خيطُ دم ممتدّ من بور سعيد إلى الخيام: القاهرة تشدّ أزر «القاهرين» في جنوب لبنان

 

مهدي زلزلي

يَظلم المصريين النظرُ إلى تفاعلهم الاستثنائي والفريد مع مجريات العدوان الإسرائيلي على لبنان وتصدّي المقاومة البطولي له بعين الاستغراب، ويظلمهم في الوقت ذاته عدم التوقف عند فرادة هذا الموقف واستثنائيته المتأتية من عناصر عدة، أولها أنه لا يستند فقط إلى تعاطف محض مع كل من يقاتل العدو الوحيد في وجدانهم، وهو كيان الاحتلال، بل إلى وعي سياسي متقدّم أيضاً. وثانيها أنه يأتي بعد عقود تخللها جهد إعلامي هائل رفدته ميزانيات ضخمة توخى شيطنة حركات المقاومة عموماً في الوجدان العربي، و«الشيعية» منها على وجه الخصوص، انطلاقاً من عناوين مذهبية. هو إرثٌ فاطميّ من التسامح والتعايش والانفتاح، وعداءٌ أزلي لسفّاحي «بحر البقر» و«أبو زعبل»، وذاكرةٌ تاريخية مشتركة، وخيطُ دم ممتدّ من بور سعيد إلى الخيام، ورصاصةٌ يحتفظ بها في جيبه مقاتل يعرف أن «الغيطان» كما «حقول التبغ» يحميها السلاح والإرادات لا الأمنيات، ونخوة وشهامة مصريتان لم تجد الشعارات القُطْرية من طراز «بلدي أولاً» منفذاً إلى أصحابهما حتى يقتنعوا أن يومياتهم في القاهرة ينبغي أن تسير على حالها بمعزل عمّا يجري في غزة أو جنوب لبنان. ولأن الكتّاب والمبدعين في أرض الكنانة لعبوا دورهم الطليعي المعتاد في صياغة هذا الوعي وقيادته، فقد خصّصت «الأخبار» هذه المساحة للإضاءة على مواقفهم انطلاقاً مما تحمله من رمزية، تاركةً لهم التحدّث على طريقتهم – نثراً وشعراً - عن مشاعرهم وذكرياتهم وأحلامهم إزاء جنوب لبنان وأهله الطيبين وأبطاله البواسل


1- الشعب الحرّ الثائر
أحمد الخميسي/ قاص وناقد - القاهرة

بدأت علاقتي بلبنان عام 1972 عندما غادرتُ مصر لأول مرّة في حياتي وكان لبنان أول بلد أدخله وأمشي في شوارعه وأتحدّث إلى مواطنيه. أدهشني وما يزال حتى الآن ذلك الفيض الغامر من المودّة التي يتمتّع بها اللبناني، كأنه خُلِقَ فقط من الألفة والتودّد ومحبّة العالم، كما أدهشتني بيروت، بل أذهلتني بجمالها وبدت لي مثل شبكة من الزهور الملونة تمدّ أوراقها إلى السماء.
وكنتُ في موسكو أدرس عندما وقع العدوان الصهيوني البربري على لبنان عام 1982، وروّعت العالم أخبار مجزرة صبرا وشاتيلا، وصرتُ أتذكر وجوه من التقيت بهم في بيروت، وأرى الزهور الملونة تتحوّل إلى لهب في وجه الغزاة البرابرة.
في المرّة الأولى أحببتُ لبنان، في المرّة الثانية مع الغزو صار لبنان جزءاً مني، بجراحه وبطولاته وشهدائه، وحينذاك كتبتُ أغنية يقول مطلعها: «لبنان الشعب الثائر... ماشي على الدرب بأحلامه... لبنان الحرّ الثائر... الموت آهو مرمي قدامه... والنصر بيرفع أعلامه» وقام بتلحينها أخي فتحي الخميسي، وقدّمتها فرقة غناء شبابية في موسكو، وحضر العرض بمصادفة وجوده هناك الشاعر محمود درويش، وكان العرض في منزل السفير الفلسطيني طيب الذكر محمد الشاعر.
وبعدها صرتُ أتتبع أخبار جنوب لبنان، كما أتابع أخبار شوارع بلدي، وحدودها، وأرى في الجنوب وفي مقاتليه أملاً كبيراً، وحلماً، وهو يخوض معركة ليس لتحرير لبنان وحده بل لتحرير كل البلاد العربية من سطوة القاعدة العسكرية الصهيونية. كان لبنان ولا يزال غالياً مقاوماً تحولت ألوان الزهور عنده إلى لهب مقاتل عزيز على مصر كلها وعلى أماني الحرية والعزّة.

2- رائحة الأرض وسيرة الكرامة
إلهامي المليجي/ صحافي وباحث - المنصورة

حين يُذكر جنوب لبنان أمامي، لا يحضر اسمُ مكانٍ فحسب، بل تنهض في الذاكرة رائحةُ زيتونٍ قديم، ولمعةُ شمسٍ على بساتين الحمضيات، ووجوهٌ أعرف فيها ملامح الصبر النبيل. الجنوب ليس عندي طرفاً من جغرافيا، بل قلبٌ نابض في جسد هذه الأمة، واسمٌ كلما مرّ في السمع أيقظ في الروح شيئاً من الشجن والكبرياء معاً.
زرتُ بعض مدنه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، إبّان وجود المقاومة الفلسطينية هناك، فرأيتُ أرضاً لم تستقبل الفلسطينيين كلاجئين فحسب، بل كأهلٍ وشركاء مصير. كان الجنوب، في تلك الأيام، أشبه بذراعٍ عربية مفتوحة، تضمّ المتعبين القادمين من جرحهم الكبير، وتقول لهم بصمت أهلها ونبلهم: هنا ما زالت العروبة قادرة على أن تكون دفئاً لا شعاراً، وخبزاً لا خطابة، وموقفاً لا مجرّد كلام.
ومنذ ذلك الحين، كلما ذُكر الجنوب اللبناني، رأيتُ فيه أكثر من بقعةٍ قاومت الاحتلال. رأيتُ فيه معنى الكرامة حين تتجسّد في بشرٍ بسطاء، في فلاحين يعرفون سرّ الأرض، وفي أمهاتٍ يخبزن الصبر مع الخبز، وفي رجالٍ حملوا أرواحهم على أكفّهم ليكون الجنوب حائط الصدّ في وجه العدو الصهيوني، وسوراً منيعاً يحرس شرف الأمة من الانكسار.
ولعل ما يزيد هذا الاسم قرباً إلى قلبي أن عدداً من أصدقائي اللبنانيين تعود أصولهم إلى الجنوب، وكل واحد منهم يحمل في صوته ووجدانه شيئاً من تلك الأرض: عنادها الجميل، حزنها العميق، وصفاءها الذي لا تفسده الحرائق.
لهذا لا يخطر في بالي، حين يُذكر جنوب لبنان، إلا أنه الأرض التي تُثمر زيتوناً وحمضيات، وتُثمر أيضاً كرامةً لا تذبل، ومقاومةً لا تنحني، وذاكرةً عربية ترفض أن تسقط في النسيان.

3- الجنوب مرادفاً للكرامة
هاني منسي/ كاتب وناقد - القاهرة

حين يُلفظ اسم «الجنوب»، لا تقفز إلى ذهني خرائط؛ بل تنفتح في مخيلتي ستارة لمسرح حيّ، وذكريات طفولتي في صعيد مصر، بطلها إنسانٌ عُجِنَ من طين الصمود ورائحة الشقاء.
أما جنوب لبنان، فهو تلك البقعة القريبة دائماً من القلب، تلك «الحالة» التي يختلط بها التاريخ والجغرافيا، ويمتزج فيها الحنين لذكريات ماضٍ مهيب والقلق من حاضر مأزوم والخوف من مستقبل مجهول، التي نختبر فيها صدق قصائدنا، عمق مشاعرنا، ومدى ملامسة نصوصنا لجوهر الحقّ والحرية والجمال.
يخطر ببالي ذلك الشبه السحري بين سمرة فلاحي «عامل» وسمرة الصيادين في «الدلتا»؛ كأنما «الليطاني» يهمس لـ «النيل» بكلمات سرّ قديمة عن الصبر. الجنوب هو تلك الرائحة التي تفوح من ثنايا الروايات التي لم تُكتب بعد؛ رائحة أرز يرفض أن يشيخ، وذاكرة بيوتٍ لم تنحنِ يوماً للعواصف. هو المختبر الجمالي الذي يلتقي فيه عبق التاريخ بصلابة الحاضر، حيث تصبح الكلمة رصاصة، والقصيدة درعاً، والضمير الإنساني الحيّ شاهداً على العصور.
في وجداننا، يمتد الجنوب ليصبح مرادفاً للكرامة التي نؤمن بها؛ نراه في صرخة مسرحية متمرّدة، وفي كادر سينمائي يوثق وجه عجوزٍ جنوبية تشبه أمهاتنا في ريف مصر، يغرسن الصبر في الأرض كما يغرسن القمح. إن ذكر اسم «جنوب لبنان» يعني استحضار تلك البوصلة التي تشير دوماً إلى وجهتنا الأخلاقية والجمالية؛ هو النص الذي لا ينتهي، والنشيد الذي نردده كلما احتجنا إلى تذكير أنفسنا بأن الإبداع، في جوهره، هو فعل مقاومة، وأن الأرض التي تُروى بالدم والعرق لا تنتج إلا أدباً خالداً كخلود أرزها. حفظ الله جنوب لبنان وشماله، وشرقه وغربه، وسماءه وأرضه.

4- بلاد فيروز ونصر الله وسحائب الدخان
إبراهيم المطولي/ روائي وقاصّ - الفيوم

قرأتُ اسم لبنان للمرة الأولى حين كانت تسحبني أمي في شوارع المدينة المزدحمة لزيارة أبي في مرضه الأخير، حيث حجزه الأطباء في قسم الأمراض المتوطنة، بالمستشفى الحكومي الكبير.
كنّا نمرّ يومياً في طريقنا بمحلّ مضاء بألوان النيون، له وجهة زجاجية تتراصّ فيها قطع الكيك والشيكولاتة، وقد عُلقت أعلاه يافطة ضخمة مكتوب عليها: «حلويات لبنان». ووسط هذا الفقر الذي جعلنا نمشي بدل أخذ مواصلة داخلية، وحزن أمي المُقيم، استقرّ في ذهني أن لبنان هو البلد الذي ينتج الحلوى غير المتوافرة في القُرى!
وأمام المدرسة الإعدادية، كان يجلس رجل يبيع الجرائد، وكان قد نشأ داخلي حبّ المطالعة، فصرتُ أذهب لأرى إن كانت هناك أعداد جديدة من روايات الجيب، فأراه وقد رصّ أمامه بتتابع المجلات القادمة من لبنان، وعلى أغلفتها صور لبنات حسناوات، فزاد في ذهني أنه ليس فقط بلد الحلوى، ولكن أيضاً بلد البنات الجميلات!
وفي احتفالات الراديو الذي تربيت على سماعه لأننا لم نكن نمتلك جهاز تلفزيون، كان المعدّون يستدعون من أرشيف الإذاعة لقاءات الفنانين الراحلين، فأسمع عبد الوهاب وغيره يتحدّثون عن رحلاتهم للاستجمام في بيروت. إنه البلد الذي يرتاح فيه الفنانون العظام!
وفي المرحلة الثانوية حدثت الانتفاضة... وحدث التغيُّر الكبير في عقلي، والذي أعتقد أنه أصاب الكثيرين من أبناء جيلي، فبدأتُ بالاهتمام بقراءة الأخبار والجرائد السياسية، وقد كانت فترة ذهبية في ما يخصّ صُحف المعارضة في مصر، بالإضافة إلى أنها الفترة التي ظهرت فيها قناة الجزيرة، ومع المتابعة تعرّفت إلى لبنان الآخر، لبنان المقاومة والانقسام!
أذكر أنه في أول علاقتي بنادي الأدب في محافظتي تمّ إلغاء ندوة كانت ستقام لاستضافة الأستاذ خيري شلبي، ولكنه اعتذر عن الحضور عندما سمع باغتيال السيد رفيق الحريري.
وفي حرب تحرير الجنوب كنتُ متابعاً وأنا سعيد، الآن أسترجع الأحداث فيتكرّر مشهدٌ واحد أمامي، مشهد المنتصرين وهم يكسرون أبواب الزنازين الحديدية؛ لإخراج إخوانهم من الأسرى. وحينها علقت صورة الشيخ حسن نصر الله التي وزّعتها جريدة الدستور المعارضة مجاناً مع العدد، متجاهلاً معارضة أصدقائي بدعوى أنه في النهاية رجل من الشيعة الذين يسبّون الصحابة!
ومع تطوّر ذائقتي الفنية صرت أسمع فيروز، بكلمات أغانيها غير المفهومة لي كلياً، ولكنها محببة، وتعيدني للماضي حينما كنا صغاراً نحاول تقليدها كما يؤدّيها الممثل الذي كان يقوم في أفلام الأبيض والأسود بدور الرجل الشامي الظريف أمام إسماعيل يس وغيره. وصار لبنان بلد فيروز والشيخ حسن نصر الله!
ولكن مع الوقت خفتت أخبار الفن لصالح أخبار الحرب، وصار ذكر لبنان مرتبطاً شرطياً لديّ بالحروب والانقسامات، ويزداد الأمر مع كل صورة لصاروخ يلقيه العدو، حتى صرتُ وكلما سمعت ذكر الجنوب من فم قارئي نشرة الأخبار، أتصوّر مباني سكنية تصعد منها سحائب الدخان، إنه المكان الذي يجاور العدو، حيث لا هدوء ولا سكينة...

5- تراتيل من جنوب الصمود
سمير فرّاج/ شاعر - القاهرة

هنا، حيث تنحني الشمس كلّ مغيبٍ لتُقَبّلَ جباهَ التلال، وحيث ينام الوقت في حضن وديانِنا المشرعة على الصبر. هذه الأرض التي لم تتقن يوماً فنَّ الانحناء إلا لغرس شتلة تبغٍ أو لسجدةٍ فوق ترابٍ جُبلَ بمسكِ الشهادة.
ليس الجنوب مجرد جغرافيا مرسومة بالحدود، بل هو قصيدتي التي أكتبها بمدادِ الروح. في كلِّ حجرٍ من حجارةِ بنت جبيل، وفي كلِّ غصن زيتونٍ صامدٍ في كفر شوبا، حكايةٌ ترفض النسيان. إنّنا شعراء نعم، لكنَّ قوافي قصائدنا رصاص، وأوزانَنا زغاريد الأمهات اللواتي يستقبلنَ أبناءهنَّ محمولين على أكتاف المجد، كأنهنَّ يزففنَهم إلى عرس الخلود الأبديّ.
يقولون: «الجنوبُ يحترق»، فأقول: «بل الجنوبُ يتطهر». إنَّ هذا اللهب يستحيل نوراً يضيء درب السارين في ليلِ المقاومة. نحنُ الذين اخترنا ألا نكون أرقاماً في سجلات العابرين، بل اخترنا أن نكونَ جذوراً ضاربةً في عمق التكوين، لا تقتلعها ريحٌ ولا يهزها عصفُ حديد.
أذكر أنني في إحدى زياراتي لجنوب لبنان وقفت مع صديقي الشاعر الكبير فضل مخدّر رحمة الله عليه على تلة عالية من قلعة الشقيف في النبطية، حيث مدّ الشيخ فضل ذراعه في اتجاه الشمال وسألني: أتدري ما اسم هذه الجنة الخضراء التي تلوح في الأفق؟ إنها فلسطين.
بادرته بقولي: والله يا أخي لن يخرج الإسرائيليون من هذه الجنة إلا على ظهورهم.
وحين أقف على تلال مارون الراس، أرى في الأفق البعيد يافا وحيفا، وأدركُ أنَّ المسافة ليست أميالاً، بل هي نبضةُ قلبٍ وطلقةُ حق. إنَّ المقاومة في جنوبنا ليست خياراً سياسياً، بل هي فعل وجود. هي ابتهال الفلاح في حقلِه، وصمود العجوز في دارِها المهدمة، وإصرار الطفل على العودة إلى مدرسته فوق الركام.
يا جنوب، يا جرحاً يرفض الالتئام إلا بالنصر، ويا نصراً يرفض التباهي إلا بالتواضع. أنتَ لستَ أرضاً للموت، بل أنتَ مهد الحياة التي تُستردُّ بالدم.
نحن لا نهوى الموت، بل نعشق الحياة بكرامة. وإذا كان الدم هو الثمن لبقاء زيتونِنا شامخاً، فليكن.
إنَّ الشاعر المقاوم لا يكتب عن الرومانسية الحالمة، بل يكتب عن «رومانسية الخندق»، عن دفء الرفاق في الليالي الباردة، وعن تلك اللحظة المقدسة التي يلتقي فيها جبين المقاتل بتراب وطنه في عناقٍ أخير.
سينتهي الضجيجُ يوماً، وسترحل الغربان التي استوطنت سماءنا، وسيبقى الجنوب كما كان: مدرسةً للحرية، وقبلةً للأحرار، وقصيدةً عصماء لا يستطيعُ أيُّ طاغيةٍ أن يكسر قافيتها.
نحنُ هنا... باقون كشجرِ الأرز، متجذّرون كصخورِ الليطاني، ومستمرّون حتى يرتدَّ الصدى: «الجنوبُ منتصرٌ... والقدسُ هي الموعد».

6- أهتف لكل قذيفة تؤرق الكيان
محمد خلف/ روائي وشاعر وقاصّ – بور سعيد

سطّرت قطع عدة من أرض وطننا الكبير بطولات لافتة على مدار تاريخ الصراع العربي مع الاحتلال، ضمن تلك القطع الغالية تبرز مدينتي بور سعيد، التي عانت القصف والتهجير، ثمَّ حمل أبناؤها وبناتها السلاح في مواجهة العدوان حتى دفعوه إلى الانسحاب، وقطاع غزّة العزيز، الذي أُسقِي سنوات من الويل، فانتفض بركاناً يحرق العدو ويقصف أمنه، ولكني أخصّ بالذكر في هذه السطور قطعة لم تنكِّس الرأس ولم تتواطأ، ربما خبت نيرانها لبضعة أوقات، لكنها انتفضت دوماً مثل عنقاء أسطوري، ينهض من بين الرماد ليلهب العدو، ويحيل أحلامه في السيطرة هباء وجنوده جثثاً محترقة.
عانى جنوب لبنان من الهجمة تلو الأخرى، والحرب تلو الأخرى، ولكنه ظل هناك، شوكة حادّة تدمي خاصرة الكيان الغاصب، وصخرة تتحطم عليها أمواج محاولاته الاستيطانية، وفي الفترة الأخيرة، انتفض العنقاء مرة ثانية، ليسجّل بطولات تغنّى بها كل من حمل داخله بوصلة أخلاقية سليمة، تشير بوضوح نحو العدو الصريح، وتهتف لكل من أذل ناصيته.
وضع الكائن الأسطوري المشتعل الكيان بين مطرقتين ثقيلتين، فهزَّت ضرباته المتتالية الكيان، بالتزامن مع الحرب المجيدة التي أطلقتها إيران.
لستُ من أنصار هدم الحدود والذوبان في القومية العربية، ونسيان الانتماءات الوطنية، ولم أكن يوماً، لكني مؤمن حتى النخاع بضرورة الاتحاد والترابط، لمواجهة الهيمنة المفروضة على المنطقة، والسرطان المزدرع في جسدها، لذا أهتف مشجعاً ومتضامناً بكل خلية في جسدي، مع كل قذيفة تؤرق الكيان وتهدم أمنه، ويشتعل الفرح في قلبي مع كل صافرة إنذار تدق هناك، وكل عملية تقاد ضدّه من أي مكان، ولكن لجنوب لبنان خصوصية لا يشاركه فيها إلا غزّة، حيث يخوض كلاهما المعركة بلا غطاء رسمي، بالذراع والقلب والسلاح والإيمان فقط، ويكبّدون عدوهم المتفوق بالإمكانات والدعم العالمي رغم ذلك من الخسائر ما يؤلم ويبكي.
يخوض وطننا العربي والمنطقة كلها معركة وجودية، معركة وعي يحاول البعض تشويهه، وادّعاء انعدام العداوة مع كيان غاصب غاشم، اتخذ لنفسه دور بلطجي المنطقة، برعاية مطلقة من الشرطي الفاسد للعالم.
ولكن هناك، في جنوب لبنان، تنبت أشجار الأرز جنوداً، يخوضون تلك الحرب بإيمان راسخ، ويقفون جنباً إلى جنب مع إخوتهم من المقاومين في كل مكان، يعلنونها واضحة: لا سلام مع احتلال.. .
لا سلام إلا بانتزاع الحرية.

7- كيف الحال يا بلاد؟
مروة عادل/ شاعرة - الجيزة

«تقول صبايا الجنوب
كان يأتي صباحاً
وفي يده طرحة العرس
ثمّ يقلم أشجار عينيه
حتى يعرّش في الشمس كالأنبياء
وكان يراقص شتلة تبغ
ويجذبها صوب كفيه
لكنها لا تصل
ويقطر حزناً
وتقطر سحراً
ويمتدّ تمتدّ
حتى يلامسها في السماء»

لم أسافر إلى لبنان، لم أرَ الجنوب من قربٍ، لم أصعد الجبل، ولم أعرف طقوسهم في حفلة العرس، لم أشاهد القمر من غرفة الجدّة، ولم أرقص تحت شجر الكرم في الربيع.
لكن في الساعة الثالثة فجراً، وعقرب الوقت يلدغ البلاد وأبناءها، والموت يدور دورته حول الأرض متخفِّياً، أبحث في جوجل عن عشبة في الجنوب لم تطلها أيدٍ تحمل خنجراً لوأد الحياة.

كيف الحال يا بلاد؟
تتساءل القاهرة...
وأنا أتابع المشهد، والشوارع تتبدل الهوية، والحقول تُجهض الحصاد، والأمهات تتفقد أثداءها لتعصر قطرة حليبٍ أخيرة، والأطفال يعرفون النزوح قبل ممارسة خطوات المشي الأولى، والرجال تثخن دماؤهم في عروق النهر، والحضارة تشهد ضدّ نفسها، تجيب الحرب بصوتٍ وقح...
فيشدو الجنوب، يفتح الشاعر كتاب الفناء ويغرّد...
«كما تتعرّى لذاكرة النهر زنبقة النهر
كالخوف ينسل من حدق الميتين
وكالبحر يذهب للموعد المتأخر،
أفتتح الآن موتي وأدخل في موسم النار…

يا نار كوني سلاماً وبرداً على المدن الصامدة»
والأشباح تصطاد الحياة ويخنقونها برائحة البارود والقنابل تصيب أبراجنا العالية، والحمام يهجر العش بعيداً، تناضل صيدا وصور، وتصعد فوق «العناوين السريعة لوطنٍ مقتول» وتدوي أغنية الشاعر في كل الأركان...
«ليبلغ الحقد حد الإصابة، والرقص حد السماء

فلا شيء يبقى سوانا على الأرض
لا شيء يبقى سوانا على الأرض
لا شيء إلا قناديلنا واحتمال الدماء».. .

8- أزهار في مرمى النيران
دنيا عوض عبده/ قاصّة - القاهرة

كان ليلاً قاسياً.. أصوات المدافع والقصف المجنون تُحيل ليل عيتيت إلى نهار مشتعل رغم الظلام الحالك الذي يلفها في هذا الوقت المتأخر، كانت أصوات القصف والتفجيرات تحمل شرارات النار التي انعكس وهجها على الأبنية النائمة في القرية الرابضة في جوف ربوة من روابي جنوب لبنان.
ربوة يزينها البساط الأخضر الممتد على سفحها مع أشجار اللوز والصنوبر والزيتون المنتشرة في غير انتظام في قلبها ومسالكها.
انتفضت زهرة من فوق سريرها بعد صوت صاعق لقذيفة سقطت بالقرب من منزلها القابع على أطراف القرية، وهرولت صوب حجرة أمها التي ضمت صغيرتها لتستقر في حضنها.. أخيراً تنفست الأم الصعداء بعد أن توقفت أصوات المدافع والتفجيرات التي حولت القرية الوادعة إلى قرية أشباح يسكنها الخوف ورائحة اللوز الممزوجة برائحة الموت.. وطعم الصنوبر المخلوط بعلقم الحياة الضنينة بالأمان لها ولصغيرتها.
نوار اللوز البهيج انطفأ قبل أوانه وذبُل قبل ميعاده، والحصاد.. كل شيء هنا طغى عليه الذبول، رياح الشر السوداء تقتلع الصبايا العفيفات من مخادعهن، وتقطع سواعد الفتية المجبولة على الحب والعطاء.

***

ودّعت أترابها والضحكة تملأ قلبها، والدفء في عينيها، رغم مرارة الحرب وقسوتها ظلت زهرة يانعة، ذهبت إلى منزلها على أمل اللقاء بعائلتها التي تنتظر عودتها كل يوم لتعم السكينة ولو لحظات قليلة في أركان بيتها المكلوم، حيث قُبلة أبيها التي يضعها على جبينها، فتملؤها بالسعادة والحبور، وحضن أمها الذي تنتظره لتعلم أن الحياة ما زال بها من بقية رغم أهوال ومآسي المعارك التي لا تنتهي في حيها المقهور، وتكتمل فرحتها بعد عناقها الطويل لشقيقة روحها وحبها الفطري أختها الصغيرة فتداعبها والآمال تحاوطهما رغم الأسى.
وفي يوم عودتها منتظرة أن تجد أحلامها التي تحتضنها كل يوم وهي تقترب من منزلها، ترددت في جنباتها الضعيفة هزة ورعشة سببتهما صرخة مكتومة لم يسمعها سواها، هرولت مسرعة لتدخل إلى منزلها فإذا بعينيها الصغيرتين المرهقتين الحزينتين تلمحان أشباحاً بشرية لا ملامح لها، سرعان ما انقضّ أحدها على جسدها النحيل وروحها المتعبة وطفولتها المعذبة وأخذ يكمم فاها الصغير فيقصف بروحها كل براءة، تجمع حولها رهط من جند الجريمة وكأنهم فازوا بغنيمة في حرب مقدّسة غنموا فيها سبياً وثنياً من زمن الجاهلية الأولى..
لم تحتمل الصغيرة أيدي الجريمة وهي تنقضّ عليها ولم تحفل الأيدي الوثنية بقلبها المروع ولم يعبأ أحد بحالة الهلع والرعب الذي اكتنف الجسد النحيل الذي زادته قسوة الحياة وهناً على وهن.
وهي على هذه الحال التفتت فإذا بأبيها وأمها وشقيقة روحها ممددة أجسادهم وسط دماء كثيرة جعلت من منزلها الصغير ساحة رعب وهلع لا يحتملها بشر، فقد شوّهت طلقات الإفك التي خرجت من قلوب بائسة مدججة بالحقد والظلم قبل أن تخرج من فوهة مدفع أصمّ أجسادهم، فسقطت مغشياً عليها بين ذراعي الشبح الذي حملها وسط بركة الدماء.
كانت مقلتاها لا تزالان تتعلقان برؤية أمها وهي مسجاة على ظهرها الذي حاول الدهر أن يحنيه فعجز عن فعلته.. وفعلها جند الشر!
لم تنسَ كلمات أمها التي لطالما داعبت مسامعها كلما احتدمت المعارك من حولها لتهدئ من روعها: لا تبتأسي صغيرتي فإن الله معنا.
حملتها الأشباح لتخرج بها من قلب الفاجعة بأيادٍ راجفةٍ شريرةٍ لا تعرف للرحمة والمروءة من سبيل.
وفجأة وعلى حين غرة تعالت صرخات الأشباح بالتهديد والوعيد للمسكينة التي لم تفقه كلماتهم، فلغتهم غريبة عليها وبأسهم الدنيء لم يترك لها سوى الهلع والانكسار..
حملوها إلى حيث لا يدري أحد.. ربما صوب العدم، يطاردهم صوت فيروز "الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان".

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire