جورج حاوي وصراع الذاكرة

 

 ملاحظة: في هذا النص لا اناقش تجربة الرفيق جورج (وما رافقها من إشكالية بعد تركه طوعاً لموقع الامانة العامة للحزب). 
د. طنوس شلهوب

بعد أكثر من عقدين على اغتيال الرفيق الشهيد جورج حاوي، لا يزال حضوره في الحياة السياسية والفكرية اللبنانية يثير ظاهرة لافتة تتمثل في تعدد الصور التي يُستعاد من خلالها. الرفاق السابقون منقسمون: البعض يراه قائداً للمقاومة الوطنية اللبنانية، وآخرون يقدمونه بوصفه رجل الدولة المدنية والديمقراطية، فيما يركز آخرون على دوره في إصلاح اليسار أو نقد البنى الحزبية التقليدية، بينما يراه كثيرون رمزاً للحزب الشيوعي اللبناني وتاريخه النضالي. ويُقدم هذا التعدد دليلاً على غنى شخصية الرجل وتشعب تجربته، إلا أن التفسير الأعمق لا يكمن في جورج حاوي نفسه بقدر ما يكمن في التحولات التاريخية التي أصابت الحركة السياسية التي أنتجت تجربته وحملت إرثه.
لا تتشكل الذاكرة السياسية بصورة محايدة، ولا يجري استدعاء الشخصيات التاريخية بمعزل عن الصراعات الجارية في المجتمع. فكل مرحلة تاريخية تعيد إنتاج الماضي وفق حاجاتها الراهنة وأسئلتها الخاصة. ولذلك فإن تعدد القراءات حول جورج حاوي لا يعبر فقط عن تعدد جوانب شخصيته، بل يعكس قبل كل شيء أزمة الحاضر وتناقضاته. بعد "انفخات" الدف وتفرق العشاق، فإن كل تيار متشكل يبحث عما يساعده على تفسير موقعه الراهن أو إضفاء الشرعية على مشروعه، فيستعيد جانباً من إرث حاوي ويهمش جوانب أخرى.
لكن فهم هذه الظاهرة يبقى ناقصاً إذا لم يُربط بالتحول التاريخي الكبير الذي أصاب الحركة الشيوعية العالمية منذ تفكيك الاتحاد السوفياتي وتراجع المشروع الاشتراكي. فمع هذا الانهيار لم تتراجع قوة الأحزاب الشيوعية فحسب، بل تعرضت أيضاً المنظومة الفكرية والسياسية التي كانت تمنح تلك الأحزاب وحدتها ومعناها إلى اهتزاز عميق. وفي لبنان، انعكس ذلك على الحزب الشيوعي اللبناني الذي دخل، شأنه شأن كثير من الأحزاب الشيوعية في العالم، مرحلة من الأزمات التنظيمية والفكرية والسياسية، ترافقت مع تراجع الحركة العمالية، وتفكك البنى النقابية، وصعود النيوليبرالية والطائفية السياسية، وانكفاء المشروع الوطني الديمقراطي الذي شكل الإطار التاريخي لنشأة الحركة الوطنية اللبنانية.
في ظل هذه التحولات، لم يعد ممكناً النظر إلى تجربة جورج حاوي من خلال المنظار الذي تشكلت فيه تاريخياً. فالمشروع الذي كان يجمع بين النضال الطبقي والتحرر الوطني ومقاومة الاحتلال والنضال الديمقراطي تعرض هو نفسه للتفكك. ومع تفكك هذا المشروع، بدأت عناصره تنفصل عن بعضها البعض وتعيش حياة مستقلة. وهكذا أصبح من الممكن أن يُستعاد جورج حاوي كمقاوم من دون الحديث عن الاشتراكية، أو كمصلح ديمقراطي من دون الحديث عن الصراع الطبقي، أو كداعية دولة مدنية من دون الحديث عن التبعية الاقتصادية والإمبريالية، أو كرمز حزبي مجرد من الأسئلة الاجتماعية التي ناضل من أجلها.
إن تعدد «الجورجات» ليس إذاً تعبيراً عن تعدد في شخصية الرجل بقدر ما هو تعبير عن تشظي الحزب الذي انتمى إليه (وهذا مثلاً لا ينطبق على الشهيد فرج الله الحلو). فحين كانت الحركة الوطنية واليسار في حالة صعود، لم يكن هناك تناقض بين أن يكون المرء شيوعياً ومقاوماً وديمقراطياً في الوقت نفسه. كانت هذه العناصر تشكل أجزاء من مشروع تاريخي واحد. أما بعد تراجع هذا المشروع، فقد أصبحت كل قضية تُطرح بمعزل عن الأخرى، وبدأ المفترقون من رفاق الامس ينتقي كل واحد منهم من الإرث ما يناسب حاجاته الراهنة.
ولعل أحد أبرز مظاهر هذا التحول يتمثل في انتقال عدد من كوادر الحزب السابقين ومثقفيه إلى مواقع ليبرالية أو شبه ليبرالية خلال العقود الأخيرة. فمع تراجع الأفق الاشتراكي وانحسار دور الطبقات الشعبية المنظمة، أخذت مفاهيم مثل الدولة المدنية والإصلاح والمؤسسات والحوكمة تحتل مكانة مركزية في الخطاب السياسي، بينما تراجع الحديث عن الصراع الطبقي والملكية والعدالة الاجتماعية والتبعية الاقتصادية. وفي هذا السياق جرت محاولات متزايدة لإعادة قراءة شخصيات الحركة الشيوعية التاريخية باعتبارها رواداً للديمقراطية الليبرالية أو للإصلاح السياسي أكثر منها تعبيراً عن مشروع اشتراكي تحرري.
ومن هنا يمكن فهم الميل المتنامي لدى بعض القراءات إلى تقديم جورج حاوي بوصفه أقرب إلى الليبرالية الديمقراطية منه إلى الشيوعية الثورية. فليس الأمر مجرد اكتشاف لجانب مهمل من شخصيته، بل هو انعكاس لتحولات فكرية وسياسية أصابت قطاعات من الشيوعيين انفسهم. إن هذه القراءات تعكس في كثير من الأحيان أزمة المشروع الاشتراكي أكثر مما تعكس حقيقة تجربة حاوي التاريخية. فحين يضعف المشروع الثوري، يصبح من السهل إعادة تأويل قادته السابقين بلغة المرحلة الجديدة، وانتزاعهم من السياق الذي منح نضالهم معناه الأصلي.
ولهذا فإن الصراع حول إرث جورج حاوي ليس في جوهره صراعاً حول رجل رحل قبل سنوات طويلة، بل هو صراع حول معنى السياسة نفسها في لبنان المعاصر. إنه صراع بين قراءات تسعى إلى الحفاظ على الترابط التاريخي بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وبين قراءات أخرى تفصل بينهما أو تستبدل أحدهما بالآخر. كما أنه صراع بين من يرون في تجربته جزءاً من مشروع تغييري جذري ارتبط بقضايا الطبقات الشعبية ومواجهة التبعية والاحتلال، وبين من يحاولون إعادة دمج هذه التجربة في أطر سياسية وفكرية نشأت في زمن تراجع اليسار وصعود النيوليبرالية.
من هنا، فإن تعدد القراءات حول جورج حاوي لا يكشف فقط تعدد أوجه الرجل، بل يكشف أيضاً أزمة القوى التي ورثت تجربته. فكلما تراجع المشروع الذي جمع بين المقاومة والتحرر الاجتماعي والديمقراطية، ازدادت الحاجة إلى إنتاج «جورجات» متعددين. وكلما ضعفت المرجعية الاشتراكية التي شكلت الإطار الجامع لتلك التجربة، أصبح إرثه أكثر عرضة للتفكيك وإعادة التركيب وفق حاجات الحاضر. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يوجد أكثر من جورج حاوي في ذاكرة رفاقه السابقين، بل لماذا لم يعد هناك مشروع تاريخي قادر على استيعاب جميع الأبعاد التي جسدتها تجربته في لحظة واحدة.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire