د. طنوس شلهوب
ليس كل احتفاء بذكرى فنان هو بالضرورة إنصاف له. أحيانا تتحول الذكرى، من حيث ندري أو لا ندري، إلى مناسبة لاختزال الفنان في جانب من تجربته، أو إلى محاولة فصل إبداعه عن المعنى الذي أعطى لهذا الإبداع قيمته ومكانته.
في اللقاء الذي نظمه البيت اللبناني الروسي في موسكو بالتعاون مع جمعية متخرجي جامعات ومعاهد الاتحاد السوفياتي وروسيا في لبنان بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل زياد الرحباني، تناول الموسيقي عبد الله المصري والكاتب الكويتي عبد الوهاب الحمادي جوانب من تجربة زياد، الأول من الناحية الموسيقية والتقنية، والثاني من ناحية الكلمة. ومن الطبيعي أن تكون هذه الزوايا موضع نقاش، ولا اعتراض على قراءة زياد موسيقيا وأدبيا. لكن ما غاب في المداخلتين، في رأيي، هو الجانب الأهم في تجربته: زياد لم يكن مجرد موسيقي وكاتب ومسرحي عبقري، بل كان حالة إبداعية متكاملة ارتبط فيها الفن بالموقف، والموسيقى بالكلمة، والعبقرية بالناس، والإبداع بقضايا العدالة والاشتراكية وفلسطين.
كان زياد فنانا تشكل وعيه في قلب الصراع الاجتماعي والسياسي. دخل الناس إلى فنه لا بوصفهم مادة للفرجة أو خلفية لأعماله، بل بوصفهم جوهر هذا الفن وموضوعه ومصدر انحيازه. ولذلك فإن الحديث عن زياد من دون الحديث عن موقفه السياسي والاجتماعي يشبه الحديث عن شجرة مع تجاهل جذورها.
كانت مداخلتي المختصرة في اللقاء محاولة لإعادة هذه المسألة إلى النقاش. قلت إن زياد كان فنان الشعب، وإن من أهم ما ميزه، إلى جانب عبقريته الفنية، ثباته على قناعاته، وعدم سماحه للمال الخليجي بأن يعيد تشكيل مواقفه أو أن يشتري صوته.
ولم يكن هذا الالتزام مجرد كلام يقال على المسرح. كان يظهر أيضا في علاقته بزملائه وبجمهوره. فقد كان يحرص على تقاسم عوائد الحفلات بصورة عادلة مع العازفين والممثلين الذين يعملون معه، كما كان يضع شروطا تتعلق بأسعار البطاقات حتى تبقى حفلاته متاحة للناس، ولا تتحول إلى مناسبة للنخبة القادرة وحدها على دفع أسعار مرتفعة.
وهنا تصبح عبارة «فنان الشعب» أكثر من مجرد وصف جميل. فالعدالة التي تحدث عنها زياد لم تكن شعارا سياسيا معلقا خارج حياته الفنية، بل كانت حاضرة، قدر الإمكان، في طريقة تعامله مع الذين يشاركونه صناعة الفن، وفي علاقته بالجمهور الذي اعتبره جزءا من معنى هذا الفن.
استفزت مداخلتي المتداخلين الاثنين، وبدلا من أن يتركز النقاش على ثبات زياد على مواقفه، انتقل الحديث إلى محاولة التشكيك في صورته، حتى ذهب المتداخل الكويتي إلى ذكر عمل زياد في الإمارات، وكأن العزف في فندق أو العمل في أي مكان لتأمين لقمة العيش يمكن أن يكون تهمة أو إدانة.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين مختلفين تماما: أن يعمل الفنان ليعيش، وأن يبيع الفنان موقفه.
زياد، مثل أي إنسان، كان يحتاج إلى العمل وإلى تأمين حياته في ظروف محاصرته بسبب خياراته السياسية. وليس مطلوبا من الفنان أن يعيش خارج شروط الحياة حتى يثبت التزامه. السؤال الحقيقي ليس: أين عمل زياد؟ بل: هل باع موقفه؟ هل غيّر قناعاته من أجل المال؟ هل جعل فنه وسيلة للتقرب من أصحاب النفوذ؟ هل استغل زملاءه لزيادة أرباحه؟ وهل تعامل مع جمهوره باعتباره مجرد سوق؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرح عندما نتحدث عن علاقة زياد بالمال، لا أن نفتش في حياته عن حفلة عزف فيها هنا أو هناك، ونحول العمل من أجل لقمة العيش إلى تهمة.
والمفارقة أن محاولة التشكيك في زياد من هذه الزاوية تكشف مشكلة أعمق: هناك من يريد أن يحتفظ بزياد الموسيقي العبقري، والكاتب الساخر، والمسرحي المبدع، لكنه يريد زيادا منزوع السياسة والاجتماع، منزوع الانحياز إلى الناس، منزوع التمرد على السلطة والطائفية والاستغلال.
البعض يريد زياد الفنان، لكن من دون زياد الذي انحاز إلى الناس والعدالة، ودافع عن فلسطين، ورفض أن تتحول عبقريته إلى سلعة، وتمسك بقناعاته حتى عندما كان ثمن هذا التمسك أن يبقى خارج دوائر المال والنفوذ.
إنصاف زياد لا يعني أن نحوله إلى قديس أو أن نمنع نقد تجربته. بل يعني أن نقرأه كما كان: موسيقيا وكاتبا ومسرحيا ومثقفا، لكن أيضا صاحب موقف سياسي واجتماعي واضح. أن نقرأ عبقريته إلى جانب تواضعه، وسخريته إلى جانب غضبه، وفنه إلى جانب انحيازه.
لقد كان يستطيع أن يجعل من عبقريته سلما إلى عالم من الشهرة والمال، لكنه بقي قريبا من الناس. وكان يستطيع أن يخفف من حدة مواقفه كي يرضي السلطة واقطابها، لكنه اختار أن يدفع ثمن أن يكون زياد.
لهذا فإن الدفاع عن زياد اليوم ليس دفاعا عن شخص يحتاج إلى من يدافع عنه. لقد ترك من الفن ما يكفي لكي يتحدث عنه. الدفاع الحقيقي هو عن المعنى الذي مثله زياد: أن يكون الفنان حرا في فنه، صادقا في موقفه، عادلا مع من يعملون معه، قريبا من جمهوره، وألا تتحول موهبته إلى سلعة في سوق المال.
فالذكرى لا تكون بتجميل صورة الفنان، ولا بتشويهها. الذكرى الحقيقية هي أن نحفظه كما كان، بكل تناقضاته وموسيقاه ومسرحه وسخريته وتمرده وتواضعه والتزامه.
زياد الرحباني العبقري، لم يكن فنانا للشعب لأنه تحدث عن الشعب فقط، بل لأنه عاش فنه من موقع الانحياز إلى الناس، وحاول أن يجعل هذا الانحياز ممارسة في علاقته بزملائه وجمهوره، وبقي وفيا لقناعاته حتى النهاية.
لذلك، حين تتحول ذكرى زياد إلى مناسبة للانتقاص منه أو فصل عبقريته عن التزامه، يصبح من حقنا أن نقول:
لا تسيئوا إلى زياد.
اتركوا فنان الشعب في مكانه.
ليس كل احتفاء بذكرى فنان هو بالضرورة إنصاف له. أحيانا تتحول الذكرى، من حيث ندري أو لا ندري، إلى مناسبة لاختزال الفنان في جانب من تجربته، أو إلى محاولة فصل إبداعه عن المعنى الذي أعطى لهذا الإبداع قيمته ومكانته.
في اللقاء الذي نظمه البيت اللبناني الروسي في موسكو بالتعاون مع جمعية متخرجي جامعات ومعاهد الاتحاد السوفياتي وروسيا في لبنان بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل زياد الرحباني، تناول الموسيقي عبد الله المصري والكاتب الكويتي عبد الوهاب الحمادي جوانب من تجربة زياد، الأول من الناحية الموسيقية والتقنية، والثاني من ناحية الكلمة. ومن الطبيعي أن تكون هذه الزوايا موضع نقاش، ولا اعتراض على قراءة زياد موسيقيا وأدبيا. لكن ما غاب في المداخلتين، في رأيي، هو الجانب الأهم في تجربته: زياد لم يكن مجرد موسيقي وكاتب ومسرحي عبقري، بل كان حالة إبداعية متكاملة ارتبط فيها الفن بالموقف، والموسيقى بالكلمة، والعبقرية بالناس، والإبداع بقضايا العدالة والاشتراكية وفلسطين.
كان زياد فنانا تشكل وعيه في قلب الصراع الاجتماعي والسياسي. دخل الناس إلى فنه لا بوصفهم مادة للفرجة أو خلفية لأعماله، بل بوصفهم جوهر هذا الفن وموضوعه ومصدر انحيازه. ولذلك فإن الحديث عن زياد من دون الحديث عن موقفه السياسي والاجتماعي يشبه الحديث عن شجرة مع تجاهل جذورها.
كانت مداخلتي المختصرة في اللقاء محاولة لإعادة هذه المسألة إلى النقاش. قلت إن زياد كان فنان الشعب، وإن من أهم ما ميزه، إلى جانب عبقريته الفنية، ثباته على قناعاته، وعدم سماحه للمال الخليجي بأن يعيد تشكيل مواقفه أو أن يشتري صوته.
ولم يكن هذا الالتزام مجرد كلام يقال على المسرح. كان يظهر أيضا في علاقته بزملائه وبجمهوره. فقد كان يحرص على تقاسم عوائد الحفلات بصورة عادلة مع العازفين والممثلين الذين يعملون معه، كما كان يضع شروطا تتعلق بأسعار البطاقات حتى تبقى حفلاته متاحة للناس، ولا تتحول إلى مناسبة للنخبة القادرة وحدها على دفع أسعار مرتفعة.
وهنا تصبح عبارة «فنان الشعب» أكثر من مجرد وصف جميل. فالعدالة التي تحدث عنها زياد لم تكن شعارا سياسيا معلقا خارج حياته الفنية، بل كانت حاضرة، قدر الإمكان، في طريقة تعامله مع الذين يشاركونه صناعة الفن، وفي علاقته بالجمهور الذي اعتبره جزءا من معنى هذا الفن.
استفزت مداخلتي المتداخلين الاثنين، وبدلا من أن يتركز النقاش على ثبات زياد على مواقفه، انتقل الحديث إلى محاولة التشكيك في صورته، حتى ذهب المتداخل الكويتي إلى ذكر عمل زياد في الإمارات، وكأن العزف في فندق أو العمل في أي مكان لتأمين لقمة العيش يمكن أن يكون تهمة أو إدانة.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين مختلفين تماما: أن يعمل الفنان ليعيش، وأن يبيع الفنان موقفه.
زياد، مثل أي إنسان، كان يحتاج إلى العمل وإلى تأمين حياته في ظروف محاصرته بسبب خياراته السياسية. وليس مطلوبا من الفنان أن يعيش خارج شروط الحياة حتى يثبت التزامه. السؤال الحقيقي ليس: أين عمل زياد؟ بل: هل باع موقفه؟ هل غيّر قناعاته من أجل المال؟ هل جعل فنه وسيلة للتقرب من أصحاب النفوذ؟ هل استغل زملاءه لزيادة أرباحه؟ وهل تعامل مع جمهوره باعتباره مجرد سوق؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرح عندما نتحدث عن علاقة زياد بالمال، لا أن نفتش في حياته عن حفلة عزف فيها هنا أو هناك، ونحول العمل من أجل لقمة العيش إلى تهمة.
والمفارقة أن محاولة التشكيك في زياد من هذه الزاوية تكشف مشكلة أعمق: هناك من يريد أن يحتفظ بزياد الموسيقي العبقري، والكاتب الساخر، والمسرحي المبدع، لكنه يريد زيادا منزوع السياسة والاجتماع، منزوع الانحياز إلى الناس، منزوع التمرد على السلطة والطائفية والاستغلال.
البعض يريد زياد الفنان، لكن من دون زياد الذي انحاز إلى الناس والعدالة، ودافع عن فلسطين، ورفض أن تتحول عبقريته إلى سلعة، وتمسك بقناعاته حتى عندما كان ثمن هذا التمسك أن يبقى خارج دوائر المال والنفوذ.
إنصاف زياد لا يعني أن نحوله إلى قديس أو أن نمنع نقد تجربته. بل يعني أن نقرأه كما كان: موسيقيا وكاتبا ومسرحيا ومثقفا، لكن أيضا صاحب موقف سياسي واجتماعي واضح. أن نقرأ عبقريته إلى جانب تواضعه، وسخريته إلى جانب غضبه، وفنه إلى جانب انحيازه.
لقد كان يستطيع أن يجعل من عبقريته سلما إلى عالم من الشهرة والمال، لكنه بقي قريبا من الناس. وكان يستطيع أن يخفف من حدة مواقفه كي يرضي السلطة واقطابها، لكنه اختار أن يدفع ثمن أن يكون زياد.
لهذا فإن الدفاع عن زياد اليوم ليس دفاعا عن شخص يحتاج إلى من يدافع عنه. لقد ترك من الفن ما يكفي لكي يتحدث عنه. الدفاع الحقيقي هو عن المعنى الذي مثله زياد: أن يكون الفنان حرا في فنه، صادقا في موقفه، عادلا مع من يعملون معه، قريبا من جمهوره، وألا تتحول موهبته إلى سلعة في سوق المال.
فالذكرى لا تكون بتجميل صورة الفنان، ولا بتشويهها. الذكرى الحقيقية هي أن نحفظه كما كان، بكل تناقضاته وموسيقاه ومسرحه وسخريته وتمرده وتواضعه والتزامه.
زياد الرحباني العبقري، لم يكن فنانا للشعب لأنه تحدث عن الشعب فقط، بل لأنه عاش فنه من موقع الانحياز إلى الناس، وحاول أن يجعل هذا الانحياز ممارسة في علاقته بزملائه وجمهوره، وبقي وفيا لقناعاته حتى النهاية.
لذلك، حين تتحول ذكرى زياد إلى مناسبة للانتقاص منه أو فصل عبقريته عن التزامه، يصبح من حقنا أن نقول:
لا تسيئوا إلى زياد.
اتركوا فنان الشعب في مكانه.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire