محمد ناصر الدين
كيف رسم حسن العبدالله (مواليد الخيام 1943 ـ 2022) الجنوب نصّاً وصورة وشعراً في كتابته الأقرب إلى الماء السائل في السواقي عند برك الجنوب ومنحدرات جباله، وصفصافه المغطى بالدمع والدم، وجبل عامل بالموت الشديد في عينيه؟ هناك حيث يوجد الوطن، «لم يسمح المقاومون للغزاة أن». بهذه القفلة الغريبة للقصيدة حيث القرار وحده للمقاومين بعزمهم وإرادتهم على كسر المخرز بالعين، وإعادة اللون الأخضر وأعياد الخصب إلى الطبيعة والقرى التي يصورها ابن قرية الخيام منزوعة الألوان ومجردة من عصافيرها ودوابها ومروجها وهوائها حين يربض الاحتلال على صدرها، ويبدأ عرسها المؤجل في لحظة التحرير حيث يغادر الربيع حقلاً من القمح وينقض الصيف في جندب صاخب. نستعيد جنوبيات حسن العبدالله مع كربلاء الخيام وبنت جبيل وكفركلا وعيتا الشعب اليوم في قصائد تبدو طازجة لا سيما «أجمل الأمهات»، كأنها الشجن القديم لنساء الجنوب يرقصن بصوَر أبنائهن فوق القبور. كذلك نستعيد مقطعاً كتبه حسن العبدالله سنة 1983 في مجلة «الآداب» كأنه نداء إلى كل مثقف، أن لا يقف مكتوف الأيدي في المذبحة، أن لا يتبلّد ضميره في الشيخوخة، بل أن يدلّ بإصبعه على النصر، نصر الحق ولو كان مؤجّلاً ومعمّداً بالدم.
1 - نظرات وخطرات في الربيع
أتى الربيع..
أتى الربيع..
الهواء أخضر
الحجارة خضراء
الثور أخضر
إلّا قلبي...
لن أرحل عن هذا المكان المنكود
لست فراشة
ولا زهرة تفاح بيضاء
كي أذهب وأجيء
مع الفصول التي تذهب وتجيء أيها الأصدقاء
أتى الربيع،
لم يأت كما جرت العادة في عربة تجرها عشر سنونوات
بل جاء في سيارة «فولفو» صفراء اللون وغير مجمركة.
فتح الربيع حقائبه، فاندلق الماء العذب الصافي.. برزت أغصان اللوز الأخضر..
ضحكت الشمس.. زقزقت العصافير..
وتطايرت الفراشات تلو الفراشات..
لم ينتبه أحد لذلك.
والجميع سألوا: بكم هذه السيارة
الصفراء؟!
■
2 - شوك
نحن لا نبحث عن الورود في هذه الحقول الجميلة
نحن نبحث عن الشوك
الشوك الجاف القاسي
الشوك الذي يدمي لا لنضعه في المزهريات
بل لنخز به
المؤخرات والضمائر البليدة.
■
3 - في السوق
بليرة واحدة.. اشتريت لحبيبتي
قرنفلة بيضاء
بليرة ونصف.. اشتريت لها قنينة ماء عذب
بخمس عشرة ليرة.. اشتريت لها أوقية لوز أخضر
مئة ليرة.. اشتريت لها قفصًا فيه
عصفور يغرد
اشتريت لها أيضاً صورة لمنظر طبيعي
يتحدث عن الحقول، والحَراذين،
والضفادع الخضراء.
المجموع: 317 ليرة ونصف
هذا كل ما أملك
وبقيت حبيبتي عاصية
بقيت كئيبة ومتجهمة كالوحل
■
كيف رسم حسن العبدالله (مواليد الخيام 1943 ـ 2022) الجنوب نصّاً وصورة وشعراً في كتابته الأقرب إلى الماء السائل في السواقي عند برك الجنوب ومنحدرات جباله، وصفصافه المغطى بالدمع والدم، وجبل عامل بالموت الشديد في عينيه؟ هناك حيث يوجد الوطن، «لم يسمح المقاومون للغزاة أن». بهذه القفلة الغريبة للقصيدة حيث القرار وحده للمقاومين بعزمهم وإرادتهم على كسر المخرز بالعين، وإعادة اللون الأخضر وأعياد الخصب إلى الطبيعة والقرى التي يصورها ابن قرية الخيام منزوعة الألوان ومجردة من عصافيرها ودوابها ومروجها وهوائها حين يربض الاحتلال على صدرها، ويبدأ عرسها المؤجل في لحظة التحرير حيث يغادر الربيع حقلاً من القمح وينقض الصيف في جندب صاخب. نستعيد جنوبيات حسن العبدالله مع كربلاء الخيام وبنت جبيل وكفركلا وعيتا الشعب اليوم في قصائد تبدو طازجة لا سيما «أجمل الأمهات»، كأنها الشجن القديم لنساء الجنوب يرقصن بصوَر أبنائهن فوق القبور. كذلك نستعيد مقطعاً كتبه حسن العبدالله سنة 1983 في مجلة «الآداب» كأنه نداء إلى كل مثقف، أن لا يقف مكتوف الأيدي في المذبحة، أن لا يتبلّد ضميره في الشيخوخة، بل أن يدلّ بإصبعه على النصر، نصر الحق ولو كان مؤجّلاً ومعمّداً بالدم.
1 - نظرات وخطرات في الربيع
أتى الربيع..
أتى الربيع..
الهواء أخضر
الحجارة خضراء
الثور أخضر
إلّا قلبي...
لن أرحل عن هذا المكان المنكود
لست فراشة
ولا زهرة تفاح بيضاء
كي أذهب وأجيء
مع الفصول التي تذهب وتجيء أيها الأصدقاء
أتى الربيع،
لم يأت كما جرت العادة في عربة تجرها عشر سنونوات
بل جاء في سيارة «فولفو» صفراء اللون وغير مجمركة.
فتح الربيع حقائبه، فاندلق الماء العذب الصافي.. برزت أغصان اللوز الأخضر..
ضحكت الشمس.. زقزقت العصافير..
وتطايرت الفراشات تلو الفراشات..
لم ينتبه أحد لذلك.
والجميع سألوا: بكم هذه السيارة
الصفراء؟!
■
2 - شوك
نحن لا نبحث عن الورود في هذه الحقول الجميلة
نحن نبحث عن الشوك
الشوك الجاف القاسي
الشوك الذي يدمي لا لنضعه في المزهريات
بل لنخز به
المؤخرات والضمائر البليدة.
■
3 - في السوق
بليرة واحدة.. اشتريت لحبيبتي
قرنفلة بيضاء
بليرة ونصف.. اشتريت لها قنينة ماء عذب
بخمس عشرة ليرة.. اشتريت لها أوقية لوز أخضر
مئة ليرة.. اشتريت لها قفصًا فيه
عصفور يغرد
اشتريت لها أيضاً صورة لمنظر طبيعي
يتحدث عن الحقول، والحَراذين،
والضفادع الخضراء.
المجموع: 317 ليرة ونصف
هذا كل ما أملك
وبقيت حبيبتي عاصية
بقيت كئيبة ومتجهمة كالوحل
■
4 - حصاد
زرعت ياسمينة
وحصدت جدار
زرعت شجرة تفاح
وحصدت ثعباناً أسود
ما هذا؟ يا قمر الليل
ما هذا؟ يا شمس النهار
■
5 - نزهة
إنه الربيع..
غادرت المدينة في الثلاثين من عمري
وعدت إلى بلدتي.. وصلت إليها في السادسة والثلاثين.
لا توجد شمس.. لا توجد سواقي.. لا عصافير تغرد.. ولا بقرة تجتر..
لا صعقتني الدهشة!! الأرض مستوية
وملساء كالخشب المصقول
هل أنا في حلم؟!
مشيت.. مشيت.. مشيت.. لا فائدة..
خشب.. خشب.. خشب..
أخيرا،ً عدت إلى المدينة وسألت كيف تفسرون ما حدث لي؟!
أجاب أحدهم:
- هذا بسيط.. هل بلدتك محتلة؟!
* نصوص منشورة في جريدة «النداء» ــ آذار/ مارس 1981.
■
6 - تلك الحرب
في تلك الحرب التي ستُسمَّى
(إن لم تكُن قد سُمِّيتْ بعد)
«حرب الليطاني»
لم أكتف هذه المرّة بمُشاهَدة النَّهر
بل انحَنَيْت، ولمسْت ماءه
تَجْرِبَة فَذَّة
فللمرَّة الأولى، أتحسَّسُ الحرِّية في صُورة سائل!
■
على الشَّوْكَةِ
التي كانتْ زهرةً ليلكيّة منذ شهرين
يقفُ عصفورٌ من عصافيرِ النَّهر القديمة
ويُغرِّد
ويُواصل التَّغريد
كأنه يعلمُ هو الآخر
أنه لن يعود من جديد
إلى قفص الاحتلال
■
في عيد التحرير
الحَشَرة الذَّهبية الطائرة
عندما انقضَّ عليها العصفورُ الطائر في تلك الظهيرة الباهرة
من يوم 2000/5/25
بَدَتْ سعيدة... بأن تُلْتَهَم!
■
جِيْم جِيْم
الجَنوب أو جَبل عامِل
الجنَّة أو الجحيم
الجنَّة، عندما يكون لي
والجحيم، عندما يكون لعدُوِّي
■
غَرْب العالم مُتوحِّش
والشَّرق كذلك
ومع ذلك، فلا يزال هناك مَنْ يقول
بأنك لا تحتاج إلى السلاح في قَبْو بيتك
من أجل الدفاع عن البيت
وأنَّ النشيد الوطني كاف!
■
الحرب هي في نهاية المطاف
خلاف بين طَرَفين
حول أفْضَلِيَّة المُرور
■
هناك بيتٌ لا يزال مُقفلاً
بينما دبَّتْ الحياة في جميع البيوت من حوله
تعاظمتْ شجرةُ الحَوْر عند مدخل البيت
واسْتَنْقَعَتِ الأرضُ حول البِرْكة
ومن الفَجَواتِ التي أحدثَتْها القذائفُ في الجدران
أطلَّتْ النباتات المُتوحشة
هرَّة سوداء وبيضاء
تأتي من البرّية المجاورة
وتدورُ حول البيت، وتتشمَّم مَداخِله
ثمّ تعودُ بخُطىً بطيئة، لا تلبثُ أن تتسارع
عندما يظهرُ صاحبُ البيت،
وهو يهبطُ السلّم
عائداً عن السَّطح
مثلما كان يفعل... قبل مَوْته!
■
في اليوم التَّالي للمعركة
النّسرُ يُحلَق
فارِداً جناحَيْه في الأعالي
فإذا انقَضّ
فليس، هذه المرة، على جُثّة
كما كان يحدثُ في الأزمنةِ القديمةِ القاسية
بل على زاد المزارع
يختطفُهُ بمنقاره
ويتوارى من جديد في أعماق الفضاء
■
في هذا العالم
الخَيْر سائح
والشَّر مُقِيم
■
صحيحٌ أننا نتقدَّم
لكننا، ونحنُ نفعلُ ذلك
إنما نهربُ من شيءٍ يزداد هَوْلاً
كلما طوَّرنا أدوات مُواجَهَتِه
■
هل تظنُّون الأسلحة
البندقية والقنبلة والصاروخ
مجرَّدَ أدوات صمَّاء
لا تميلُ للتعبير عما تَخْتَزنهُ في داخلها؟
إذا كانت آلةُ العُوْد في بَيْتِك
تُثيرُ في نفسِك الرَّغبةَ في العَزْف فلم لا يفعلُ ذلك المدفع؟
(من مجموعة «ظل الوردة»، «دار الساقي »، 2012).
■
7 - حب
بعد تحرير تلك النواحي
استقلَّيتُ سيارتي وانطلقتُ جنوباً
وصلتُ إلى النبطية عند الصباح
وكان ربيعٌ عجوزٌ يغادرُ حقلاً من القمح
والصيفُ ينقضّ من جندبٍ صاخب.
أو ليس جنوناً؟!
بقيتم هنا طيلة «الاجتياح»؟!
إذاً كيف حالكِ؟
بل كيف أمُّك؟ هل لا تزال تعاني من الرَّبو؟ والدُك؟
الإخوة؟
الأقربون؟
وهل تقرئين؟
أجْلَسَتني على شرفةِ البيت في مقعدٍ يتأرجحُ
وانصرفت تطبخُ الشاي
ما أبدع هذا النهار!
أَلكُم هذه الأرض؟ هذي الحديقة؟ هذا النسيم العليل؟ الضياءُ القويُّ على الصخر؟ تلك العصافير؟
■
8 - ذلك الزمن
ذلك الزمن
الذي كنا ننام فيه مع الشمس
ونستيقظ عندما تستيقظ
ذلك الزمن
الذي كانت تظللنا فيه الشجرة
ويحط على كتفنا العصفور
إنه الزمن الذي كنا نشرب فيه القمح
وهو لا يزال حليباً في السنابل
ذلك الزمن الذي كنا نسبح في ماء الينبوع
المتدفق لتوّه من باطن الأرض
ذلك الزمن الذي بَدَلَ أن نذهب فيه إلى البساتين والحقول
نذهب إلى البقال
ذلك الزمن الذي للأسف لم ننتبه إليه
إلا عندما لم يعد موجوداً.
■
بعشرات الأوراق التي تشبه الأكفّ
لوّحت لي شجرة التين
القائمة على كتف النبع
وأنا أغادر الخيام في ذلك اليوم الكئيب من عام 1961
وظلّت تلوح حتى غبتُ وراء الأفق الغربيّ
كأنها كانت تعلم بأنني لن أعود
إلا بعد أن تكون قد اندثرت وجفّ النبع
وأنني مهما بحثت عند عودتي إلى المكان
لن أعثر
على أثر ليوم واحد من طفولتي
في هذا المكان الذي كان ملعبًا
كأنها كانت تعلم بأني عندما أعود
سأكون قد بددتُ ذاكرتي.
■
لقد قضينا سنوات طويلة ونحن نرى
منابع الدم هنا وهناك
وستمرّ سنوات أخرى طويلة
حتى نعرف أين كانت تصبّ هذه الدماء.
(من مجموعة «ظل الظل»، «دار الرافدين»، 2024)
■
9 - أجمل الأمهات التي انتظرت
(1976، إلى أم شهيد)
أجملُ الأمهات التي انتظرت ابنها
أجمل الأمهات التي انتظرتهُ،
وعادْ
عاد مستشهداً
فَبَكَتْ دمعتين ووردة
ولم تنزوِ في ثياب الحداد
عاد أسعد مستشهداً... أيقظتْ روحه نسمةٌ من حنينِ بعيدٍ،
فشد على موتِهِ ومشى ماخراً غبش الفجرِ
منفرداً
ويجرُّ انكساراً ثقيلاً
نراه...
نرى الصمتَ والشجر الأصفر من حولِه
والرصاصات جاريةً
ودويَّ انهدامِ قريب
دماً هادئاً يترقرقُ فوق التراب السماوي
لم تنتهِ الحرب
لكنّهُ عاد
ذابلةٌ بندقيتُهُ
ويداهُ محايدتان..
هذه لحظةُ النومِ للعاشقِ المُجهدِ الروح
ها إنه الآن يهوي كطيرٍ
وفي قلبِهِ تصفرُ الريح
لم تنته الحرب
لكنَّ وجه الحبيبة يهوي إلى وهدة الرعب.
المكان فسيحٌ لتنسى
النوافذ مُشْرَعَةٌ للنسيم الرماديّ
للذكريات الدخان
وأسعدُ حرُّ بأشواقه الآن
أسعدُ كان...
عاشقاً
عاد أسعدُ مستشهداً
عاد بالفجر والنهر والوردة الجبلية عادتْ إلى شرفة البيت أقمارُها
والرفاق مضوا ثم عادوا.
افتحوا باب أحزانكم وادخلوا في بشاشته القمرية
واقطفوا عن يديه العصافير والقمح والعوسج السكريّ.
■
عاد أسعدُ مستشهداً
أيها الوطنُ المترنِّحُ تحت الرصاص اتكئ قبره وانتظرنا...
نحن نعدو على زمن جارحٍ آه حدَّدْ لنا موعداً للَّقاء
وحدّد فضاءً لأرواحنا الغاضبة
وانتظرنا نعد من بنادقنا وانتصاراتنا الموجعاتِ ومن جمرةٍ
في رماد مقابرنا الشاحبة
إن أسعد يخرج من موتِهِ ويتابعُ في خندق يتقدَّمُ نحو النهايةِ ممتشقاً عشقه للصنوبرِ والشمسِ
أسعدُ ماءٌ على السهل
رعدٌ على القمّة الصاخبة
■
أجمل الأمهات التي انتظرته
وعاد..
أجمل الأمهات التي... عينها لا تنام
تظلُّ تراقبُ نجماً يحوم على جثة في الظلام.
أجمل الأمهات اللواتي انتظرن... التي انتظرت...
تدجّجْن فولاذ أحزانهنَّ، حفرنَ الخنادق في الأفئدة
وقاومن من في عتمةِ الموتِ بين النوافذِ والأنجم الخامدة
بِكنّ
بأشواقكنَّ
بأحزانكن
سنضربُ في كلّ وقتٍ وأرضٍ
أشداء
تمحو الظلام ونكتب وجه النهار
بكنَّ سنزرعُ فوق الصقيع - الذي هو وحشتكنّ - حدائق عالية من غناء ونار..
■
ولأسعد أن يطمئن، فلن نتراجع عن دمه المتقدم في الأرض
لن نتراجع عن حُبّنا للجبال التي شربت روحه فاكتست شجراً جارياً نحو صيف الحقول.
صامدون هنا، قرب هذا الدمار العظيم، وفي يدنا يلمعُ الرعب، في القلب غصنُ الوفاء النضير.
صامدون هنا... باتجاه الجدار الأخير
ولن نتراجع
لن يمنعوا دمنا أن يمرَّ
وساعاتِنا أن تدور
بين نخل الجزيرةِ والبحر يُحفر قبرٌ لوأدِ الأغاني الجديدة،
نردُمُهُ بالقبور!
يا جماهير أُمتنا العربية لا تقلقي
نحن نرتعُ في دمنا هانئين
وصحتُنا وبنادقنا... جيدة.
وفلسطين محروسةٌ بالخطابةِ والذكريات.
مزيداً من الصمت والصلوات
يا جماهير أمتنا العربية شكراً
مزيداً
من الصمت
والصلوات.
■
10 - أغنية لرلى على ضوء الشمعة الأولى
فوق الغصن العاري
تحت الشمسِ المدفونةِ تحتَ الغيمِ الأغبر
تحت الريش الأغبر
عصفورٌ عارٍ يشدو أغنيةً عاريةً.
لرلى الوردة
لرلى، تدَّثرُ الضوءَ العاري والنّسماتِ الحاملة الغابات.
لرلى، قطعت آخر متر في السنة الأولى
وأتت
لتخلِّصنا من شيخوختنا بين الدبابات!
■
نام الليلُ الشتويُّ على الأرصفة الغبراء، ونامت خطواتُ الحرس الليلي، الليلة: شعر.
ستتمُّ الأرضُ الليلة دورتها وتؤرِّخُ أغنيتي العصر الثاني
من عهد أميرتنا الوردة
وأميرتنا، عَبَرتْ أزمنة الحرب وأزمنة السلم على جسد الوطن المسحوق
بأظلاف الحرب وأظلاف السلمِ
أميرتُنا أسرعُ منافي النسيانِ التقطتْ عصفوراً من مزرعة الألعابِ
فحطَّ عليه الفجر!
ما أبعدها عنّا
ما أبعدنا عنها
قطفتْ تفاحتَها الألف وما زلنا ننهشُ من أعوام في تفاحتنا الصفر!
■
نام الليل الشتويُّ على الأرصفة الغبراء الليلة: وقتٌ أزرق.
الليلة نمشي خلف أميرتنا الخضراء إلى الساعة: بطّة.
وإلى الساعة: ساقية تجري بين الأعشاب الخضراء على جلدِ
كتاب الإنشاء.
الليلة ندخل في أسرار الوقت: رلى.
■
لرلى تلهو
تبني وطناً من أعقاب الوطن المهدوم وتهدم أسوار الصمت
لرلى تضحكُ ضدَّ العتمةِ والموتْ
سنغنّي الليلة فوق صقيع الوطن - المنفى
للوطن - البيت
■
الليلة نمشي خلف أميرتنا الخضراء إلى الساعة: لن ننسى.
لن ننسى أحداً
لن ننسى أبداً
الليلة ننسى أنّا لن ننسى
ننسى... أي نتذكّر
أنّ النهرَ هو النهر.
الليلة ننسى وجه الوطن الأغبر
ننسى... أيْ نتذكر
أن الأغبر حالٌ من أحوال الأخضر
الليلة تمشي خلف أميرتنا تكبر
وتصير بلاداً حرّة.
■
أجملُ من نجم يعملُ قبل الفجرِ
وأصفى من نسمةٍ حُبٌّ في قلب مكسوٍّ بالعشق
وعيناها الفرحُ المغسولُ بأتعاب الشعراء
هي الوردة.
نقطفُ عن خديها بركاتِ الشمسِ ونهديها البلبل
والسيف الموروث
نمشي عبر حدائقها الخضراء ونتبعها عبر حدائقها الخضراء
إلى البيت الغارق في الزرقة والنسيان.
وتكون الحرب خرافة
تكون الحرب خرافة
تكون الحرب خرافة.
(من مجموعة «أذكر أنني أحببت»، «دار العودة»، 1972)
ثقافة طمس الحقائق
إنّ مراجعة المواقف والأفكار أمرٌ تلقائي لدى الإنسان، يحدث دائماً بعد الصدمات، صدمة حبّ مثلاً، تجعلك تعيد النظر وبصورة فورية، في سيرتك العاطفية مع من تهوى.
صحيح أن ذلك يأتي بعد فوات الأوان، ويأتي ممزوجاً بالمرارة والندم، لكن ذلك لا يخلو من فائدة خاصة وأنك قادم غداً على تجربة حبّ عاشرة. هذا عن الحب... أما الحرب... فهل ستراجع أفكارك ومواقفك بعد الحرب؟ هل ستحكي عن مسببات أوجاعنا وخيباتنا المتلاحقة؟
افعل ذلك إن كنت رَجلاً... لا. لا نريد منك أن تندفع هكذا فجأة إلى وسط الساحة. نريد أن تحدّثنا فقط عن حبّك لأمك. أو عن حبك لحبيبتك... أو للوردة... أو للصباح... أو للجمال بوجه عام... افعل ذلك بجرأة وصدق وستجد نفسك وجهاً لوجه أمام قوى جبّارة لا تريد منك أن تفعل ذلك بحريّة.
فالمؤسسة العربية القائمة، سواء كانت دولة أو حزباً أو مزرعة أو مدرسة، تريد من الكاتب والمثقف أن يحب أمّه كما تحبّ «هي المؤسسة» أمها، وأن يرى جميلاً ما تراه «هي المؤسسة» كذلك. مع أنه ولا مرّة في التاريخ اتفق شاعر أو مفكر حقيقي مع ضابط أو رئيس بلدية. دائماً كان مزاج المفكر والمبدع يتنافر مع مزاج الوزير والحاجب وصاحب الشرطة. فإذا كان المناخ في المكان ديمقراطياً انتصر الإبداع، وإذا كان «الطقس» شتاءً تنتصر عصا الحاجب، ويخمد صوت الكاتب إن لم تخمد روحه.
نحن نراجع باستمرار أفكارنا ومواقفنا. نحن لا نفعل شيئاً سوى ذلك. نراجع ونراجع بلا كلل. كل يوم وكل دقيقة نعيد قراءة الواقع على ضوء حادث جديد. لأنّه كل يوم ودقيقة يحدث ما لم يكن في الحسبان. الساعة الآن هي العاشرة ليلاً.. افتح الراديو.. أو افتح الجريدة.. أو افتح باب بيتك وستسمع صراخاً ولغطاً يصدران عن حدثٍ قومي خطير. أمس كنت تعتقد كذا، والآن عليك أن تعتقد العكس! كنت البارحة تظن شيئاً والآن عليك أن تظن خلافه.
منذ دقيقتين كانت هذه الهرّة سوداء كالفحمة. ولقد حدث الآن ما أقنعني بأنها ناصعة البياض! وهبْ أنك توصلت أخيراً إلى يقين مكين من أنّ الديمقراطية أفضل للوطن والأمة من عدمها، فهل تستطيع أن تجهر بذلك؟ هكذا أنا دائماً، أنتهز كل فرصة لكي أجرّ الموضوع للحديث عن الديمقراطية. يقول البعض إن سبب ذلك نفسيّ. ففي طفولتي، على ما يروي الأهل، شاهدت فتى يجرّه رجال الدرك من طرف سترته ويركلونه على قفاه بسبب مظاهرة من أجل الجزائر. ومن يومها تعقدت!
وما أزال على عقدتي تلك. فإما أن يكفّ العسكري ووزير الثقافة عن التدخل في ما لا يفهمه أعني: الحبّ والحرية والتقدّم ومناضلة التخلّف والاستعمار، أو أن الأمور ستتدحرج من سيئ إلى أسوأ. أروع الكتاب والمثقفين العرب - هؤلاء الذين على عاتقهم وحدهم كانت تقع مهمّة غربلة التجارب القاسية واستخلاص الدروس والعبر منها، هؤلاء الرائعون مُسِخوا بمعظمهم أو خُتِم على أفواههم وضمائرهم بختم الإدارة الرسمية. وقليلون هم الذين استعصوا على الإرهاب والتدجين وظلّوا يتحركون في إطار حرياتهم الخافتة الصغيرة.
الإشارة في سؤالكم إلى ما يتهدّد الجيل العربي القادم من يأس واستسلام هي تنبّؤ في محله. فاليأس يملأ البيوت والساحات والأندية والشوارع والكتب والأغاني، ويلوح الاستسلام لذيذاً كالنوم بعد أرقٍ طويل. إن الإحباطات المتلاحقة التي مني بها جيلنا ولّدت عنده اضطرابات معوية دائمة، وضيقاً في التنفس وتلفاً في الرئتين والكبد وقرحة في المعدة وانحلالاً في الأعقاب، ورعباً مستمراً من ذبحة قلبية مفاجئة.
هذا الجيل بدأ يجد لذة في التنزّه في الضواحي الهادئة للعدم واللامبالاة. إن أشرس معركة نخوضها هي هنا... قد تفقد طائرة فتشتري غيرها.
لكنك عندما تفقد الإيمان بنفسك وبقومك وبالتاريخ فإنك لا تستطيع أن تبتكر إيماناً جديداً. إنّ كوناً بكامله يتهاوى من حولك، وعلى كتفيك الهزيلتين تلقى يومياً أطنان المسؤوليات... وأنت الكاتب والمثقف، أنت وحدك، عليك أن تصغي لتسمع ما لا يُسْمَع وأن تحدّق لترى ما لا يرى، وأن تظل مشيراً بإصبعك الوقحة إلى حتمية النصر. ذلك لأنك ما زلت تعيش بوجدان رجل أحبّ الحياة والعالم بالعدالة الشاملة ذات يوم. هل أدركتك الشيخوخة؟ إذا كان ذلك قد حدث، فاعترض الأطفال الغادين إلى المدارس في هذا الصباح الشتوي، وامنحهم فاكهة تجربتك المرة.
اشهد فقط. قل: عشت ورأيت.
أتكلّم من لبنان حيث الأرض ما زالت ترتجّ والدخان الداكن الكثيف يحجب الأفق.
الدبابات الإسرائيلية على التلال. ومصير البلد ما زال مفتوحاً على أسوأ الاحتمالات. مصير لبنان. ومصير الشعب الفلسطيني. ومصير العرب جميعاً: وأتكلم وحولي ما زالت تضجّ أهوال الحرب الماضية وأشباحها ورموزها ومغزاها الرهيب، وأتكلم ولا مطمح لي ككاتب إلا أن أكون شاهداً صادقاً على ما حدث. لا أرجو في ما تبقى لي من العمر إلا أن أصوّر تجربتي الفردية - فقط تجربتي الفردية - وأعانني الله على ذلك. أحياناً أفكر:
هل سأستطيع أن أحكي كل شيء؟ وإذا لم أستطع، فمن الذي سيحكي ما كنت سأحكيه؟ الجواب: لا أحد: لا المؤرخ، ولا كاتب البيان السياسي، ولا المعلّق الإذاعي سيأتي على ذكر ما رأيت وسمعت واكتشفت. هؤلاء سيكونون مشغولين باختلاق الأعذار والتبريرات، وبتجميل الفاجعة، ولن يتردَّدوا في جعل الكارثة عيداً! إنها ثقافة طمس الحقائق، والاحتيال على الواقع بواسطة الكلام، هذا الطقس السحري البدائي:
والمطلوب، بديلاً من ذلك، ثقافة جديدة جريئة وقاسية تترجم الوجدان العربي المثقل بالتعاسة والشؤم وتستنبط من واقع الهزيمة المرّ حلاوة الكفاح من أجل التغيير.
* (مجلة «الآداب»، 1983)

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire