د. طنوس شلهوب
نص عمره 4 سنوات لم يفقد راهنيته.
**
أظهرت حادثة توقيف المطران ساعي البريد بين العملاء على ضفتي الحدود بين لبنان والكيان الغاصب حجم الانقسام الداخلي في لبنان. انها احد تعبيرات الخلل البنيوي في الكيان اللبناني، المؤسَس تاريخياً ليلعب دور السمسار بعدما جرى تقسيم المنطقة العربية وفق خرائط سايكس بيكو.
وكما هو معروف، فأن السمسار هو الوسيط الحريص على انجاز الصفقة، ولا يكترث لهوية البائع والشاري.
الاستعمار الفرنسي استند الى حليفه الرئيسي، الكنيسة المارونية، في تأسيس الكيان، وكان من الطبيعي ان تعتبر البرجوازية الكومبرادورية "المارونية" من خلال نظامها السياسي ان وجود لبنان هو من وجودها.
ان الاختلال في القدرة على تنفيذ الادوار بعد الاستقلال ارتبط بشكل اساسي باقامة الكيان الغاصب وما نتج عنه من تداعيات عميقة على لبنان، كما لجهة وجود اللاجئين الفلسطينيين، كذلك لقدرة الصهاينة على منافسة" احفاد الفينيقيين" في التجارة والمال. وازدادت الامور تعقيداً مع صعود المد القومي وتبلور حركة التحرر الوطني العربية.
ان العداء للعروبة كمشروع وحدوي تحرري تقدمي هو موقف طبيعي عند البرجوازية اللبنانية (المارونية) في حماية مصالحها المرتبطة اصلاً بالغرب (بداية بفرنسا ولاحقاً بالولايات المتحدة الأمريكية). والكنيسة المارونية هي المكون الاساسي المادي والايديولوجي لهذا النمط الكومبرادوري.
نظَّرَ البعض لورقة التفاهم بين عون ونصرالله على انها مؤشر على تحولات في موقف قسم من قوى اليمين اللبناني "المسيحي" إثر هزيمة المشروع الانعزالي التقسيمي وفرض صفقة الطائف. وفي هذا التنظير شيء من الحقيقة، الا ان سياسة العونيين بقيت في جذورها ابنة شارل مالك وفؤاد افرام البستاني وباقي الجوقة من منظري المارونية السياسية.
بالمقابل، فأن حزب الله، وعشية هزيمة الصهاينة وانسحابهم الذليل من الجنوب تحت وطأة ضربات المقاومة، سلك سبيل المهادنة تجاه العملاء، وفُتحت ابواب "التوبة" للعملاء الشيعة، وجاءت الاحكام القضائية بحق العملاء الموقوفين باهتة ولا تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة بحق المقاومين والمعتقلين في الخيام والمواطنين الواقعين تحت رحمة الاحتلال وعملائه، وبدأت تدريجياً تتصاعد الاصوات من بكركي دفاعاً عن الذين قرروا طوعاً الذهاب الى كيان العدو.
وانعاشاً للذاكرة، لا بد من ايراد بعض النقاط:
اولاً: ان ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر تضمنت بنداً للعمل على إيجاد حل لمسألة "اللبنانيين" المقيمين في الكيان. إن إقرار حزب الله بالبحث عن تسوية يعني قبولاً ببقائها على جدول اعمال الصراع السياسي. وهذا جعلها مادة تنافس طائفي بين التيارات والمراجع "المسيحية".
ثانياً: مع وصول عون الى سدة الرئاسة عمل على تشكيل المجلس العدلي الذي اصدر احكامه بحق المناضلين القوميين الذين نفذوا تصفية بشير الجميل في ظل عدم اكتراث من قبل حزب الله وتواطؤ من قبل الحزب السوري القومي وصمت من قبل الحزب الشيوعي وباقي فصائل جمول، وفي ليلة صدور الاحكام اجتمع "البشيريون" في ساحة ساسين في الاشرفية واحتفلوا وكان جبران باسيل في مقدمة الحضور.
ثالثاً: لم تصدر اي ردود فعل متناسبة مع زيارة البطريرك الراعي الى الكيان الغاصب وما صدر عنه من تصريحات نافرة ومنها ان "العملاء" يوزعون وطنية على الاخرين.
رابعاً: أظهرت حادثة دخول الفاخوري وما رافقها من تداعيات ان السلطات السياسية والقضائية والأمنية كلها "مخروقة" ومنقسمة على ذاتها.
خامساً: بذريعة حرية التعبير ومع اشتداد الصراع فان وسائل اعلام واعلاميين يمعنون في "صراحتهم" بالدفاع عن "السلام" والتطبيع مع العدو الصهيوني، وهم كلهم في المحور المعادي للمقاومة.
سادساً: بغض النظر عن الموقف النقدي من سياسة حزب الله الداخلية، فان كل القوى التي تطالب بنزع السلاح (الطريف انها تطلق على نفسها تسمية "سيادية") وباستعداء سوريا وبحياد لبنان وبمواجهة "الاحتلال" الايراني هي في الواقع ليست في موقع العداء للصهاينة، بالرغم انها تعلن لفظياً ان اسرائيل عدوة، ولكن المنطق يقول، اذا كنت تعتبر ان اسرائيل عدوة فكيف تطالب بنزع السلاح الذي يردعها؟
ان لعنة التاريخ على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم لا تنحصر فقط بالمعاناة على المستوى المعيشي والحياتي كنتاج لسياسات "الاقتصاد الحر" انما ايضاً تتعداه لتطال مسألة الهوية والانتماء.
نص عمره 4 سنوات لم يفقد راهنيته.
**
أظهرت حادثة توقيف المطران ساعي البريد بين العملاء على ضفتي الحدود بين لبنان والكيان الغاصب حجم الانقسام الداخلي في لبنان. انها احد تعبيرات الخلل البنيوي في الكيان اللبناني، المؤسَس تاريخياً ليلعب دور السمسار بعدما جرى تقسيم المنطقة العربية وفق خرائط سايكس بيكو.
وكما هو معروف، فأن السمسار هو الوسيط الحريص على انجاز الصفقة، ولا يكترث لهوية البائع والشاري.
الاستعمار الفرنسي استند الى حليفه الرئيسي، الكنيسة المارونية، في تأسيس الكيان، وكان من الطبيعي ان تعتبر البرجوازية الكومبرادورية "المارونية" من خلال نظامها السياسي ان وجود لبنان هو من وجودها.
ان الاختلال في القدرة على تنفيذ الادوار بعد الاستقلال ارتبط بشكل اساسي باقامة الكيان الغاصب وما نتج عنه من تداعيات عميقة على لبنان، كما لجهة وجود اللاجئين الفلسطينيين، كذلك لقدرة الصهاينة على منافسة" احفاد الفينيقيين" في التجارة والمال. وازدادت الامور تعقيداً مع صعود المد القومي وتبلور حركة التحرر الوطني العربية.
ان العداء للعروبة كمشروع وحدوي تحرري تقدمي هو موقف طبيعي عند البرجوازية اللبنانية (المارونية) في حماية مصالحها المرتبطة اصلاً بالغرب (بداية بفرنسا ولاحقاً بالولايات المتحدة الأمريكية). والكنيسة المارونية هي المكون الاساسي المادي والايديولوجي لهذا النمط الكومبرادوري.
نظَّرَ البعض لورقة التفاهم بين عون ونصرالله على انها مؤشر على تحولات في موقف قسم من قوى اليمين اللبناني "المسيحي" إثر هزيمة المشروع الانعزالي التقسيمي وفرض صفقة الطائف. وفي هذا التنظير شيء من الحقيقة، الا ان سياسة العونيين بقيت في جذورها ابنة شارل مالك وفؤاد افرام البستاني وباقي الجوقة من منظري المارونية السياسية.
بالمقابل، فأن حزب الله، وعشية هزيمة الصهاينة وانسحابهم الذليل من الجنوب تحت وطأة ضربات المقاومة، سلك سبيل المهادنة تجاه العملاء، وفُتحت ابواب "التوبة" للعملاء الشيعة، وجاءت الاحكام القضائية بحق العملاء الموقوفين باهتة ولا تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة بحق المقاومين والمعتقلين في الخيام والمواطنين الواقعين تحت رحمة الاحتلال وعملائه، وبدأت تدريجياً تتصاعد الاصوات من بكركي دفاعاً عن الذين قرروا طوعاً الذهاب الى كيان العدو.
وانعاشاً للذاكرة، لا بد من ايراد بعض النقاط:
اولاً: ان ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر تضمنت بنداً للعمل على إيجاد حل لمسألة "اللبنانيين" المقيمين في الكيان. إن إقرار حزب الله بالبحث عن تسوية يعني قبولاً ببقائها على جدول اعمال الصراع السياسي. وهذا جعلها مادة تنافس طائفي بين التيارات والمراجع "المسيحية".
ثانياً: مع وصول عون الى سدة الرئاسة عمل على تشكيل المجلس العدلي الذي اصدر احكامه بحق المناضلين القوميين الذين نفذوا تصفية بشير الجميل في ظل عدم اكتراث من قبل حزب الله وتواطؤ من قبل الحزب السوري القومي وصمت من قبل الحزب الشيوعي وباقي فصائل جمول، وفي ليلة صدور الاحكام اجتمع "البشيريون" في ساحة ساسين في الاشرفية واحتفلوا وكان جبران باسيل في مقدمة الحضور.
ثالثاً: لم تصدر اي ردود فعل متناسبة مع زيارة البطريرك الراعي الى الكيان الغاصب وما صدر عنه من تصريحات نافرة ومنها ان "العملاء" يوزعون وطنية على الاخرين.
رابعاً: أظهرت حادثة دخول الفاخوري وما رافقها من تداعيات ان السلطات السياسية والقضائية والأمنية كلها "مخروقة" ومنقسمة على ذاتها.
خامساً: بذريعة حرية التعبير ومع اشتداد الصراع فان وسائل اعلام واعلاميين يمعنون في "صراحتهم" بالدفاع عن "السلام" والتطبيع مع العدو الصهيوني، وهم كلهم في المحور المعادي للمقاومة.
سادساً: بغض النظر عن الموقف النقدي من سياسة حزب الله الداخلية، فان كل القوى التي تطالب بنزع السلاح (الطريف انها تطلق على نفسها تسمية "سيادية") وباستعداء سوريا وبحياد لبنان وبمواجهة "الاحتلال" الايراني هي في الواقع ليست في موقع العداء للصهاينة، بالرغم انها تعلن لفظياً ان اسرائيل عدوة، ولكن المنطق يقول، اذا كنت تعتبر ان اسرائيل عدوة فكيف تطالب بنزع السلاح الذي يردعها؟
ان لعنة التاريخ على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم لا تنحصر فقط بالمعاناة على المستوى المعيشي والحياتي كنتاج لسياسات "الاقتصاد الحر" انما ايضاً تتعداه لتطال مسألة الهوية والانتماء.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire