الجنوب بوصفه شاشة إسقاط

 

عبد الحليم حمود

في الحفر تحت جلد الصورة، يتكشّف الجهاز الرمزي الذي يشكّلها. جنوب لبنان، كعلامة ثقافية وسياسية، كان أكثر من جغرافيا صدامية، هو فضاء كثيف بالتأويلات، محكوم بشبكة من الخطابات العابرة للأزمنة واللغات. لا يمكن قراءة الجنوب إلا بوصفه موضعاً تشكّلياً، حيث تتقاطع الذات الجماعية مع اللاوعي الأممي، وتتجسّد البندقية، والقلم، والكاميرا، والريشة كأعضاء في جسد رمزي واحد، يعمل على تمثيل الواقع وإنتاجه
في الأنثروبولوجيا الرمزية، يُفهم المكان في كثير من الأحيان كمرآة مكثفة للذات الجمعية، كمجال مسقوف بالهوية ومخترق بالآخر. الجنوب اللبناني، تحديداً، تحوّل منذ سبعينيات القرن الماضي إلى «شاشة إسقاط» للعالم الثالث، من البرازيل إلى فلسطين، من فنزويلا إلى صور، من بيروت إلى سانتياغو. بدا ساحة اشتباك، ومجالاً رمزياً مكثفاً استُعمل لإعادة تعريف النضال.
الرسّام لا يرسم الجنوب، انما يحفر فيه. كما إنّ اللاوعي لا يُقرأ عبر الفعل المباشر، بل من الشذرات، فإنّ الكاريكاتور عن الجنوب يُقرأ من خطوطه المائلة، من المبالغة، من العين الواسعة والبندقية الصغيرة، من التفاحة التي تخنقها اليد، من الطفلة التي تمسك علماً أكبر من جسدها. تلك الصور تشرح الواقع، وتفتحه على تعدّديته الرمزية، وتكشف المخفي في الخطاب العام.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire