بعيدًا عن المواربة وبلا سذاجة سياسية

 



د. طنوس شلهوب 

تقول جريدة Sada Online إن فاليري أسولين، مرشحة الحزب الليبرالي في دائرة سانت لورين Saint-Laurent في مونتريال، التقت القنصل العام الإسرائيلي في مونتريال. وعندما طلبت الصحيفة من مكتبها تأكيد اللقاء أو نفيه وتوضيح أسبابه، لم ينفِ المكتب الخبر ولم يؤكده، بل اكتفى بالقول: «لن ندلي بأي تعليق».
هذا الصمت لا يشكل، بحد ذاته، دليلًا قاطعًا على حصول اللقاء. لكنه يطرح سؤالًا سياسيًا واضحًا: لماذا لا تنفي المرشحة الخبر ببساطة إذا كان غير صحيح؟
والأهم: لماذا يصبح من الطبيعي أصلًا أن يكون الاتصال بممثل إسرائيل في خضم حملة انتخابية أمرًا لا يحتاج إلى تفسير للناخبين؟
هنا تتجاوز المسألة شخص فاليري أسولين.
فنحن لا نتحدث عن حضور إسرائيلي هامشي في كيبيك. حكومة كيبيك نفسها أنشأت عام 2023 مكتبًا رسميًا لها في تل أبيب، بوصفه قناة للعلاقات الحكومية والمؤسساتية والاقتصادية والأكاديمية مع إسرائيل.
والأكثر دلالة أن مركز الشؤون الإسرائيلية واليهودية CIJA لا يخفي دوره في هذا المسار. فهو أعلن أن ممثلته في كيبيك كان لها دور في تسهيل أول زيارات رسمية لرئيس وزراء كيبيك وعمدة مونتريال إلى إسرائيل، وأنها ساهمت في الوصول إلى «المحطة التاريخية» المتمثلة في افتتاح مكتب كيبيك في إسرائيل.
أي أننا أمام شبكة علاقات سياسية ومؤسساتية معلنة، لا أمام خيال مؤامراتي.
ومن هنا تصبح قضية أسولين أكثر دلالة.
إذا كانت المرشحة قد التقت فعلًا بالقنصل الإسرائيلي، ثم اختارت ألا تؤكد اللقاء أو تنفيه، فإن الصمت يبدو وكأنه محاولة للاحتفاظ بالعلاقة من جهة، وعدم دفع ثمنها انتخابيًا من جهة أخرى.
وهذا مهم خصوصًا في Saint-Laurent، حيث توجد كتلة من الناخبين العرب والمسلمين، في وقت أصبحت فيه حرب غزة والموقف من إسرائيل قضية سياسية حساسة جدًا.
بعبارة أوضح: لا تريد المرشحة أن تغلق الباب أمام الطرف الإسرائيلي، ولا تريد في الوقت نفسه أن تقول  للناخبين العرب والمسلمين، ماذا كان يجري خلف ذلك الباب.
وهنا يظهر الجانب الانتهازي في المسألة: محاولة الإمساك بالعصا من طرفيها؛ الحفاظ على العلاقة مع دوائر مؤيدة لإسرائيل، وترك الناخب العربي والمسلم في حالة غموض حتى لا يخسره انتخابيًا.
لكن المسألة الأعمق ليست أسولين وحدها.
إنها الحضور الصهيوني المتنامي داخل المجال السياسي الكيبيكي والكندي: علاقات مع الأحزاب، لقاءات مع السياسيين، نشاط جماعات الضغط، حضور في المؤسسات والإعلام، وعلاقات رسمية متزايدة بين حكومة كيبيك والمؤسسات الإسرائيلية.
المشكلة ليست أن لإسرائيل سفارة وقنصلية أو أن لها علاقات دبلوماسية مع كندا. المشكلة هي أن الدفاع عن المصالح والرواية السياسية الإسرائيلية أصبح جزءًا متداخلًا مع الحياة السياسية الداخلية، إلى درجة أن لقاء مرشحة انتخابية بالقنصل الإسرائيلي يمكن أن يجري في الظل، ثم لا تجد المرشحة نفسها مضطرة حتى إلى تفسيره للناخبين.
وهذا هو معنى التغلغل السياسي الذي ينبغي أن نتوقف عنده: ليس بالضرورة وجود أوامر سرية أو مؤامرة مركزية، بل تكوين شبكة مصالح وعلاقات ونفوذ يصبح معها حضور إسرائيل داخل السياسة المحلية أمرًا طبيعيًا، بينما يصبح الاعتراض عليه هو الشيء غير الطبيعي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل التقت فاليري أسولين بالقنصل الإسرائيلي؟ بل: إلى أي حد أصبح النفوذ الصهيوني جزءًا من البنية الطبيعية للحياة السياسية الكيبيكية والكندية؟
والصمت في هذه الحالة لا يقدم جوابًا، لكنه بالتأكيد يجعل السؤال أكثر إلحاحًا.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire