تعليقاُ على ملاحظات د. عادل سمارة على مقالتي عن عزمي بشارة ودور الليبرالية العربية في تشكيل الوعي

 



د. طنوس شلهوب

جاء رد د. عادل سمارة على مقالتي ليطرح جملة من
 الملاحظات التي تتجاوز نقد عزمي بشارة إلى توسيع النقاش حول طبيعة المشروع التحرري العربي ومفاهيمه. فقد توقف عند استخدام بعض المصطلحات، مثل "إسرائيل" و"العالم العربي" و"الدولة الوطنية"، داعيًا إلى التشدد في اعتماد خطاب عروبي يضع فلسطين في مركز القضية العربية، وميّز بين أنماط الأنظمة العربية وتباين أدوارها في الصراع مع الإمبريالية. كما أضاف إلى نقد دور المال الخليجي في المجال الثقافي والإعلامي والسياسي، الإشارة إلى دوره في التدخلات العسكرية وتمويل الحركات الدينية السياسية، وتوقف عند مسيرة عزمي بشارة وخروجه من فلسطين، وعلاقته بقطر، ومواقفه من الديمقراطية فيها. وفي الجانب الفكري، التقى مع المقال في نقد تقديم التناقضات الداخلية، ولا سيما الاستبداد، على التناقض مع الإمبريالية والصهيونية، لكنه رأى أن المقال لم يمنح بما يكفي من الاهتمام لمركزية فلسطين، وللعلاقة الجدلية بين التحرر العربي والوحدة العربية، وللدور الذي لعبته قطاعات من النخب القومية واليسارية في توفير المناخ الذي سمح بتقدم هذا المسار. وهي ملاحظات تفتح بالفعل أبوابا مهمة للنقاش، وإن كان بعضها، في تقديري، ينقل النقاش من السؤال المركزي للمقال إلى مسائل اصطلاحية أو تفصيلية تحتاج إلى تمييزها عن جوهر الأطروحة.
أشكر الصديق د. عادل سمارة على قراءته المتأنية للمقال، وعلى الملاحظات التي أوردها، والتي تعكس حرصاً مشتركاً على خوض نقاش فكري جدي في مرحلة عربية بالغة الحساسية. وقد وجدت في عدد من ملاحظاته إضافات مهمة، ولا سيما ما يتعلق بمركزية القضية الفلسطينية، والتمييز بين الإمبريالية والصهيونية، والدور الذي لعبته قطاعات من النخب العربية في توفير المناخ الثقافي الذي سهّل مشاريع التفكيك والتطبيع والهيمنة.
ومع ذلك، أعتقد أن الرد، في جانب كبير منه، انتقل من مناقشة الأطروحة المركزية للمقال إلى مناقشة قضايا اصطلاحية أو تفصيلية، بحيث بدا أحيانا وكأن مركز النقاش انتقل من تحليل البنية التاريخية إلى تحليل المفردات المستخدمة في النص.
فالمقال لم يكن بحثا في المصطلحات، ولا دراسة في السيرة السياسية لعزمي بشارة، بل محاولة للإجابة عن سؤال محدد: ما الوظيفة التاريخية التي تؤديها الليبرالية العربية الجديدة في مرحلة الهيمنة الإمبريالية والنيوليبرالية؟ وهل أسهمت، في إعادة تشكيل الوعي السياسي العربي عبر إعادة ترتيب سلم التناقضات؟
ومن هذا المنطلق، لا أرى أن النقاش حول استخدام تعبير "إسرائيل" بدل "الكيان الصهيوني"، أو "العالم العربي" بدل "الوطن العربي"، لا يمس جوهر المقال. إن تغيير هذه المفردات لا يغير شيئا في البنية النظرية التي يقوم عليها التحليل. ولو استُبدلت هذه المصطلحات جميعها، لما تبدلت الفكرة الأساسية التي قامت عليها المقالة.
والأمر نفسه ينطبق على الملاحظة المتعلقة بكيفية خروج عزمي بشارة من فلسطين. فسواء خرج طوعاً أو تحت ضغط الملاحقة، فإن ذلك لا يغير السؤال الذي تناولته المقالة، وهو الدور الفكري والسياسي الذي اضطلع به بعد انتقاله إلى قطر، ولا الوظيفة التي أصبح يؤديها داخل شبكة واسعة من المؤسسات البحثية والإعلامية والثقافية. فالمقال لم يكن تحقيقا تاريخيا في سيرته، بل تحليلًا لموقعه في مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجال الفكري العربي.
أما في ما يتعلق باستخدامي لمصطلح "الدولة الوطنية"، فأعتقد أن هنا حصل التباس في فهم المقصود. فلم أستخدم هذا المفهوم مرادفا لـ"الدولة القطرية"، ولا دفاعا عن الكيانات التي نشأت في ظل اتفاقية سايكس ـ بيكو، ولا بوصفها الصيغة النهائية المنشودة للأمة العربية. المقصود كان الدولة التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى بناء استقلال سياسي واقتصادي نسبي عن منظومة الهيمنة الإمبريالية، عبر مشاريع التنمية الوطنية، والقطاع العام، والسيادة على القرار الوطني، ودعم حركات التحرر. ومن هذا المنظور جاء الحديث عن العراق وسوريا وليبيا وغيرها من التجارب التي تعرضت للتفكيك والتدمير لأنها مثلت، بحدودها التاريخية، محاولات للخروج من علاقات التبعية، لا لأنها كانت مجرد دول قائمة. لذلك فإن الاعتراض هنا، في تقديري، انطلق من معنى لم يكن هو المقصود في المقال.
غير أن ما كنت أتمنى أن يحتل موقع الصدارة في الحوار هو الفرضية المركزية التي قامت عليها الدراسة. فالمقال لم يكن نقدا لعزمي بشارة بوصفه فردا، بل قراءة في وظيفة الليبرالية العربية الجديدة التي يمثل أحد أبرز منظريها. وقد انطلقت المقالة من فرضية محددة، مفادها أن هذا التيار أعاد ترتيب سلم التناقضات، فجعل الاستبداد التناقض الرئيسي الذي يفسر أزمات المنطقة، بينما أُزيح التناقض مع الإمبريالية والصهيونية من موقعه المركزي، ليصبح عاملا ثانويا أو نتيجة لأزمات الداخل، لا بنية تاريخية تعيد إنتاج هذه الأزمات.
هذه، في تقديري، هي المسألة التي تستحق النقاش، لأنها تتجاوز الأشخاص إلى تحليل مشروع فكري كامل. فإذا كان هذا الاستنتاج صحيحا، فنحن أمام تحول عميق في الوعي السياسي العربي، لا يتعلق بموقف هذا المثقف أو ذاك، بل بإعادة تعريف العدو، وأولويات النضال، ومعنى التحرر، وحدود الممكن السياسي.
لقد سرني أن د. سمارة أبدى اتفاقا مع هذا الاستنتاج في أكثر من موضع، لكنني كنت أتمنى أن يتوسع في مناقشته، لأنه يمثل قلب المقالة ومنطلقها النظري. أما معظم الملاحظات الأخرى، على أهميتها، فإنها تبقى في إطار الاختلاف على المصطلحات أو في بعض التفاصيل التاريخية، ولا تمس الفرضية التي حاولت المقالة اختبارها.
ويبقى السؤال الذي أراه جوهر النقاش: هل أسهمت الليبرالية العربية الجديدة، في ظل تراجع حركة التحرر الوطني، وأزمة اليسار، وصعود النيوليبرالية، وهيمنة المال الخليجي على جزء واسع من المجال الثقافي والإعلامي، في إعادة تشكيل الوعي السياسي العربي عبر استبدال التناقض الرئيسي بسلسلة من التناقضات الثانوية؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد كيفية قراءتنا للتحولات الفكرية والسياسية التي شهدها الوطن العربي خلال العقود الأخيرة، وهي التي كانت، منذ البداية، موضوع المقال ومقصده الأساسي. 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire