نداء وطني للمقاومة الشاملة في وجه العدوان الإسرائيلي على لبنان

 

يواصل الكيان الصهيوني عدوانه على لبنان، دولةً وشعباً وأرضاً، مرتكباً أبشع جرائم الحرب بما في ذلك قتل المدنيّين والتهجير الجماعي وتدمير القرى والمدن واستهداف المنشآت الإقتصاديّة والبُنى التحتيّة وقصف الفرق الطبّية والإسعافيّة وتجمّعات النازحين.
إنّ هذه الجولة من العدوان، على توحّشها، هي امتداد لانتهاك العدوّ الممنهج والمتواصل لالتزاماته بحسب اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في تشرين الثاني 2024. منذ إعلان الإتفاق، واصل العدوّ احتلاله الأرض وقتله المدنيّين وتدميره بيوتهم وممتلكاتهم وتهجيره الجنوبيّين ومنعهم من العودة الى قراهم طوال خمسة عشر شهراً. في المقابل التزمت الدولة اللبنانيّة والمقاومة بالإتّفاق المذكور بشكلٍ كامل. وقد ذهبت السلطة السياسيّة الى أبعد الحدود لتطمين العدوّ بحجّة "سحب الذرائع" فأصدرت قرارات جائرة لمحاصرة المقاومة ماليّاً واجتماعيّاً وتخلّفت عن تنفيذ تعهّداتها في إعادة الإعمار ونكثت التزامها بوضع استراتيجيّة وطنيّة دفاعيّة تحمي لبنان ورفعت من مستوى تمثيلها في التفاوض مع العدوّ. 
لم تفلح هذه السياسة في وقف العدوان أو إلزام العدوّ بشروط وقف الأعمال العدائيّة بل زادته إمعاناً في انتهاك سيادة لبنان. وعندما شنّت المقاومة عمليّتها العسكريّة في 2 آذار، سارعت الحكومة الى إدانتها. إنّ ما يستوجب المساءلة والتنديد هو امتناع الدولة طوال هذه المدّة، التي تعهّدت فيها ببسط سيادتها والتزمت بالإتّفاق، عن الردّ على العدوان وانتهاك السيادة. 
ومع تجدّد العدوان، إتّخذت الحكومة اللبنانيّة مزيداً من الإجراءات المقوّضة للسيادة حيث أمرت الجيش بالإنسحاب من خطّ الحدود قُبيل بدء الغزو ومن دون توفير سُبُل الحماية له ولتمكينه من الدفاع عن الأرض، وجرّمت الأنشطة العسكريّة والأمنيّة للمقاومة وتواطأت سياسيّاً عليها مساويةً بين المقاومة والإحتلال ومبرّرةً بذلك الإجرام الإسرائيلي المتمادي. في المقابل، يخوض المقاومون من أبناء الأرض مواجهات بطوليّة للدفاع عن وطنهم وحفظ سيادته وسلامة أراضيه وأمن شعبه وكرامته.
كلّ ذلك يجري في سياق إقليمي ودولي يشهد حرباً أميركيّة متعدّدة الجبهات تسعى من خلالها واشنطن وحليفتها "إسرائيل" الى إخضاع المنافسين وتحطيم القوى الإستقلاليّة وتطويع الحلفاء في سبيل استعمار الشعوب وسرقة أراضيها ونهب ثرواتها. آخر هذه المغامرات الكبرى هي الحرب العدوانيّة الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران والتي لا تنفصل عن مشروع الصهاينة التوسّعي والمتجدّد لإقامة "إسرائيل الكبرى" وما يمثّله هذا المشروع من تهديد وجودي للبنان تستوجب مقاومته.

وعليه، نحن الموقّعون أدناه (أكاديميّون وباحثون وإعلاميّون ونقابيّيون وناشطون وفنّانون لبنانيّيون) نعلن ما يلي:

إنّ العدوّ الإسرائيليّ، بوصفه كياناً إستيطانيّاً، وإحلاليّاً، وتوسعيّاً، لا يزال يشكّل تهديداً وجوديّاً للبنان. وهو تهديد فشلت القرارات الدوليّة ومحاولات الضغط الدبلوماسي في كبح جماحه.

إنّ تصاعد العدوان الإسرائيلي حاليّاً على لبنان هو امتداد لمرحلة تصعيديّة هجوميّة منذ وصول حكومة اليمين الصهيوني المتطرّف إلى الحكم، مع ما تلاها من تحوّلات بنيويّة طرأت على العقيدة العسكريّة الإسرائيليّة تقوم على منع نشوء ما تصفه تهديداً، وذلك عن طريق استخدام القوّة الإستباقيّة المفرطة وإقامة مناطق عازلة وفرض "حرّية حركة" داخل الإطار السيادي للدول (أي القتل والتدمير كحقّ مكتسب) وفرض استسلام سياسي على دول المنطقة.

إنّ العدوان الإسرائيلي يسعّرالمنطق الطائفي في حربه من أجل التفرقة بين اللبنانيّين. إنّ عدوانه بالأساس لا يستهدف حزباً ولا طائفة ولا منطقة بل غايته دفع لبنان إلى الإنصياع لـ"إسرائيل" كقوّة إقليميّة مهيمنة، وهذا يستدعي إخضاع الدولة اللبنانيّة للمطالب الأمنيّة والسياسيّة الإسرائيليّة وتحويلها حارساً للكيان الصهيوني ووكيلاً عنه لتصفية المقاومة. إنّ مواجهة العدوان ليست مسألة فئة أو منطقة، بل قضية وطنيّة تمسّ أمن جميع اللبنانيّين ومستقبل دولتهم واقتصادهم وحقّهم في العيش بكرامة على أرضهم.

إنّ نهج الحكومة بما فيها قرارات آب 2025 بحصريّة السلاح وصولاً إلى قرار تجريم نشاطات المقاومة العسكريّة والأمنيّة في 2 آذار 2026، وتقصير الدولة تجاه الدفاع عن سكّان المناطق المُستهدفة التي زعمت الدولة أنّها تحت سيادتها، أدّى إلى شرعنة العدوان الإسرائيلي بوصفه شكل من أشكال مكافحة التمرّد وسهّل العقاب الجماعي للمجتمع الداعم للمقاومة حتى ينفضّ عنها.

إنّ سلوك السلطة اللبنانيّة الكارثي تجاه العدوان والمقاومة باعتبارها المشكلة إنّما هو تبديد للسيادة التي لا تقتصر على توصيف قانوني شكلي ممنوح من الخارج، بل تُكتسَب وتُحفظ بالممارسة الحيّة. إنّ تصدّي المقاومة اليوم للعدوان إنّما هو تكريس لمفهوم السيادة كرابطة عضويّة بين الشعب والأرض، تستند إلى الإستمراريّة التاريخيّة والذاكرة الجمعيّة، وتُنتَج ويُعاد إنتاجُها باستمرار عبر الصراع والتضحية، ومن خلال التأكيد اليومي على علاقة الشعب بأرضه.

إنّ فهم الدولة للسيادة بات محصوراً بمطلب احتكارالعنف (أي السلاح)، وهو احتكار لا وجود له فعليّاً، في ظل استمرار الإحتلال والعدوان الإسرائيلي والإملاءات الأميركيّة. ففي ظلّ الإحتلال أو الهيمنة الإستعماريّة، تسبق المقاومة القانون: إنّها الوسيلة التي يواصل من خلالها شعب ما وجوده كذات سياسيّة جماعيّة عندما تُجرَّد السيادة القانونيّة. وعليه، فإنّ تجريم المقاومة ومنع الشعب من الدفاع عن نفسه في ظلّ منع الجيش أيضاً عن القيام بواجبه، هو فعل تبديد للسيادة ومصادرة لحقّ أصيل للناس أقرّته الشرائع والمعاهدات والقوانين كافّة.

إنّ العداء للمقاومة وتحريض الجيش اللبناني عليها والتفاوض السياسي المباشر مع العدو، المرفوض والمُدان، هي مواقف وسياسات تكرّس حالة الإنهزام أمام كيان العدوّ والتبعيّة التامّة للإملاءات الأميركيّة والتنازل عن المسؤوليات السياديّة. وتأتي جيمعها في سياق نهج يريد تحويل لبنان إلى محميّة أميركيّة خاضعة للمشروع الإسرائيلي.
على رئيس الجمهورية، بالنظر إلى موقعه الدستوري، الإلتزام بخطاب القسم ومواقفه التي سبقت وتلت ذلك لناحية اعتبار مسألة سلاح المقاومة مسألة سياديّة غير خاضعة للإملاءات الخارجيّة ويمكن مناقشتها ضمن استراتجية دفاعيّة وطنيّة. وعلى رئيس الجمهوريّة الإيفاء بمسؤوليّته في الدفاع عن لبنان. فقد واظب الرئيس أثناء قيادته للجيش التأكيد علناً وتكراراً على مركزيّة الخطر الإسرائيلي على لبنان ووجوب استكمال تحرير ما تبقى من أرض محتلّة (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) وحقّ المقاومة حتّى التحرير.
في ظل العدوان القائم، ومشروع "اسرائيل" التوسعي، إن التفاوض السياسي المباشر مع العدو ومن موقع الضعف، وبالعموم، لن يؤدي الى أي مكسب بل هو شكل فاضح من أشكال التطبيع والتفريط بالسيادة وبالتالي مرفوض ومدان.

إنّ الدفاع الشامل يضمن للشعب حقّ بل واجب حمل السلاح للدفاع عن الوطن. فحين يتعرّض الوطن للعدوان، يعتمد بقاء الدولة على تعبئة المجتمع بأسره ويصبح الدفاع الشعبي المقاوم ركيزة للأمن الوطني. إنّنا نؤكّد على ضرورة التكامل بين الجيش وأبناء الشعب ممّن يدافعون عن وطنهم في فترة العدوان والحرب الشاملة، وأنّ دفع الجيش اللبناني للتصادم مع الشعب والمدافعين بوجه العدوان يهدّد وحدة البلاد والمصير الوطني. وإنّ تماسك الشعب وتضامنه في وجه العدوان الخارجي، والتنسيق والتكامل بين الدولة والمقاومة في هذه المرحلة، وتوظيف الدولة لكل موارد قوّتها، كلّ ذلك يعزّز قدرة الدولة على الوصول الى إتّفاق لوقف إطلاق النار وتحرير الأرض ومنع الإعتداءات وإعادة الأسرى وحفظ السيادة.

إنّ احتضان ودعم النازحين واجب وطني يقع على عاتق الدولة أوّلاً ثم على عاتق المجتمع كافّة لا سيما قواه السياسيّة والمدنيّة بما فيها المؤسّسات الأهليّة والتربويّة والدينيّة وبما يضمن كرامة النازحين ويخفّف من أعباء النزوح المادّية والمعنويّة. يدفع هؤلاء الضريبة الأكبر بالنيابة عن المجتمع في وجه العدوان. ونُشيد بدور القوى المجتمعيّة الحيّة والمواطنين المقيمين والمغتربين ممن تطوّعوا لغوث النازحين والتخفيف عنهم وهذه مسؤوليّة ينبغي أن تتواصل وترتقي إلى حين عودتهم القريبة إلى مدنهم وبلداتهم.

إنّ خطورة المشروع الصهيوني ضدّ لبنان في مرحلته الراهنة يفرض على  القوى التحرّرية كافة، أفراداً ونخباً ومجموعات، أن تنتظم ضمن مفهوم المقاومة الشاملة التي ينبغي أن تظهر في مناحي الحياة اليوميّة كافّة، وينشغل بها الفضاء العام لا سيّما في ظلّ السطوة الإستعماريّة على وسائل الإعلام التقليديّة في لبنان والمنطقة. إنّ النضال السياسي والجماهيري واجب ضروري ومُلحّ وعاجل. لن نساوم. سنقاوم.

بيروت 
آذار 16، 2026

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire