الثورة الفرنسية كسرت سلاسل الاقطاع... إنما لم تنجز التغيير

 


د. ماري ناصيف – الدبس
نائبة الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني
والمنسقة السابقة للقاء اليساري العربي

لا تزال الثورة الفرنسية، رغم مرور ما يقارب المائتين وخمسين عاما على اندلاعها، تستقطب العديد من الدراسات وتثير الكثير من النقاشات حول أسبابها، ومضمونها، والدور الذي لعبته في انتقال أوروبا، أولا، ومن ثم العالم من طور هيمنة الاقطاع إلى طور جديد من الانتاج، الرأسمالية، مترافق مع انقسام اجتماعي أكثر وضوحا وحدّة... علما أن هذه الثورة كانت ايضا في أساس وضع شرعة جديدة لحقوق الانسان لا تزال تشكّل، حتى يومنا هذا، منطلقا للنضال الذي تخوضه الشعوب، كل من موقعه وعلى الصعيد العالمي العام، من أجل الوصول إلى عالم تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة ويعمّ فيه السلام والرفاهية.
لماذا كانت هذه "الثورة"؟ وما هي الأسباب التي دفعت إلى قيامها؟ ومن هي القوى المتحالفة والمتناحرة ضمنها؟ بل، هل يمكن القول أنها لبّت طموحات من أسس لها، بعد مرور قرنين ونصف القرن تقريبا على قيامها؟
تجدر الاشارة، بداية، إلى الظروف الموضوعية والذاتية التي عاشتها فرنسا في ثمانينيات القرن الثامن عشر، أولا كدولة ذات نظام ملكي مركزي، وثانيا كدولة كانت تعدّ الأكبر من حيث عدد السكان، إذ كان يعيش فيها ما يقارب ثمانية وعشرين مليون نسمة، أي حوالي 18 بالمئة من مجموع سكان القارة الأوروبية، منقسمين إلى ثلالث طبقات هي، من أعلى الهرم إلى القاعدة : طبقة النبلاء التي لا يزيد عدد أفرادها عن أربعماية ألف والتي تسيطر على أغلبية الأرض وما عليها ومن عليها، تليها طبقة رجال الدين (الاكليروس) التي كانت تقارب المئة وعشرين ألفأ والتي تتمتّع الفئة العليا منها بالكثير من الامتيازات المادية والمعنوية، بينما الطبقة الأكثر عددا، العامّة، والتي تشكّل 98 بالمئة من مجموع الشعب، فمعظمها من الفلاحين – الأقنان الذين لا يملكون الأرض التي يزرعوها، بل لا يملكون أنفسهم بالذات، يضاف إليهم القليل من الحرفيين في المدن والريف وعدد أقل من البرجوازيين الذين جمعوا ثروات كبيرة من التجارة مع المستعمرات (وبالتحديد تجارة الرقيق) وكذلك من الأعمال المصرفية وبعض المهن الحرة  (أطباء، قضاة، محامون، ناشرون...إلخ).
هذا االنظام الملكي الاقطاعي، المبني على المركزية المطلقة وملكية الأرض، شكّل السبب ألاساس في انتشار التوجهات التحررية التي نادت بها فئة البرجوازية بشكل خاص كونها، رغم ملكيتها للمال ولبعض وسائل الانتاج، لم تستطع أن تجد لها طريقا جديا إلى السلطة السياسية، بل بقيت على الهامش، وانحصر دورها في تأمين الأموال اللازمة للسلطة الاقطاعية المركزية التي غالبا ما كانت تلجأ إليها من أجل تمويل حروبها المكلفة ومصاريفها الباهظة، فتأخذ منها المال وتعطيها صكوكا تحمل ألقابا فارغة بديلا عنه... من هذه الحروب، "حرب السنوات السبع" التي أدّت إلى هزيمة نكراء اضطرت معها فرنسا للتخلي عن مجموعة من مستعمراتها؛ كما نشير كذلك إلى الدعم الذي قدمته الملكية الفرنسية لانتفاضة الولايات الثلاثة عشر في أميركا الشمالية، ليس حبا بتطلعات وطروحات المنتفضين ضد الاستعمار البريطاني، بل بهدف الثأر من "التاج البريطاني" المنافس الذي استولى عللى جزء من المستعمرات الفرنسية... ولا ننسى، كذلك، انتشار الجوع ومعه الموت والأوبئة بين أغلبية سكان طبقة العامة، بعد عدة سنوات عجاف أدّت إلى تراجع إنتاج القمح، بينما كان الملك وحاشيته في البلاط وخارجه، ومعهم قسم من البرجوازية، يعيشون في النعيم ويتمتعون بخيرات الأرض التي ينتجها لهم الملايين من جماعة "البطون الفارغة".
إضافة لكل ما تقدّم، كان لكتابات بعض الفلاسفة، خاصة جان - جاك روسو، ولجماعة الأنسيكلوبيديا وللصحافة الحرّة غير المرخّصة التي كانت تعد بالعشرات، تأثير أساسي على استنهاض الرأي العام وكذلك على تأطيره عبر العمل على إنشاء النوادي والتجمعات السياسية التي أنتجت برامج للتغيير، علما أن العدد الأكبر من هذه البرامج لم يركّز على تغيير الأساس الاقتصادي- الاجتماعي، بل اكتفى صانعوه بالدعوات للمشاركة في السلطة وإحداث بعض التعديلات على جوهر النظام الملكي، إنما دون الدعوة إلى تغييره... لذا، ونتيجة للاجتماعات التي تمت ما بين أيار /مايو وحزيران / يونيو من العام 1789، يرى المؤرخون البرجوازيون أن الشعب الفرنسي حقق انتصارا كبيرا عندما فرض تغيير أسم الملك من "ملك فرنسا" إلى "ملك للفرنسيين"، ون هذا التغيير – حسب رأيهم – شكّل نهاية الملكية المطلقة.
 وحتى إسقاط سجن الباستيل في الرابع عشر من تموز / يوليو 1789 أتى في هذا الاتجاه، إذ أن انهيار القلعة الأهم للاستبداد هو بداية عهد جديد. إنما لمن؟
للاجابة على هذا السؤال، نستحضر أولا الأهداف الواضحة للبرجوازية الفرنسية الناشئة آنذاك عبر أحد ممثليها الأساسيين "الأب سيياس" (L’Abbé Sieyès ) الذي كتب يقول: ما هي طبقة "العامة"؟ هي كل شيء. ماذا تمثل حتى الآن داخل النظام السياسي؟ لا شيء. بماذا تطالب؟ أن تصبح شيئا ما.
غير أن الاجابة الأساسية تكمن، برأيي، في ما طرحه ماركس ضمن عدد من النصوص التي تحدثت عن الثورة الفرنسية وموقعها ودورها. فبالنسبة لماركس ولدت هذه الثورة من التناقض بين القوة الاقتصادية للطبقة البرجوازية الناشئة وبين استثنائها من السلطة؛ هذا، إضافة إلى أن تلك الثورة شكّلت مرحلة انتقالية بين نمط الانتاج الاقطاعي والنمط الرأسمالي الذي تلاه ابتداء من الانقلاب الذي قام به نابولبون في "الثامن عشر من برومير" من العام 1799. بمعنى آخر، ورغم المشاركة الشعبية الكثيفة فيها والدور الذي لعبته قوى الانتاج الفلاحية والعمالية الناشئة، فإن الثورة انتهت بتنفيذ المهمة التي ألقيت على عاتقها من قبل النواة الصلبة ضمنها، أي الافساح في المجال لتطور قوى الانتاج الجديدة عبر إزالة العوائق الاجتماعية التي كان يشكلها النظام القديم. من هنا كان الاستنتاج الذي طرحه ماركس وانجلز في "البيان الشيوعي": " كان لا بد من كسر هذه السلاسل. وقد تم كسرها".
لذا، نقول في الختام أن ما نفذته ثورة 1789 كان مهما، إنما لا يشكّل التغيير المطلوب إنجازه. هذا التغيير الذي كاد أن ينجز، بعد ثمانين عاما، في كومونة باريس التي شكّلت التجربة الاشتراكية الأولى والنموذج الأول لديكتاتورية البروليتاريا، والتي لم تتوان "حكومة فرساي" البرجوازية الفرنسية ، من أجل إسقاطها، من التحالف مع العدو البروسي المحتل، ففتحت له أبواب باريس، بعد أن تنازلت له عن مقاطعتي الألزاس واللورين.

ملاحظة : في مقال نُشر في «الجريدة الرينانية الجديدة» عام 1848، أبدى ماركس الملاحظة التالية بشأن ثورة عام 1789 (وكذلك ثورة عام 1848) في فرنسا: «كانتا انتصارًا للبرجوازية، لكن انتصار البرجوازية كان آنذاك انتصارًا لنظام اجتماعي جديد، وانتصار الملكية البرجوازية على الملكية الإقطاعية، والشعور القومي على النزعة الإقليمية، والمنافسة على النظام النقابي، والتقاسم على نظام الميراث الأبوي، (...) وعصر التنوير على الخرافات، والأسرة على الاسم العائلي، والصناعة على الكسل «البطولي»، والقانون البرجوازي على الامتيازات العائدة إلى العصور الوسطى.» 

نشر في 13 / 7 / 2026 – مجلة "تقدّم"

بعض المراجع:
- كارل ماركس، الصراعات الطبقية في فرنسا، مقال (بالفرنسية) صادر عام 1850.
- كارل ماركس، الثامن عشر من برومير للويس بونابرت، 1852 (ترجم لاحقا إلى اللغة العربية)
- فرانسوا فوريت، فكرة الثورة الفرنسية، مقال (بالفرنسية) صادر عام 1980 في "المجلة الفرنسية للسوسيولوجيا"
- جان جوريس، التاريخ الاشتراكي للثورة الفرنسية (بالفرنسية)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire