جبران في “سوريا الصغيرة”… حين يُساء فهم التاريخ

 

د. طنوس شلهوب

استنفرت بعض الأصوات في لبنان بعد افتتاح حديقة في نيويورك لتكريم جبران خليل جبران ضمن سياق “الأدباء السوريين”، وذهب البعض سريعًا إلى اعتبار الأمر محاولة لمصادرة جبران أو طمس هويته اللبنانية، من دون التوقف عند الخلفية التاريخية والثقافية التي قامت عليها فكرة الحديقة أصلًا، ولا عند طبيعة المصطلحات التي كانت سائدة في زمن الهجرة الشامية إلى الولايات المتحدة. بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى حد مطالبة رئيس الجمهورية والكنيسة والجاليات اللبنانية في الاغتراب بالتدخل “لتصحيح” ما اعتبرته إساءة للهوية اللبنانية.
المناسبة الأساسية لافتتاح النصب الفني داخل الحديقة هي تكريم وإحياء ذكرى التراث الأدبي والتاريخي لحي "سوريا الصغيرة" (Little Syria).  من قبل إدارة المتنزهات في نيويورك New York City Department of Parks & Recreation
وجاء هذا الحدث لعدة أسباب وأهداف رئيسية:
1- تكريم أول جالية ناطقة بالعربية:  يهدف العمل إلى الاعتراف الرسمي والعلني بـ أول مجتمع للمهاجرين الناطقين باللغة العربية في تاريخ الولايات المتحدة. والذين عاشوا وازدهروا في هذا الحي في الفترة الممتدة من ثمانينيات القرن التاسع عشر وحتى أربعينيات القرن العشرين.
2- إحياء ذكرى حي ممسوح من الخارطة : تعرض هذا الحي التاريخي للهدم شبه الكامل في أربعينيات القرن الماضي من أجل إنشاء نفق "بروكلين - باتيري" (Brooklyn-Battery Tunnel) ومشاريع أخرى. لذا جاء هذا المعلم الفني ليعيد الحي إلى الذاكرة الثقافية لمدينة نيويورك في نفس موقعه الجغرافي القديم.
3- الاحتفاء بالإرث الأدبي العالمي : يسلط النصب الضوء على الإسهامات الكبرى لشعراء وأدباء المهجر (مثل الرابطة القلمية). والذين انطلقت كتاباتهم وصحفهم المؤثرة من هذا الحي لتعيد تشكيل الأدب العربي الحديث وتنقله إلى الساحة العالمية.
4- تحقيق وعد طال انتظاره : يعتبر هذا الافتتاح بمثابة تتويج لجهود مشتركة استمرت لأكثر من تسع سنوات بين إدارة المتنزهات في نيويورك والجمعية التاريخية لشارع واشنطن (Washington Street Historical Society) والمنظمات المجتمعية التي كافحت طويلاً لإنشاء نصب تذكاري دائم يخلد جذورهم. 
والرابطة القلمية هي أشهر جمعية أدبية عربية تأسست في المغترب (أدب المهجر)، ولعبت الدور الأبرز في تحديث وتطوير الشعر والأدب العربي الحديث في بدايات القرن العشرين، التي تأسست رسمياً في 20 أبريل 1920 في مدينة نيويورك و اختير جبران خليل جبران رئيساً وعميداً للرابطة، بينما تولى ميخائيل نعيمة منصب مستشارها وأمين سرها (الذي وضع قانونها الداخلي)، وكان وليم كاتسفليس خازناً لها. وتشكلت الرابطة في الأساس من 10 أعضاء جمعت أدباء مهاجرين من لبنان وسوريا (مثل عبد المسيح حداد، رشيد أيوب، وندرة حداد). وتفككت الرابطة رسمياً عام 1932 عقب وفاة عميدها جبران خليل جبران وانصراف أعضائها. 
المبادئ الفكرية والأدبية (المدرسة الرومانسية):
• التجديد والتحرر: ثار أعضاؤها على القوالب والقيود التقليدية للقصيدة العربية القديمة.
• بساطة اللغة: اعتمدوا لغة سهلة، واضحة ومفهومة قريبة من وجدان القارئ.
• النزعة الإنسانية والتأمل: ركزت كتاباتهم على النزعة الإنسانية العالمية، والتأمل في الطبيعة وجوهر النفس البشرية.
• أدب الغربة: عبرت نتاجاتهم عن صراع الهوية، الشوق للوطن، ومحاولة الاندماج في المجتمع الأمريكي دون ذوبان. 
ابرز المنصات الإعلامية للرابطة:
• جريدة "السائح": التي أسسها عبد المسيح حداد، وكانت بمثابة لسان حال الرابطة ونواة نشر إنتاجهم الأدبي.
• مجلة "الفنون": أسسها نسيب عريضة وساهمت بشكل كبير في احتضان نصوص أعضاء الرابطة قبل إغلاقها. 
الأدباء التسعة المكرّمون في النصب التذكاري "Al Qalam: Poets in the Park" ينقسمون إلى ستة أعضاء من "الرابطة القلمية" (حركة أدب المهجر)، وثلاثة من أبرز رواد المجتمع الأدبي في حي "سوريا الصغيرة": 
أعضاء الرابطة القلمية (Al-Rabitah Al-Qalamiyyah):
1. جبران خليل جبران: الشاعر والكاتب والفنان اللبناني الأمريكي الشهير، ومؤلف كتاب "النبي".
2. إيليا أبو ماضي: أحد أهم شعراء المهجر ومن أبرز الصحفيين والشعراء اللبنانيين.
3. ميخائيل نعيمة: المفكر والأديب والناقد الكبير.
4. أمين الريحاني: كاتب ومؤرخ ورائد أدب المهجر.
5. نسيب عريضة: الشاعر والصحفي السوري، وأحد المؤسسين البارزين للرابطة.
6. ندرة حداد: الشاعر والكاتب الذي ساهم بفعالية في النهضة الأدبية للمهجر. 
رواد المجتمع الأدبي في الحي (خارج الرابطة):
7. عفيفة كرم: كاتبة وروائية وصحفية لبنانية، تعد من رائدات الصحافة النسائية العربية في أمريكا.
8. عباس أبو شقرا: كاتب وصحفي وناشط بارز في الصحافة العربية بنيويورك.
9. أغابيا ملوف: كاتبة وشاعرة ساهمت في إثراء الحراك الثقافي للمجتمع العربي الأول. 
غير أن قراءة المسألة تاريخيًا تبدو أكثر تعقيدًا من ثنائية “لبناني أم سوري”. فجبران وُلد عام 1883، أي قبل قيام دولة لبنان الكبير وقبل تشكّل الحدود الحديثة لبلاد الشام. وفي تلك المرحلة، كان اسم “سوريا” يُستخدم في المهجر الأميركي واللاتيني كمصطلح جغرافي واسع يشمل لبنان وسوريا وفلسطين الحالية، ولذلك كان المهاجرون القادمون من هذه المنطقة يُسجَّلون غالبًا تحت اسم “Syrians”.
وليس تفصيلًا عابرًا أن معظم أدباء المهجر أنفسهم عملوا ضمن أطر حملت اسم “سوريا” أو “السوريين”. فقد نشط جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني ونسيب عريضة وعبد المسيح حداد وإيليا أبو ماضي وغيرهم ضمن جمعيات وروابط مثل “الرابطة القلمية” و”الجمعية السورية” و”الحزب السوري الحر”، كما صدرت في المهجر صحف حملت أسماء مثل “مرآة الغرب” و”السائح” و”الهدى” و”الفنون”، وكانت تخاطب أبناء “الجالية السورية” في الأميركيتين، رغم أن معظم هؤلاء الكتّاب كانوا قادمين فعليًا من جبل لبنان أو من مدن فلسطينية وسورية مختلفة. بل إن كثيرًا من الوثائق الأميركية الرسمية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تصنف المهاجرين القادمين من بلاد الشام تحت خانة “Syrian”، لأن الولايات المتحدة كانت تتعامل مع المنطقة كوحدة جغرافية عثمانية-مشرقية واحدة، لا وفق الحدود الوطنية التي ظهرت لاحقًا.
ومن هنا، فإن الإشارة إلى جبران ضمن “الأدباء السوريين” في سياق تاريخي مرتبط بالهجرة الشامية إلى نيويورك لا تبدو بالضرورة إنكارًا للبنانه، بقدر ما تعكس اللغة والتوصيفات التي كانت سائدة في تلك الحقبة، خصوصًا أن الحديقة نفسها تستحضر الطابع التاريخي والثقافي لتجربة المهاجرين الشوام في المدينة.
لكن في المقابل، هذا لا يلغي أن جبران عبّر لاحقًا بوضوح عن انتمائه اللبناني، وكتب عن لبنان وجباله وروحه الخاصة، حتى استقر في الوعي العربي والعالمي باعتباره أديبًا لبنانيًا. فجبران ابن لبنان بلا شك، لكنه أيضًا ابن فضاء مشرقي أوسع، ونتاج مرحلة كانت الهويات فيها أكثر اتساعاً وأقل تفتيتاً مما أصبحت عليه لاحقًا.
لذلك، ربما كان الأجدى قبل إطلاق حملات الغضب والاستنفار، وقبل مطالبة الرؤساء والكنيسة والمغتربين بالتدخل، التوقف قليلًا أمام الوقائع التاريخية والسياق الذي أُقيمت فيه الحديقة أصلًا. فالمشروع لا يهدف إلى “سرقة” جبران من لبنان، بل إلى إحياء ذاكرة حي تاريخي كامل شكّل البوابة الأولى للهجرة العربية إلى الولايات المتحدة، وإلى تكريم جيل من الأدباء والمهاجرين الذين صنعوا نهضة أدبية وثقافية انطلقت من شارع “سوريا الصغيرة” في نيويورك نحو العالم.
إن التعامل مع تاريخ تلك المرحلة بعقلية الحدود والهويات السياسية الحالية يؤدي بالضرورة إلى سوء فهم كبير. فهؤلاء الأدباء عاشوا في زمن كانت فيه الهويات الشامية متداخلة، وكانت كلمة “سوريا” في المهجر توصيفًا جغرافيًا وثقافيًا واسعًا لا يلغي الخصوصيات اللبنانية أو الفلسطينية أو السورية المحلية. وجبران نفسه لم يكن يومًا بحاجة إلى من “يثبت” لبنانيته، لأن قيمته الأدبية والرمزية تجاوزت أصلًا حدود الدول والخرائط.
أما تحويل مناسبة ثقافية وتاريخية من هذا النوع إلى معركة هويات وانفعالات سياسية، فهو لا يخدم لا جبران ولا لبنان، بل يكشف أحيانًا مقدار الجهل بتاريخ الهجرة الشامية نفسها، وباللغة التي كان يعرف بها أبناء تلك المرحلة أنفسهم في العالم الجديد.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire