علاء اللامي
كاتب عراقي
في نهاية عام 2023، وبالضبط يوم 31 تشرين الأول، ومع بدء حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، أصدر أكبر أحزاب اليسار اللبناني، وهو الحزب الشيوعي، بياناً مهماً موقَّعاً باسم لجنته المركزية، تضمّن نداء حاراً موجّهاً إلى «شعبنا اللبناني، إلى الشيوعيين واليساريين والوطنيين على امتداد مساحة الوطن...»، يدعوهم إلى «الانخراط في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، جبهة للتحرر الوطني والاجتماعي، جبهة عابرة للطوائف والمناطق، دفاعاً عن لبنان ولكل لبنان... شباباً وشابات، رجالاً ونساء، مقاومةً للعدوان وللاحتلال الصهيوني متى تعرّض لبنان له، فلا خيار لنا إلا المقاومة، مقاومة بكل ما ملكت أيدينا من سلاح وقدرات وإمكانات، هذا هو تاريخ حزبنا، حزباً مقاوماً منذ تأسيسه، هكذا كان وسيبقى كما هو اليوم، جزءاً من هذه المعركة وفي قلبها».
وقد فُهم من هذا البيان أن قيادة الحزب في صدد تفعيل «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»- (جمّول) التي كان لها شرف مبادأة العدو بالمقاومة المسلحة في قلب بيروت المحتلة وطرده منها وملاحقته في أحوازها. تلك الجبهة تأسّست رسمياً في 16 أيلول 1982 ولكن عملياتها المسلحة الجريئة سبقت الإعلان عن تأسيسها كما هي الحال في عمليتي «الويمبي» و«محطة أيوب» في بيروت.
ومرَّت الأيام والأشهر منذ صدر هذا البيان في 31 تشرين الأول 2023، وتفاقم العدوان الصهيوني على لبنان بعد أن استكمل تدمير مدن قطاع غزة بنسبة فاقت الـ 90% وأباد جماعياً جزءاً عزيزاً ومهمّاً من سكانها قارب مئة ألف إنسان، وبلغ عدوانه الدموي على لبنان ذروته يوم الأربعاء الدامي 14 نيسان 2026 حين قتل المئات (250 شهيداً بينهم عشرات الأطفال) في هجوم جوي واحد لم يستغرق إلا أقل من ربع ساعة وشمل مناطق واسعة في لبنان بغضّ النظر عن التقسيمات السكانية الطائفية.
ولكننا لم نشهد تفعيلاً لهذا البيان الشيوعي الداعي إلى رفع السلاح بوجه العدو «دفاعاً عن لبنان متى تعرّض للعدوان»؛ لا من خلال تفعيل وإعادة تأسيس «جمول» ولا عبر تأسيس جسم مقاوم جديد يتحالف مع المقاومة الإسلامية التي تخوض قتالاً ملحمياً على الأرض وتقدّم تضحيات غالية في ظروف غاية في الصعوبة لبنانياً وعربياً ودولياً. فماذا حدث، ولماذا تأخّر التيار القومي - العروبي والسوري - واليساري ومنه الشيوعيون في الانخراط في المقاومة المسلحة للعدو في الجبهات المفتوحة ضمن إطار تحالف مقاوم أو كلّ على انفراد؟
أستدرك هنا، لأسجّل أن أخباراً متداولة سجّلت مشاركة رفاق من اليسار اللبناني والقوميين السوريين وقوى أخرى ولكنْ كأفراد وبمبادراتهم الشخصية في المقاومة ولهؤلاء الأمجاد كل الاحترام والتقدير. ولكنّ السؤال يبقى مطروحاً بحرقة: لماذا لم ينخرط اليسار والقوى الوطنية اللبنانية ذات التاريخ الحافل بالنضال والفعل المقاوم في المقاومة اليوم وخصوصاً بعد أن دخل العدوان الصهيوني على لبنان مرحلة الإبادة الجماعية ومحو بلدات وقرى بكاملها من على وجه الأرض؟
البحث عن تفسير شافٍ
أعتقد أن المتابِع للنشاطات السياسية والإعلامية في لبنان لن يظفر بتفسير شافٍ أو إجابة صريحة وواضحة على السؤال الآنف. ولكننا قد نفهم خلفيات هذا التأخّر أو الامتناع عن المشاركة في الفعل المقاوم المسلّح من خلال ما صدر عن الحزب من بيانات مع بدء تصدّي المقاومة الإسلامية للعدوان الصهيوني المستمر منذ 15 شهراً وتحديداً بعد عدوانه على إيران، حيث أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني يوم الثالث من آذار بياناً ينتقد عملية التصدّي تلك.
وقد جاء فيه على جهة الخصوص أن العملية «جاءت بقرار خاطئ في الشكل والتوقيت، والعدو الصهـيوني الذي لا يحتاج إلى ذرائع لاستكمال عدوانه، استفاد من هذه العملية ليندفع في توسيع وتكثيف حربه الهمجية على لبنان، موقعاً حتى الآن عشرات الشهداء ومئات الجرحى، مدمّراً للبيوت على رؤوس قاطنيها، ومُهَجِّراً لأكثر من مليون لبناني من أهلنا الأعزّاء، حيث باتوا لياليهم في العراء وعلى الطرقات، ولا تزال غالبيتهم من دون إيواء ولا غذاء ولا كساء. أمام هذا الواقع نقول: لا يستحق أهلنا النازحون مثل هذا القهر والعذاب، بل لا يستحق شعبنا عموماً كل ذلك».
لنغض الطرف عن التناقض الصارخ بين تحميل المقاومة مسؤولية ما قام به العدو من جرائم وقهر وعذاب لحقت بالنازحين وبين فكرة أن هذا العدو «لا يحتاج إلى ذرائع لاستكمال عدوانه»، ولنتوقف عند خاتمة البيان التي تقول: «نؤكد على ثوابتنا الوطنية بضرورة تعزيز النضال لوقف العدوان والتصدّي له وعلى حق اللبنانيين بمقاومة أي احتلال للأراضي اللبنانية بكل الوسائل المُتاحة».
نقد الشكل والتوقيت وتأييد الفكرة
وعليه، يمكن أن نعتبر أن الانتقاد أو التحفّظ المُعبّر عنهما في البيان إنما يتعلقان بـ«الشكل والتوقيت»، وليس على ثوابت وشرعية المقاومة «بكل الوسائل المُتاحة» ضد الاحتلال. ومع أن من الصعب معرفة المقصود بـ«الشكل» ولا سيما أن البيان اعتبر المقاومة مشروعة بكل الوسائل -الأشكال- المُتاحة. ولكننا يمكن أن نستشفّ من هذا البيان أن قيادة الحزب لم تكن موافقة على عملية التصدّي التي قامت بها المقاومة الإسلامية. ربما لتلازمها مع جريمة اغتيال المرشد الأعلى الشهيد السيد علي الخامنئي، وهو ما سجّلته المقاومة نفسها ضمن دوافع ردّها وتصدّيها في بيانها الأول، إضافة إلى الأسباب اللبنانية المتمثّلة في العدوان المستمر طيلة 15 شهراً أعقبت الاتفاق على وقف إطلاق النار.
ولكننا لا نجد لهذه الدعوة لتفعيل المقاومة الوطنية ضد الاحتلال أثراً في كلام الأمين العام للحزب حنا غريب في المقابلة التي أجراها معه جورج عقل قبل أيام قليلة ونُشرت على الصفحة الرسمية للحزب على مواقع التواصل الاجتماعي. في هذه المقابلة كرّر غريب مجموعة من الأفكار والمفاهيم ربما تعيننا على معرفة وفهم فكر الحزب في موضوع العلاقة مع القوى المقاوِمة ومع المقاومة ذاتها كفكرة فعل تحريري للأرض والإنسان. من ذلك قوله:
«في موضوع المقاومة ضد الاحتلال والعدوان نتقاطع معه ضد العدوان، أمّا في المفهوم العام فنحن لا نفصل بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان. نحن لسنا مع مقاومة تحت سقف الحفاظ على الطائفية والمذهبية والنظام الطائفي في البلد». وأضاف: «نحن نواجه خطرين كبيرين هما: خطر أميركي صهيوني على البلد وعلى المنطقة كلها، والخطر الثاني من الداخل يمثّله نظام حكم مذهبي طائفي يتصف بالتبعية للخارج».
يمكن أن نفهم من هذا الكلام أن غريب يتحفّظ على المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله لأنها تُصنّف تحت «سقف الحفاظ على الطائفية والمذهبية»، والحق يقال إن المتحدّث يتحفّظ بل ويرفض النظام الحاكم في لبنان ككل، ويصفه - وهو على صواب مضموني - بأنه «نظام حكم مذهبي طائفي يتصف بالتبعية للخارج».
المقاومان عمر المختار الصوفي وهوشي منه الشيوعي
إنّ رفض النظام الحاكم والقائم على الطائفية السياسية والمحاصصة بين زعماء الطوائف ليس جديداً، وبالنتيجة فإن الموقف منه ليس جديداً أو ملحّاً مثلما هي ملحّة حرب الإبادة والتدمير المنهجي الذي يقوم بها العدو. ثم إنّ موضوع المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي التي يرى الحزب أنها مشروعة بجميع الوسائل المتاحة سيكون مختلفاً لأن الموقف هنا سيكون موقفاً من الاحتلال قبل أن يكون موقفاً من تكوين المقاومة ضده.
وعلى هذا لا يمكننا قطعاً، وعلى سبيل المثلنة التأريخية، أن نكون ضد مقاومة تحريرية قادها الصوفيون في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي بقيادة الشيخ المتصوّف عمر المختار، أو ضد مقاومة أخرى إسلامية ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وثالثة في العراق قادها رجال الدين الشيعة وشيوخ القبائل العربية وحتى الكردية أحياناً ضد الاستعمار البريطاني سنة 1920، وقد لا نجد حركة مقاومة مسلحة عربية غير إسلامية واقعاً ومضموناً إلى هذه الدرجة أو تلك، ربما باستثناء الحركة الشعبية لتحرير ظفار (1965-1976).
أعني أنّ التأييد مع التحفّظ وارد هنا. والتأييد يأتي من حق الشعوب الأصيل في مقاومة الاحتلال بغضّ النظر عن رايات وفكر وتوجّهات قيادات هذه الحركات المقاومة، أمّا تسجيل التحفّظ فيكون على التوجه الفكري والمضموني العام والتجاوزات العملية إن حدثت من قبل قيادات تلك الحركات. وبما أن الكلام هنا يتعلق بتصريحات قائد حزب شيوعي فسيكون مفيداً التذكير بواقعة تأييد كارل ماركس الحماسي لثورة كومونة باريس (18 آذار 1871) وتمجيده لأبطالها الذين «اقتحموا السماء بقبضات عارية» على حدّ تعبيره، رغم أن قيادة الثورة وثوار الكومونة في غالبيتهم الساحقة لم يكونوا ماركسيين بل «أناركيين - ضد سلطويين» وعلى خلاف عميق مع ماركس والماركسيين.
وقد يعترض البعض - ومعه بعض الحق على هذا المثال من الناحية الموضوعية والذاتية - ولكني أتيت بهذا المثال لسبب سياقي تأريخي قبل كل شيء... ولذلك سأطرق مثالاً آخر يتعلق هذه المرة بالموقف الإيجابي لقيادة الحزب الشيوعي الفييتنامي في فترة قيادة هوشي منه المجموعات الدينية البوذية التي شاركت في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي وخصوصاً بعد عام 1963، حيث بدأت جبهة التحرير الوطني «الفيت كونغ» تضم إلى جانب الشيوعيين، وطنيين غير شيوعيين، بينهم بوذيون، يسعون لإنهاء نظام سايغون العميل للولايات المتحدة وتحوّلت العلاقة معهم في السنوات اللاحقة إلى تحالف راسخ وبنّاء.
وعموماً فإن المقصود هنا ليس دفاعاً عن فكرة انخراط اليساريين اللبنانيين ومنهم الشيوعيون في المقاومة الإسلامية في لبنان، بل نحن نناقش فكرة التأييد لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة من حيث المبدأ، وهذه فكرة محسومة من قبل الحزب نظرياً وليس عملياً. أمّا مقولات التحفّظ فهي مشروعة أيضاً، ولكن ينبغي الحذر وإبداء الحرص اللازم حتى لا تتقاطع هذه التحفّظات والانتقادات للمقاومة وتصبّ عن غير قصد في الجهد المعادي الذي يبذله اليمين اللبناني المتصهين. وهنا نصل إلى طرح سؤال آخر مشتقّ مما سبق؛ إنَّ مقولات التأييد اللفظي لمقاومة الاحتلال «بجميع الوسائل المتاحة» تبقى في حدود تسجيل الموقف والرأي إذا لم تُترجم إلى فعل ممارساتي على الأرض ولن تكون لها أيّ قيمة. فلماذا لم يبادر اليسار اللبناني والقوى الوطنية والقومية حتى الآن إلى المباشرة في الفعل المقاوم المسلّح بشكل من الأشكال المتاحة؟
ما الذي تغيّر اليوم؟
إذا احتجّ البعض في وقت ما بتعذّر التحالف مع المقاومة الإسلامية المسلّحة لأسباب معينة تتعلّق بالماضي فإن الحاضر يقدّم فرصة أخرى ويمكن عندها أن يشكّل اليسار والقوى الوطنية والقومية السورية والعروبية تحالفاً مقاوماً مستقلاً شبيهاً بتحالف «جمّول»، وإذا تعذّر ذلك فيمكن أن ينخرطوا، كلٌّ على حدة؟ أمّا تكرار لازمة أن نضالنا يستهدف النظام الطائفي المذهبي ككل فلا يمكن أن تتحوّل إلى حجة معقولة للامتناع عن القيام بالفعل المقاوم. لقد كان هذا النظام الطائفي المذهبي قائماً في أيلول 1982 حين أسّس الرفاق الشجعان «جمّول»، فما الذي تغيّر في أيامنا؟
إنّ المقاومة الباسلة التي يخوضها مجاهدو الحركة الإسلامية في لبنان تقدّم أداء ملحمياً كما قلنا، ولكنها تعاني من حصار خبيث سياسي وإعلامي داخلياً وخارجياً ومحاولات تطويق وحتى محاولات تصفية من قبل حكومة الوصاية باسم قانون دولة الطوائف نفسها، وإنّ أوليات أي حركة وطنية، بغضّ النظر عن رايتها الأيديولوجية، أن تساهم عملياً ومن خلال المشاركة الملموسة في الفعل المقاوم بأسمائها وتحت راياتها الخاصة. إنّ في ذلك إن حدث تحقيقاً لهدف مهم، إلى جانب القيام بالواجب التأريخي لكل قوة تقدّمية، هو فك الحصار السياسي الذي يضربه حكم الوصاية اللبناني حول المقاومة الحالية على الأرض، وإسنادها بقوى طازجة وفتية جديدة. كما أن أي جهد من هذا القبيل سيكون لبنة على طريق إخراج المقاومة الموجودة ذاتها من التقوقع الطائفي والمذهبي، ويفتح الطريق أمام اندماج وطني تقدّمي مقاوم على مستوى الوطن.
أليس من الصائب والعملي اعتبار المشاركة -التحالفية أو المنفردة - في المقاومة اليوم إلى جانب المقاومة الموجودة (المقاومة الإسلامية) جهداً يصبّ في مصلحة البرنامج الذي سمّاه غريب «برنامج بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المناهض لدولة الطائفية السياسية والمذهبية التابعة»؟
فلنتذكرْ ولْنَعِ حقيقة أن التاريخ سيسجّل كل شيء يجري هذه الأيام وبالتفاصيل الدقيقة، ومثلما سجّل ما حدث في الماضي من بطولات وملاحم منها بطولات «جمّول» سيسجّل حالة اللَّافعل والاكتفاء بالتأييد اللفظي السائدة اليوم.
كاتب عراقي
في نهاية عام 2023، وبالضبط يوم 31 تشرين الأول، ومع بدء حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، أصدر أكبر أحزاب اليسار اللبناني، وهو الحزب الشيوعي، بياناً مهماً موقَّعاً باسم لجنته المركزية، تضمّن نداء حاراً موجّهاً إلى «شعبنا اللبناني، إلى الشيوعيين واليساريين والوطنيين على امتداد مساحة الوطن...»، يدعوهم إلى «الانخراط في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، جبهة للتحرر الوطني والاجتماعي، جبهة عابرة للطوائف والمناطق، دفاعاً عن لبنان ولكل لبنان... شباباً وشابات، رجالاً ونساء، مقاومةً للعدوان وللاحتلال الصهيوني متى تعرّض لبنان له، فلا خيار لنا إلا المقاومة، مقاومة بكل ما ملكت أيدينا من سلاح وقدرات وإمكانات، هذا هو تاريخ حزبنا، حزباً مقاوماً منذ تأسيسه، هكذا كان وسيبقى كما هو اليوم، جزءاً من هذه المعركة وفي قلبها».
وقد فُهم من هذا البيان أن قيادة الحزب في صدد تفعيل «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»- (جمّول) التي كان لها شرف مبادأة العدو بالمقاومة المسلحة في قلب بيروت المحتلة وطرده منها وملاحقته في أحوازها. تلك الجبهة تأسّست رسمياً في 16 أيلول 1982 ولكن عملياتها المسلحة الجريئة سبقت الإعلان عن تأسيسها كما هي الحال في عمليتي «الويمبي» و«محطة أيوب» في بيروت.
ومرَّت الأيام والأشهر منذ صدر هذا البيان في 31 تشرين الأول 2023، وتفاقم العدوان الصهيوني على لبنان بعد أن استكمل تدمير مدن قطاع غزة بنسبة فاقت الـ 90% وأباد جماعياً جزءاً عزيزاً ومهمّاً من سكانها قارب مئة ألف إنسان، وبلغ عدوانه الدموي على لبنان ذروته يوم الأربعاء الدامي 14 نيسان 2026 حين قتل المئات (250 شهيداً بينهم عشرات الأطفال) في هجوم جوي واحد لم يستغرق إلا أقل من ربع ساعة وشمل مناطق واسعة في لبنان بغضّ النظر عن التقسيمات السكانية الطائفية.
ولكننا لم نشهد تفعيلاً لهذا البيان الشيوعي الداعي إلى رفع السلاح بوجه العدو «دفاعاً عن لبنان متى تعرّض للعدوان»؛ لا من خلال تفعيل وإعادة تأسيس «جمول» ولا عبر تأسيس جسم مقاوم جديد يتحالف مع المقاومة الإسلامية التي تخوض قتالاً ملحمياً على الأرض وتقدّم تضحيات غالية في ظروف غاية في الصعوبة لبنانياً وعربياً ودولياً. فماذا حدث، ولماذا تأخّر التيار القومي - العروبي والسوري - واليساري ومنه الشيوعيون في الانخراط في المقاومة المسلحة للعدو في الجبهات المفتوحة ضمن إطار تحالف مقاوم أو كلّ على انفراد؟
أستدرك هنا، لأسجّل أن أخباراً متداولة سجّلت مشاركة رفاق من اليسار اللبناني والقوميين السوريين وقوى أخرى ولكنْ كأفراد وبمبادراتهم الشخصية في المقاومة ولهؤلاء الأمجاد كل الاحترام والتقدير. ولكنّ السؤال يبقى مطروحاً بحرقة: لماذا لم ينخرط اليسار والقوى الوطنية اللبنانية ذات التاريخ الحافل بالنضال والفعل المقاوم في المقاومة اليوم وخصوصاً بعد أن دخل العدوان الصهيوني على لبنان مرحلة الإبادة الجماعية ومحو بلدات وقرى بكاملها من على وجه الأرض؟
البحث عن تفسير شافٍ
أعتقد أن المتابِع للنشاطات السياسية والإعلامية في لبنان لن يظفر بتفسير شافٍ أو إجابة صريحة وواضحة على السؤال الآنف. ولكننا قد نفهم خلفيات هذا التأخّر أو الامتناع عن المشاركة في الفعل المقاوم المسلّح من خلال ما صدر عن الحزب من بيانات مع بدء تصدّي المقاومة الإسلامية للعدوان الصهيوني المستمر منذ 15 شهراً وتحديداً بعد عدوانه على إيران، حيث أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني يوم الثالث من آذار بياناً ينتقد عملية التصدّي تلك.
وقد جاء فيه على جهة الخصوص أن العملية «جاءت بقرار خاطئ في الشكل والتوقيت، والعدو الصهـيوني الذي لا يحتاج إلى ذرائع لاستكمال عدوانه، استفاد من هذه العملية ليندفع في توسيع وتكثيف حربه الهمجية على لبنان، موقعاً حتى الآن عشرات الشهداء ومئات الجرحى، مدمّراً للبيوت على رؤوس قاطنيها، ومُهَجِّراً لأكثر من مليون لبناني من أهلنا الأعزّاء، حيث باتوا لياليهم في العراء وعلى الطرقات، ولا تزال غالبيتهم من دون إيواء ولا غذاء ولا كساء. أمام هذا الواقع نقول: لا يستحق أهلنا النازحون مثل هذا القهر والعذاب، بل لا يستحق شعبنا عموماً كل ذلك».
لنغض الطرف عن التناقض الصارخ بين تحميل المقاومة مسؤولية ما قام به العدو من جرائم وقهر وعذاب لحقت بالنازحين وبين فكرة أن هذا العدو «لا يحتاج إلى ذرائع لاستكمال عدوانه»، ولنتوقف عند خاتمة البيان التي تقول: «نؤكد على ثوابتنا الوطنية بضرورة تعزيز النضال لوقف العدوان والتصدّي له وعلى حق اللبنانيين بمقاومة أي احتلال للأراضي اللبنانية بكل الوسائل المُتاحة».
نقد الشكل والتوقيت وتأييد الفكرة
وعليه، يمكن أن نعتبر أن الانتقاد أو التحفّظ المُعبّر عنهما في البيان إنما يتعلقان بـ«الشكل والتوقيت»، وليس على ثوابت وشرعية المقاومة «بكل الوسائل المُتاحة» ضد الاحتلال. ومع أن من الصعب معرفة المقصود بـ«الشكل» ولا سيما أن البيان اعتبر المقاومة مشروعة بكل الوسائل -الأشكال- المُتاحة. ولكننا يمكن أن نستشفّ من هذا البيان أن قيادة الحزب لم تكن موافقة على عملية التصدّي التي قامت بها المقاومة الإسلامية. ربما لتلازمها مع جريمة اغتيال المرشد الأعلى الشهيد السيد علي الخامنئي، وهو ما سجّلته المقاومة نفسها ضمن دوافع ردّها وتصدّيها في بيانها الأول، إضافة إلى الأسباب اللبنانية المتمثّلة في العدوان المستمر طيلة 15 شهراً أعقبت الاتفاق على وقف إطلاق النار.
ولكننا لا نجد لهذه الدعوة لتفعيل المقاومة الوطنية ضد الاحتلال أثراً في كلام الأمين العام للحزب حنا غريب في المقابلة التي أجراها معه جورج عقل قبل أيام قليلة ونُشرت على الصفحة الرسمية للحزب على مواقع التواصل الاجتماعي. في هذه المقابلة كرّر غريب مجموعة من الأفكار والمفاهيم ربما تعيننا على معرفة وفهم فكر الحزب في موضوع العلاقة مع القوى المقاوِمة ومع المقاومة ذاتها كفكرة فعل تحريري للأرض والإنسان. من ذلك قوله:
«في موضوع المقاومة ضد الاحتلال والعدوان نتقاطع معه ضد العدوان، أمّا في المفهوم العام فنحن لا نفصل بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان. نحن لسنا مع مقاومة تحت سقف الحفاظ على الطائفية والمذهبية والنظام الطائفي في البلد». وأضاف: «نحن نواجه خطرين كبيرين هما: خطر أميركي صهيوني على البلد وعلى المنطقة كلها، والخطر الثاني من الداخل يمثّله نظام حكم مذهبي طائفي يتصف بالتبعية للخارج».
يمكن أن نفهم من هذا الكلام أن غريب يتحفّظ على المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله لأنها تُصنّف تحت «سقف الحفاظ على الطائفية والمذهبية»، والحق يقال إن المتحدّث يتحفّظ بل ويرفض النظام الحاكم في لبنان ككل، ويصفه - وهو على صواب مضموني - بأنه «نظام حكم مذهبي طائفي يتصف بالتبعية للخارج».
المقاومان عمر المختار الصوفي وهوشي منه الشيوعي
إنّ رفض النظام الحاكم والقائم على الطائفية السياسية والمحاصصة بين زعماء الطوائف ليس جديداً، وبالنتيجة فإن الموقف منه ليس جديداً أو ملحّاً مثلما هي ملحّة حرب الإبادة والتدمير المنهجي الذي يقوم بها العدو. ثم إنّ موضوع المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي التي يرى الحزب أنها مشروعة بجميع الوسائل المتاحة سيكون مختلفاً لأن الموقف هنا سيكون موقفاً من الاحتلال قبل أن يكون موقفاً من تكوين المقاومة ضده.
وعلى هذا لا يمكننا قطعاً، وعلى سبيل المثلنة التأريخية، أن نكون ضد مقاومة تحريرية قادها الصوفيون في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي بقيادة الشيخ المتصوّف عمر المختار، أو ضد مقاومة أخرى إسلامية ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وثالثة في العراق قادها رجال الدين الشيعة وشيوخ القبائل العربية وحتى الكردية أحياناً ضد الاستعمار البريطاني سنة 1920، وقد لا نجد حركة مقاومة مسلحة عربية غير إسلامية واقعاً ومضموناً إلى هذه الدرجة أو تلك، ربما باستثناء الحركة الشعبية لتحرير ظفار (1965-1976).
أعني أنّ التأييد مع التحفّظ وارد هنا. والتأييد يأتي من حق الشعوب الأصيل في مقاومة الاحتلال بغضّ النظر عن رايات وفكر وتوجّهات قيادات هذه الحركات المقاومة، أمّا تسجيل التحفّظ فيكون على التوجه الفكري والمضموني العام والتجاوزات العملية إن حدثت من قبل قيادات تلك الحركات. وبما أن الكلام هنا يتعلق بتصريحات قائد حزب شيوعي فسيكون مفيداً التذكير بواقعة تأييد كارل ماركس الحماسي لثورة كومونة باريس (18 آذار 1871) وتمجيده لأبطالها الذين «اقتحموا السماء بقبضات عارية» على حدّ تعبيره، رغم أن قيادة الثورة وثوار الكومونة في غالبيتهم الساحقة لم يكونوا ماركسيين بل «أناركيين - ضد سلطويين» وعلى خلاف عميق مع ماركس والماركسيين.
وقد يعترض البعض - ومعه بعض الحق على هذا المثال من الناحية الموضوعية والذاتية - ولكني أتيت بهذا المثال لسبب سياقي تأريخي قبل كل شيء... ولذلك سأطرق مثالاً آخر يتعلق هذه المرة بالموقف الإيجابي لقيادة الحزب الشيوعي الفييتنامي في فترة قيادة هوشي منه المجموعات الدينية البوذية التي شاركت في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي وخصوصاً بعد عام 1963، حيث بدأت جبهة التحرير الوطني «الفيت كونغ» تضم إلى جانب الشيوعيين، وطنيين غير شيوعيين، بينهم بوذيون، يسعون لإنهاء نظام سايغون العميل للولايات المتحدة وتحوّلت العلاقة معهم في السنوات اللاحقة إلى تحالف راسخ وبنّاء.
وعموماً فإن المقصود هنا ليس دفاعاً عن فكرة انخراط اليساريين اللبنانيين ومنهم الشيوعيون في المقاومة الإسلامية في لبنان، بل نحن نناقش فكرة التأييد لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة من حيث المبدأ، وهذه فكرة محسومة من قبل الحزب نظرياً وليس عملياً. أمّا مقولات التحفّظ فهي مشروعة أيضاً، ولكن ينبغي الحذر وإبداء الحرص اللازم حتى لا تتقاطع هذه التحفّظات والانتقادات للمقاومة وتصبّ عن غير قصد في الجهد المعادي الذي يبذله اليمين اللبناني المتصهين. وهنا نصل إلى طرح سؤال آخر مشتقّ مما سبق؛ إنَّ مقولات التأييد اللفظي لمقاومة الاحتلال «بجميع الوسائل المتاحة» تبقى في حدود تسجيل الموقف والرأي إذا لم تُترجم إلى فعل ممارساتي على الأرض ولن تكون لها أيّ قيمة. فلماذا لم يبادر اليسار اللبناني والقوى الوطنية والقومية حتى الآن إلى المباشرة في الفعل المقاوم المسلّح بشكل من الأشكال المتاحة؟
ما الذي تغيّر اليوم؟
إذا احتجّ البعض في وقت ما بتعذّر التحالف مع المقاومة الإسلامية المسلّحة لأسباب معينة تتعلّق بالماضي فإن الحاضر يقدّم فرصة أخرى ويمكن عندها أن يشكّل اليسار والقوى الوطنية والقومية السورية والعروبية تحالفاً مقاوماً مستقلاً شبيهاً بتحالف «جمّول»، وإذا تعذّر ذلك فيمكن أن ينخرطوا، كلٌّ على حدة؟ أمّا تكرار لازمة أن نضالنا يستهدف النظام الطائفي المذهبي ككل فلا يمكن أن تتحوّل إلى حجة معقولة للامتناع عن القيام بالفعل المقاوم. لقد كان هذا النظام الطائفي المذهبي قائماً في أيلول 1982 حين أسّس الرفاق الشجعان «جمّول»، فما الذي تغيّر في أيامنا؟
إنّ المقاومة الباسلة التي يخوضها مجاهدو الحركة الإسلامية في لبنان تقدّم أداء ملحمياً كما قلنا، ولكنها تعاني من حصار خبيث سياسي وإعلامي داخلياً وخارجياً ومحاولات تطويق وحتى محاولات تصفية من قبل حكومة الوصاية باسم قانون دولة الطوائف نفسها، وإنّ أوليات أي حركة وطنية، بغضّ النظر عن رايتها الأيديولوجية، أن تساهم عملياً ومن خلال المشاركة الملموسة في الفعل المقاوم بأسمائها وتحت راياتها الخاصة. إنّ في ذلك إن حدث تحقيقاً لهدف مهم، إلى جانب القيام بالواجب التأريخي لكل قوة تقدّمية، هو فك الحصار السياسي الذي يضربه حكم الوصاية اللبناني حول المقاومة الحالية على الأرض، وإسنادها بقوى طازجة وفتية جديدة. كما أن أي جهد من هذا القبيل سيكون لبنة على طريق إخراج المقاومة الموجودة ذاتها من التقوقع الطائفي والمذهبي، ويفتح الطريق أمام اندماج وطني تقدّمي مقاوم على مستوى الوطن.
أليس من الصائب والعملي اعتبار المشاركة -التحالفية أو المنفردة - في المقاومة اليوم إلى جانب المقاومة الموجودة (المقاومة الإسلامية) جهداً يصبّ في مصلحة البرنامج الذي سمّاه غريب «برنامج بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المناهض لدولة الطائفية السياسية والمذهبية التابعة»؟
فلنتذكرْ ولْنَعِ حقيقة أن التاريخ سيسجّل كل شيء يجري هذه الأيام وبالتفاصيل الدقيقة، ومثلما سجّل ما حدث في الماضي من بطولات وملاحم منها بطولات «جمّول» سيسجّل حالة اللَّافعل والاكتفاء بالتأييد اللفظي السائدة اليوم.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire