الرفاق، وتملكنا قلق عميق على المستقبل بعد رحيل الرئيس الرمز. في المساء، تجمع عرب سبنية على التلة المطلة على منزلنا في الانطونية، وأشعلوا النيران في الإطارات المطاطية، مرددين شعاراً استفزازياً: "فلتحترقي يا بيروت، عبد الناصر لا يموت!" لم يحمل هذا الشعار مضموناً سياسياً بقدر ما كان وسيلة استفزاز، والمقصود ببيروت هنا هو الحدث، ذات المزاج اليميني المعادي للعروبة ولعبد الناصر.
وكان نائب المنطقة، بيار دكاش، رغم ميوله الشمعونية واليمينية، يحظى بتأييد انتخابي بين عرب سبنية لما كان يقدمه من خدمات طبية للسكان. وفي تلك الليلة، ترأس وفد من أعيان الحدث وتوجهوا إلى سبنية لتقديم التعازي بالرئيس عبد الناصر، رغم غياب أي ممثل رسمي للسفارة المصرية هناك.
(من كتاب "قبل أن تنطفئ الذاكرة"، طنوس شلهوب، دار نلسن، بيروت)
الحروب، عموماً، لا تنفجر فجأة. قد تبدو مفاجئة للناس العاديين، لكن التحضيرات تبدأ مبكراً في أروقة مراكز القرار وأجهزة الاستخبارات. والحرب الأهلية في لبنان كانت أشبه بهزّة أرضية، تصل موجاتها إلى السطح قبل وقوعها وتشعر بها بعض الكائنات، مثل القطط والكلاب. لقد أرسلت إشاراتها قبل أشهر من اندلاعها، حين ظهرت علناً تشكيلات الميليشيات المسلحة اليمينية في المناطق الشرقية من بيروت. وفي تلك المرحلة، كانت أيديولوجيا المارونية السياسية تروّج لسردية أن لبنان أرض قداسة موجود منذ الأزل وإلى الأبد، ترعاه فرنسا كالأم الحنون.
كان والدي متحرراً من هذه الأوهام التي لا مكان لها في عالم السياسة، حيث تحتدم الصراعات الاجتماعية والطبقية على أرضية المصالح الاقتصادية والمالية. وفي حرب الأيام الستة، أصبنا جميعاً بالإحباط والقهر حين اكتشفنا أن الأخبار عن انتصارات الجيوش العربية لم تكن سوى بيانات إذاعية منفصلة عن الواقع. وبلغت دهشتنا ذروتها عندما استمعنا إلى خطاب التنحي للرئيس جمال عبد الناصر.
ورغم أن والديَّ كانا يحملان ضغينة لعبد الناصر، خاصة حين يدور الحديث عن الوحدة وكيفية تصفية القائد الشيوعي فرج الله الحلو، فإنهما كانا ينظران بارتياح إلى الإنجازات التي تحققت في مصر: توزيع الأراضي على الفلاحين، تأميم قناة السويس، تشييد السد العالي، التعاون مع الاتحاد السوفياتي، والعداء لإسرائيل وأميركا.
أذكر أنه حين تبيّنت هزيمة الجيوش العربية، أقامت مجموعات مسلحة من حزبي الكتائب والأحرار في بلدة الحدث نقاط حراسة ليلية عند تقاطعات الطرق الرئيسية، بذريعة الإجراءات الاحتياطية، وهو ما كشفه لنا لاحقاً أحد الجيران. وقد انعكست ارتدادات الهزيمة على لبنان بانتقال اليمين إلى الهجوم، وظهر ذلك في الشعارات التي رفعها وفي خوضه انتخابات 1968 النيابية بالتحالف الثلاثي المعادي للعروبة.
من الصعب التكهن اليوم حول سلوك قوى اليمين لو أن عبد الناصر لم يتراجع عن التنحي، ويستوعب الهزيمة ويخوض حرب الاستنزاف بدعم لامحدود من الاتحاد السوفياتي. على الأرجح ان احتمال انفجار الوضع اللبناني تراجع مع تخطي مصر للهزيمة. وتعززت ثقة التقدميين بحركة التحرر الوطني العربية في ظل الانخراط الشعبي من كافة الأقطار العربية في فصائل الثورة الفلسطينية، وقد تقدم شعار حرب التحرير الشعبية، وجاءت معركة الكرامة لتؤكد ان إسرائيل ليست قدراً وأن الحاق الهزيمة بها هو امرٌ ممكن.
عندما اشتعلت المعارك بيت فصائل الثورة الفلسطينية والجيش الأردني في العام 1970 أدركنا أن قرار تصفية الثورة دخل حيز التنفيذ على يد النظام الهاشمي، وهذا كان مؤشر سيء إذ لا يمكن ان لا يترك أثره على بلدنا، خصوصاً ان اليمين اللبناني أعلن صراحة معارضته لاتفاق القاهرة، والذي منح الثورة الفلسطينية الحق بالعمل العسكري من منطقة العرقوب في الجنوب اللبناني. وكان الرهان على الدور الذي يمكن ان تلعبه مصر لوقف المذبحة وإيجاد مخرج سياسي يوقف هدر الدم الفلسطيني على ضوء المباحثات التي انطلقت في القاهرة بمبادرة من الرئيس عبد الناصر.
كان والدي يضبط ساعته عند السادسة صباحاً قبل خروجه من المنزل، على إيقاع ساعة بيغ بن من إذاعة لندن. بعد ذلك، كانت والدتي تتعمد رفع صوت الإذاعة اللبنانية على البرنامج الصباحي للشاعر جورج جرداق بصوت الإعلامية نهى فضل الدجاني، التي تتناوب على قراءة الشعر وبث أغاني فيروز، حتى الساعة السابعة موعد نشرة الأخبار، حيث كان علينا النهوض للتحضير للذهاب إلى المدرسة.
في ذلك اليوم، لم يُبث برنامج الدجاني كالعادة. فتحت عيوني على نغمات الموسيقى الكلاسيكية، ووالدتي توقظني بحزن، قائلة بصوت متهدج: "مات عبد الناصر". رفعت رأسي عن الوسادة، ونظرت إلى وجه والدتي، وشعرت وكأن الهواء قد فرغ من الفضاء، وكأن الدمع قد تجمد في عينيّ.
كان الحزن يغطي العائلة، كما كان سائداً في أوساط الرفاق، وتملكنا قلق عميق على المستقبل بعد رحيل الرئيس الرمز. في المساء، تجمع عرب سبنية على التلة المطلة على منزلنا في الانطونية، وأشعلوا النيران في الإطارات المطاطية، مرددين شعاراً استفزازياً: "فلتحترقي يا بيروت، عبد الناصر لا يموت!" لم يحمل هذا الشعار مضموناً سياسياً بقدر ما كان وسيلة استفزاز، والمقصود ببيروت هنا هو الحدث، ذات المزاج اليميني المعادي للعروبة ولعبد الناصر.
وكان نائب المنطقة، بيار دكاش، رغم ميوله الشمعونية واليمينية، يحظى بتأييد انتخابي بين عرب سبنية لما كان يقدمه من خدمات طبية للسكان. وفي تلك الليلة، ترأس وفد من أعيان الحدث وتوجهوا إلى سبنية لتقديم التعازي بالرئيس عبد الناصر، رغم غياب أي ممثل رسمي للسفارة المصرية هناك.
(من كتاب "قبل أن تنطفئ الذاكرة"، طنوس شلهوب، دار نلسن، بيروت)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire