النسويّة والعمّالية في سياق التحوّلات الثورية

 



إسراء عبد الحافظ
كاتبة مصرية

تشكّل الثورات لحظات تأسيسية في تاريخ المجتمعات، حيث تتفكّك البنى القديمة وتتولّد احتمالات جديدة لإعادة التشكيل الاجتماعي والسياسي. وفي هذه الفضاءات الهشّة، تنبثق الحركات الاجتماعية من رحم التحوّل الثوري، حاملةً تناقضات الماضي وآمال المستقبل. وفي هذا المقال أقدّم تحليلاً للتفاعل بين الحركتين النسوية والعمالية في السياقات الثورية العربية، بوصفهما حركتين تاريخيتين تحملان مشروعًا تحرريًّا يتقاطع مع المشروع الثوري العام، مع احتفاظ كل منهما بخصوصيتها التي تعكس إشكالات بنيوية عميقة في العلاقة بين الطبقة والنوع الاجتماعي، وبين المطالب الجزئية والتحرر الشامل.
نشأت الحركة العمالية المنظّمة في معظم المجتمعات العربية في ظل أنظمة سلطوية استخدمت النقابات المهنية والعمالية أداةً للاحتواء والسيطرة، إذ جرى تسييسها لتصبح امتدادًا لأجهزة الدولة والأحزاب الحاكمة. وقد أفقد هذا النموذج البيروقراطي، القائم على النقابات الرسمية، الحركة العمالية استقلاليتها، وحوّلها إلى أداة لضبط سوق العمل بدلًا من أن تكون أداة للتحرر.
في المقابل، تطورت الحركة النسوية ضمن إطارين متوازيين ظلّا منفصلين: الأول نخبوي ارتبط بمشاريع الدولة الحديثة والتحديث من أعلى، والثاني شعبي ارتبط بالحركات الاجتماعية والدينية واليسارية. وقبل الثورات، عانت كلتا الحركتين من قمع ممنهج وتهميش متعمّد، إذ حُصرت مطالب العمال في إطار اقتصادي ضيق، كتحسين الأجور وظروف العمل، بينما حوصرت مطالب النساء ضمن قضايا الأسرة والخطابات الأخلاقية المحافظة، ما حال دون بلورة مشروع تحرري جذري.
واجهت المرأة العاملة استغلالًا مضاعفًا: بوصفها عاملة ضمن علاقات إنتاج غير عادلة في سوق عمل مُجزّأ ومُهمّش، وبوصفها امرأة في مجتمع أبوي يكرّس التمييز الجندري في الفضاءين العام والخاص. وقد أفضى هذا التداخل بين القمع الطبقي والجندري إلى وضع هش جعل قضاياها في أدنى سلّم الأولويات السياسية.
كما غُيبت مطالب المرأة العاملة عن أجندة الحركة العمالية التقليدية ذات القيادة الذكورية، والمنشغلة بصورة العامل الذكر المعيل، في حين تجاهلتها الخطابات النسوية النخبوية المنفصلة عن هموم الطبقات الكادحة، والمنشغلة بقضايا الحريات الفردية والقوانين المدنية. وقد كشف هذا الانقسام عن فجوة بين الحركتين تعكس إشكالية أعمق في الفكر التحرري العربي، تتمثل في الفصل بين العدالة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والجندرية.
تفاعلت الخطابات العالمية للحقوق، سواء المتعلقة بحقوق العمال أو حقوق المرأة، مع واقع اجتماعي محلي يتسم بتركيبة مُعقّدة، إذ شكّلت المرجعيات الدينية والثقافية والتقاليد العرفية إطارًا حاكمًا للنقاش حول الحقوق ومصادر الشرعية. وأدى ذلك إلى توتر دائم بين المطالب الكونية والخصوصية المحلية، ولا سيما في ما يتعلق بالحقوق النسوية التي وُصفت بأنها مستوردة في خطابات القوى المحافظة، وحتى في بعض الخطابات الوطنية التقدمية. وفي المقابل، واجهت المطالب العمالية اتهامات بتقويض الاقتصاد الوطني أو تأجيج الصراع الطبقي في مجتمعات تسود فيها خطابات الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي.

من المطالب الاقتصادية إلى المطالب السياسية: تحوّل الحركة العمالية
شكّلت الثورات لحظة تحوّل نوعي للحركة العمالية، إذ انتقلت الإضرابات والاحتجاجات من المطالب المهنية الضيقة، كالأجور وتحسين ظروف العمل، إلى حركات احتجاجية تطرح خطابًا سياسيًّا صريحًا مناهضًا للنظام القائم ولسياساته الاقتصادية النيوليبرالية.
وفي مصر وتونس، تحالفت لجان العمال المستقلة مع الحركات الشبابية والائتلافات الثورية، محوّلةً المطالب الاقتصادية إلى أدوات ضغط سياسي وأساليب فاعلة في معركة إسقاط النظام. وقد منح هذا التحوّل الحركة العمالية دورًا محوريًّا في الحراك الثوري، حيث شكّلت الإضرابات العامة، كما في الحوض المنجمي بقفصة في تونس، أو إضرابات عمال السكك الحديد وهيئة النقل العام في مصر، ذروة الضغط الثوري الذي عجزت الأنظمة عن احتوائه. ومع ذلك، ظل هذا الدور مثيرًا للجدل، إذ رأى فيه بعض الفاعلين السياسيين تهديدًا لاستقرار المرحلة الانتقالية.

تجربة النساء في الثورة
اخترقت النساء الفضاء العام، الذي كان مُحتكرًا للرجال، بصورة غير مسبوقة، فشاركْن في الاعتصامات والتظاهرات، بل وفي خطوط المواجهة مع الأجهزة الأمنية. ولم تقتصر مشاركتهن على دور الداعم أو الضحية، بل امتدّت إلى قيادة المجموعات، وتنظيم الإمدادات الطبية والغذائية، والتوثيق الإعلامي والصحافي، وإلقاء الخطب، وصياغة البيانات السياسية.
وفي ساحات الاعتصام، مثل ميدان التحرير في مصر، ظهرت أشكال جديدة من التضامن النسائي العابر للطبقات، وولدت خطابات نسوية جديدة متجذّرة في التجربة النضالية المباشرة. غير أن هذه المكاسب المؤقّتة اصطدمت سريعًا بمحاولات استعادة الهيمنة الذكورية على الفضاء العام بعد انحسار الموجة الثورية، حيث جرى تهميش النساء في المشهد السياسي الرسمي، وتحويلهن إلى رمز أخلاقي للثورة بدلًا من الاعتراف بهن بوصفهن فاعلات سياسيات.
شهدت المرحلة الثورية أيضًا ظهور أشكال تنظيمية مرنة، مثل المجالس العمالية المحلية المستقلة، ولجان الأحياء والشوارع، ومجموعات التنسيق والدعم النسائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والجمعيات المساندة لضحايا العنف السياسي والجندري. وقد تجاوزت هذه الأشكال البنى التقليدية، كالنقابات الرسمية والجمعيات النسائية المُرخّصة، التي كانت عرضة للاحتواء أو البيروقراطية أو التبعية للدولة، مقدمةً نموذجًا تنظيميًّا ديمقراطيًّا أكثر شمولًا وتشاركية. إلا أن هذه الأشكال الجديدة واجهت تحدّيات كبيرة في الاستمرارية والاستقرار، تحت وطأة القمع المضاد، وضبابية المرحلة الانتقالية، وغياب البرنامج السياسي الواضح.

التقاطعات والتوتّرات وأوجه الصراع
كشف السياق الثوري عن إمكانات تحالفية بين الحركتين، ولا سيما في مواجهة العدو المشترك المتمثّل في النظام الأبوي السلطوي، لكنه كشف أيضًا عن تناقضات عميقة. ففي بعض السياقات، دعمت الحركة العمالية المطالب النسوية، كما فعلت بعض النقابات المستقلة في تونس حين أيّدت المساواة في الميراث. وفي سياقات أخرى، تصادمت المطالب، خاصة عندما طالبت النساء بحصص في التمثيل النقابي أو بمواجهة التحرّش في أماكن العمل، فقوبلت مطالبهن بمواقف دفاعية من قيادات نقابية ذكورية.
لقد كشفت الثورة أن تحرر العمال لا يكتمل دون تحرر النساء من الموروثات الاجتماعية المقيّدة، وأن تحرر النساء لا يتحقق دون عدالة اقتصادية. غير أن ترسيخ هذا الوعي المتقاطع ظل جزئيًّا ومُتقطِّعًا.
شكّلت الثورات العربية لحظة انفتاح تاريخي أتاحت للحركتين النسوية والعمالية كسر القيود المفروضة عليهما، وإعادة طرح أسئلة التحرر بصورة جذرية. غير أن هذه اللحظة بقيت هشة ومُهدّدة، إذ واجهت المكاسب الجزئية رد فعل عنيفًا من تحالف القوى القديمة، مُمثّلًا في الدولة العميقة، والمؤسسات الدينية المحافظة، والرأسمالية المحلية والعالمية.
ومن جهة أخرى، ظلت العلاقة بين الحركتين تتأرجح بين التحالف التكتيكي والانفصال الاستراتيجي نتيجة عوامل تاريخية وبنيوية. ويبقى السؤال المركزي: كيف يمكن بناء حركة تحررية تتجاوز الفصل بين الاقتصادي والاجتماعي، وبين الطبقي والجندري؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلّب تجاوز النموذج النقابي البيروقراطي، والنموذج النسوي النخبوي، نحو نموذج تنظيمي ديمقراطي يعترف بتعدّد الهويات والتجارب من دون إقصاء، ويبني تحالفات أفقية قائمة على المصالح المشتركة، لا على الشعارات المُجرّدة. كما تتطلّب إعادة الاعتبار للنضال اليومي في أماكن العمل والأحياء الشعبية بوصفه مدرسة للتسييس وبناء الوعي. ومن خلال هذا المشروع المتقاطع يمكن تحويل لحظة الثورة الانفجارية إلى عملية تحوّل ثوري مستمرة، قادرة على مواجهة تشابك هياكل القمع القديمة والجديدة.
وفي خضمّ التحولات الثورية التي هزّت المجتمعات العربية، تظل العلاقة بين الحركتين النسوية والعمالية مسألة مفتوحة على جميع احتمالاتها، تحمل في طياتها وعود التحرر الكامل وأخطار الانتكاسة والإجهاض. لقد كشفت الثورات، في لحظات تألّقها، أن قضية العمال وقضية النساء ليستا سوى وجهين لقضية واحدة، هي قضية الإنسان في مجتمعات تعاني تشابكًا مُعقّدًا بين الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي والهيمنة الأبوية.
غير أنها كشفت أيضًا أن المطالب الجزئية، حين تنفصل عن بعضها أو تُختزل في أطر ضيقة، أو تُسلَّم إلى القيادات النخبوية أو البيروقراطية، تفقد قوتها الثورية، وتعود إلى فلك النظام القائم الذي يتقن آليات الاحتواء والتفريغ.
إن الدروس المُستفادة من التجارب الثورية تؤكد أن أي مشروع تحرري جذري لا يمكن أن يقوم على إلغاء خصوصية النضالات أو تذويبها في خطاب عام جامد، بل يقوم على الاعتراف بأن العدالة الاجتماعية لا تكتمل دون عدالة جندرية، وأن تحرير المرأة يظل مشوّهًا إذا بقي محصورًا في فضاء النخب، من دون أن يمتد إلى حقها في العمل الكريم، والأجر العادل، والحماية من الاستغلال في سوق العمل.
وبالمثل، فإن تحرير العمال يظل ناقصًا إذا تجاهل أن نصفهم من النساء اللواتي يعانين تمييزًا مضاعفًا، وأن قضايا الإنتاج لا تنفصل عن قضايا الإنجاب والرعاية والعمل غير المدفوع الأجر.
لقد أثبتت اللحظات الثورية أن الأشكال التنظيمية المرنة والأفقية، القائمة على التضامن الحي والتشارك الفعلي، هي الأقدر على استيعاب تنوّع المطالب وبناء تحالفات حقيقية تتجاوز حدود النقابات والجمعيات التقليدية. غير أن هذه الأشكال تبقى رهينة قدرتها على التحوّل من طاقة احتجاجية انفجارية إلى قوة بنّاءة قادرة على صياغة برامج سياسية واقتصادية واجتماعية بديلة، وعلى مواجهة آليات القمع المضاد التي لا تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها بأشكال متجدّدة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحركة النسوية والحركة العمالية، معًا، تجاوز علاقتهما المتوترة والمتقطّعة نحو مشترك عضوي لا يقوم على التحالفات التكتيكية المؤقّتة، بل على رؤية مشتركة للعالم ترى في تحرر الإنسان من كل أشكال القمع الطبقي والجندري والسياسي هدفًا واحدًا لا يتجزأ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية محضة، بل هي رهان عملي على قدرة الفاعلين الاجتماعيين على التعلم من تاريخهم، وتجاوز انقساماتهم، وبناء جبهة تحررية تعيد تعريف السياسة ذاتها، لا بوصفها منافسة على السلطة، بل بوصفها ممارسة يومية للعدالة والكرامة في أماكن العمل والأحياء والشوارع والساحات.
وفي زمن تعيد فيه الرأسمالية الأبوية إنتاج نفسها بأقنعة جديدة، وتتنامى فيه خطابات التشظّي والانغلاق، تظل هذه الرؤية المتقاطعة للتحرر هي الأفق الأكثر إلحاحًا، وهي المسؤولية الأخلاقية والسياسية التي تستدعيها لحظة الثورة في عمقها الفلسفي، لا في عنفوانها اللحظي. فالثورة ليست حدثًا عابرًا ينقضي، بل عملية مستمرة من التسييس والوعي والنضال، ولا تكون ثورية بحق إلا إذا كانت تحررية شاملة، تجمع ما فرّقته الأنظمة القديمة والجديدة من قضايا ومطالب وإنسان.
وربّما لم تفشل الثورات العربية لأنها عجزت عن إسقاط الأنظمة، بل لأنها لم تنجح في بناء تحالف اجتماعي يربط بين تحرر العامل وتحرر المرأة، وبين العدالة الاقتصادية والعدالة الجندرية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire