د. طنوس شلهوب
بعد ما آلت إليه حرب غزة من دمار هائل ومقتل عشرات الآلاف، وسيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من القطاع، وطرح حل يقوم على نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية، يتكرر السؤال: ألم يكن طوفان الأقصى خطأ استراتيجيا؟ ألم يكن واضحا منذ البداية أن الفارق في موازين القوى هائل، وأن إسرائيل سترد بحرب لا تستطيع غزة تحملها؟ ألم يكن الأفضل تجنب هذه الكارثة؟
هذا سؤال مشروع إذا كان المقصود نقد القرار العسكري والاستراتيجي ومراجعة حساباته ونتائجه. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى استنتاج مفاده أن المقاومة نفسها كانت خطأ لأنها أقدمت على مواجهة عدو أقوى منها.
فالقول إن «لولا طوفان الأقصى لما حدث كل ذلك» يستند إلى مغالطة بسيطة: نحن نعرف ما حدث بعد 7 أكتوبر، لكننا لا نعرف ماذا كان سيحدث لو لم يقع. لا توجد أية ضمانة بأن المسار السابق كان سيقود إلى نهاية الاحتلال أو رفع الحصار أو وقف الاستيطان أو إقامة دولة فلسطينية. ما كان قائما قبل الطوفان لم يكن سلاما ينتظر الاستمرار، بل كان احتلالا وحصارا واستيطانا وتهميشا للقضية الفلسطينية، مع اختلال هائل في ميزان القوى.
لذلك يجب التمييز بين الحدث الذي فجّر الحرب وبين البنية التي أنتجت الصراع. طوفان الأقصى لم يخلق الاحتلال، ولم يخلق المشروع الصهيوني، ولم يخلق حصار غزة. ويمكن أن نقول إن إسرائيل استخدمت العملية ذريعة لشن حرب مدمرة، لكن الذريعة ليست السبب. فالاحتلال هو الذي أنتج المقاومة، وليس المقاومة هي التي أنتجت الاحتلال.
أما الاستناد إلى اختلال موازين القوى للقول إن المقاومة كان ينبغي ألا تبدأ، فهو أكثر خطورة من مجرد نقد قرار عسكري. إذ ماذا يعني ذلك عمليا؟ أن على الشعب الواقع تحت الاحتلال أن ينتظر حتى يصبح أقوى من المحتل كي يحق له مقاومته. لكن كيف يصبح أقوى إذا كان مطلوبا منه أن يتخلى عن الصراع الذي يمكن أن ينتج قوته؟
لم تكن الجزائر أقوى من فرنسا، ولا فيتنام أقوى من الولايات المتحدة. حركات التحرر لم تنتصر لأنها حققت التكافؤ العسكري مع المستعمر، بل لأنها استطاعت أن تحول ضعفها العسكري إلى قوة سياسية وشعبية وتاريخية، وأن تجعل التفوق العسكري للمستعمر غير كاف لتحقيق انتصار سياسي نهائي.
وهنا ينبغي أن يكون نقد طوفان الأقصى أكثر عمقا من القول إنه كان خطأ لأنه وقع في ظروف اختلال هائل للقوة. المشكلة ليست أن المقاومة قاومت وهي أضعف، بل هل امتلكت استراتيجية لتحويل فعل المقاومة إلى تغيير في ميزان القوى؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى حماس وإلى الحركة الوطنية الفلسطينية كلها: هل كان هناك تصور سياسي لليوم التالي؟ هل كان هناك مشروع لبناء جبهة وطنية فلسطينية تتجاوز الانقسام؟ هل كان هناك إعداد لحرب طويلة؟ وهل امتلكت المقاومة القدرة على تحويل الإنجاز العسكري الأول إلى قوة سياسية وشعبية وإقليمية ودولية؟
إذا كانت الإجابة بالنفي أو بالنقص، فهذه ثغرة استراتيجية حقيقية يجب الاعتراف بها بلا تردد. لكن علاجها ليس التخلي عن المقاومة، بل تحويل المقاومة من فعل عسكري إلى استراتيجية تحرر وطني شاملة.
وهنا تظهر المفارقة في النقاش الحالي حول نزع سلاح حماس. إذا كان المطلوب من الطرف الأضعف أن يتخلى عن سلاحه، بينما تبقى إسرائيل صاحبة التفوق العسكري والقدرة على فرض شروطها، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا تتمسك المقاومة بسلاحها؟ بل: من يملك القوة بعد نزع السلاح؟ ومن يضمن ألا يتحول نزع سلاح الطرف الأضعف إلى إعادة إنتاج ميزان القوة الذي أنتج الحرب أصلا؟
إذا كان نزع السلاح جزءا من انسحاب إسرائيلي كامل وإنهاء للاحتلال وضمان سيادة فلسطينية حقيقية، فهذه مسألة أخرى يمكن مناقشتها سياسيا. أما نزع سلاح المقاومة مع بقاء إسرائيل صاحبة اليد العليا، فهو ليس توازنا بين طرفين، بل تكريس لاختلال القوة.
لذلك لا ينبغي الوقوع في أحد خطأين: تقديس طوفان الأقصى ورفض نقده، أو استخدام نتائجه الكارثية لإدانة المقاومة نفسها.
نعم، ممكن أن نسأل: هل كان القرار صائبا؟ هل حُسبت نتائجه؟ لماذا لم يتحول الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي؟ لماذا لم تُبنَ جبهة فلسطينية موحدة؟ ولماذا بقيت المقاومة أضعف سياسيا مما هي عسكريا؟
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل كان البديل هو التحرر، أم مجرد استمرار الوضع الذي كان قائما قبل 7 أكتوبر؟
فمن السهل أن نقول بعد الكارثة: «كان يجب ألا تبدأ المقاومة». الأصعب، والأكثر ثورية، هو أن نسأل: كيف نبني قوة تجعل المقاومة قادرة على تغيير ميزان القوى، لا مجرد الاصطدام به؟
المقاومة ليست مقدسة، ويمكن أن تخطئ وتُهزم. لكن الهزيمة لا تثبت أن المقاومة كانت خطأ، كما أن الكارثة لا تجعل الاحتلال بريئا من مسؤولية إنتاج شروطها.
الثوري لا ينكر ميزان القوى، ولا يعبده. يفهمه لكي يغيّره.
وهنا يكمن الفرق بين نقد المقاومة من أجل تطويرها، ونقدها من أجل إقناع المقهور بأن عليه أن يستسلم لأن خصمه أقوى.
بعد ما آلت إليه حرب غزة من دمار هائل ومقتل عشرات الآلاف، وسيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من القطاع، وطرح حل يقوم على نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية، يتكرر السؤال: ألم يكن طوفان الأقصى خطأ استراتيجيا؟ ألم يكن واضحا منذ البداية أن الفارق في موازين القوى هائل، وأن إسرائيل سترد بحرب لا تستطيع غزة تحملها؟ ألم يكن الأفضل تجنب هذه الكارثة؟
هذا سؤال مشروع إذا كان المقصود نقد القرار العسكري والاستراتيجي ومراجعة حساباته ونتائجه. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى استنتاج مفاده أن المقاومة نفسها كانت خطأ لأنها أقدمت على مواجهة عدو أقوى منها.
فالقول إن «لولا طوفان الأقصى لما حدث كل ذلك» يستند إلى مغالطة بسيطة: نحن نعرف ما حدث بعد 7 أكتوبر، لكننا لا نعرف ماذا كان سيحدث لو لم يقع. لا توجد أية ضمانة بأن المسار السابق كان سيقود إلى نهاية الاحتلال أو رفع الحصار أو وقف الاستيطان أو إقامة دولة فلسطينية. ما كان قائما قبل الطوفان لم يكن سلاما ينتظر الاستمرار، بل كان احتلالا وحصارا واستيطانا وتهميشا للقضية الفلسطينية، مع اختلال هائل في ميزان القوى.
لذلك يجب التمييز بين الحدث الذي فجّر الحرب وبين البنية التي أنتجت الصراع. طوفان الأقصى لم يخلق الاحتلال، ولم يخلق المشروع الصهيوني، ولم يخلق حصار غزة. ويمكن أن نقول إن إسرائيل استخدمت العملية ذريعة لشن حرب مدمرة، لكن الذريعة ليست السبب. فالاحتلال هو الذي أنتج المقاومة، وليس المقاومة هي التي أنتجت الاحتلال.
أما الاستناد إلى اختلال موازين القوى للقول إن المقاومة كان ينبغي ألا تبدأ، فهو أكثر خطورة من مجرد نقد قرار عسكري. إذ ماذا يعني ذلك عمليا؟ أن على الشعب الواقع تحت الاحتلال أن ينتظر حتى يصبح أقوى من المحتل كي يحق له مقاومته. لكن كيف يصبح أقوى إذا كان مطلوبا منه أن يتخلى عن الصراع الذي يمكن أن ينتج قوته؟
لم تكن الجزائر أقوى من فرنسا، ولا فيتنام أقوى من الولايات المتحدة. حركات التحرر لم تنتصر لأنها حققت التكافؤ العسكري مع المستعمر، بل لأنها استطاعت أن تحول ضعفها العسكري إلى قوة سياسية وشعبية وتاريخية، وأن تجعل التفوق العسكري للمستعمر غير كاف لتحقيق انتصار سياسي نهائي.
وهنا ينبغي أن يكون نقد طوفان الأقصى أكثر عمقا من القول إنه كان خطأ لأنه وقع في ظروف اختلال هائل للقوة. المشكلة ليست أن المقاومة قاومت وهي أضعف، بل هل امتلكت استراتيجية لتحويل فعل المقاومة إلى تغيير في ميزان القوى؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى حماس وإلى الحركة الوطنية الفلسطينية كلها: هل كان هناك تصور سياسي لليوم التالي؟ هل كان هناك مشروع لبناء جبهة وطنية فلسطينية تتجاوز الانقسام؟ هل كان هناك إعداد لحرب طويلة؟ وهل امتلكت المقاومة القدرة على تحويل الإنجاز العسكري الأول إلى قوة سياسية وشعبية وإقليمية ودولية؟
إذا كانت الإجابة بالنفي أو بالنقص، فهذه ثغرة استراتيجية حقيقية يجب الاعتراف بها بلا تردد. لكن علاجها ليس التخلي عن المقاومة، بل تحويل المقاومة من فعل عسكري إلى استراتيجية تحرر وطني شاملة.
وهنا تظهر المفارقة في النقاش الحالي حول نزع سلاح حماس. إذا كان المطلوب من الطرف الأضعف أن يتخلى عن سلاحه، بينما تبقى إسرائيل صاحبة التفوق العسكري والقدرة على فرض شروطها، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا تتمسك المقاومة بسلاحها؟ بل: من يملك القوة بعد نزع السلاح؟ ومن يضمن ألا يتحول نزع سلاح الطرف الأضعف إلى إعادة إنتاج ميزان القوة الذي أنتج الحرب أصلا؟
إذا كان نزع السلاح جزءا من انسحاب إسرائيلي كامل وإنهاء للاحتلال وضمان سيادة فلسطينية حقيقية، فهذه مسألة أخرى يمكن مناقشتها سياسيا. أما نزع سلاح المقاومة مع بقاء إسرائيل صاحبة اليد العليا، فهو ليس توازنا بين طرفين، بل تكريس لاختلال القوة.
لذلك لا ينبغي الوقوع في أحد خطأين: تقديس طوفان الأقصى ورفض نقده، أو استخدام نتائجه الكارثية لإدانة المقاومة نفسها.
نعم، ممكن أن نسأل: هل كان القرار صائبا؟ هل حُسبت نتائجه؟ لماذا لم يتحول الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي؟ لماذا لم تُبنَ جبهة فلسطينية موحدة؟ ولماذا بقيت المقاومة أضعف سياسيا مما هي عسكريا؟
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل كان البديل هو التحرر، أم مجرد استمرار الوضع الذي كان قائما قبل 7 أكتوبر؟
فمن السهل أن نقول بعد الكارثة: «كان يجب ألا تبدأ المقاومة». الأصعب، والأكثر ثورية، هو أن نسأل: كيف نبني قوة تجعل المقاومة قادرة على تغيير ميزان القوى، لا مجرد الاصطدام به؟
المقاومة ليست مقدسة، ويمكن أن تخطئ وتُهزم. لكن الهزيمة لا تثبت أن المقاومة كانت خطأ، كما أن الكارثة لا تجعل الاحتلال بريئا من مسؤولية إنتاج شروطها.
الثوري لا ينكر ميزان القوى، ولا يعبده. يفهمه لكي يغيّره.
وهنا يكمن الفرق بين نقد المقاومة من أجل تطويرها، ونقدها من أجل إقناع المقهور بأن عليه أن يستسلم لأن خصمه أقوى.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire