المقاومة ودولة الكومبرادور

 


د. طنوس شلهوب

في التناقض البنيوي بين التحرير والتبعية.

الحرب على المقاومة في لبنان لم تبدأ اليوم، بل بدأت فعلياً منذ لحظة الانسحاب الإسرائيلي المذل من جنوب لبنان عام 2000، حين سقطت بصورة مدوية أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر». يومها انهارت أيضاً منظومة العملاء الذين هرب كثير منهم خلف جيش الاحتلال، بعدما اكتشفوا فجأة أنهم أصبحوا بضاعة منتهية الصلاحية. في المقابل، تعاظمت في أعين اللبنانيين والعرب صورة المقاومة القادرة على فرض الانتصار. غير أن هذا المشهد لم يولد فجأة؛ فقد كانت بذوره قد زُرعت منذ الرصاصات الأولى التي أطلقت في صدر الاحتلال في بيروت عام 1982 مع انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، قبل أن يبلغ هذا المسار ذروته مع إنجاز التحرير على يد المقاومة الإسلامية. وكما في كل تجارب تحرر الشعوب، كان الثمن الذي دفعه اللبنانيون باهظاً، بل باهظاً جداً.

لكن تحرير الأرض لم يترافق مع مشروع اقتصادي-اجتماعي لفك التبعية عن المركز الإمبريالي. فمهمة كهذه تتطلب قوى داخلية قادرة على خوض معركة طويلة ومعقدة ضد بنية اقتصادية وسياسية متجذرة. وقد جاء ذلك في لحظة تاريخية اتسمت بطغيان إمبريالي عالمي، وغياب ظهير دولي داعم لمشاريع التحرر، إلى جانب تراجع المشاريع «الاستقلالية» التي رفعت شعاراتها قيادات قومية عربية في بلدان مثل سوريا والعراق. أما على الصعيد الداخلي، فقد التحق قسم من «اليسار» بالسلطة وتخلى تدريجياً عن برامجه، بينما كان الحزب الشيوعي اللبناني يرزح تحت وطأة أزمة عميقة وتراجع سياسي وتنظيمي. وفي المقابل، فإن حزب الله، الذي أنجز مهمة التحرير العسكرية، لم يكن يمتلك برنامجاً اقتصادياً-اجتماعياً بديلاً عن النموذج الريعي الذي كرسته البرجوازية الكومبرادورية في لبنان.

غير أن الانتصار العسكري للمقاومة لم يترافق مع تحول موازٍ في البنية الاقتصادية للدولة. فلبنان بقي أسيراً لنموذج اقتصادي ريعي يقوم على الخدمات المالية والمصرفية والتحويلات الخارجية، وهو نموذج يعيد إنتاج التبعية للمراكز الرأسمالية العالمية. وهكذا نشأ تناقض موضوعي: مقاومة تواجه المشروع الإمبريالي عسكرياً، ودولة يستند اقتصادها إلى علاقات عضوية مع هذا المشروع نفسه. وفي مثل هذا السياق يصبح الانتصار العسكري، مهما كان كبيراً، محكوماً بقيود البنية الاقتصادية التي تحتضنه.

ولا يتعلق الأمر فقط بمواقف قوى سياسية أو اصطفافات ظرفية، بل بطبيعة الدولة نفسها. فالدولة اللبنانية التي نشأت في ظل الانتداب لم تتشكل كدولة سيادة وطنية مكتملة، بل كإطار لإدارة التوازنات الطائفية والاقتصادية المرتبطة بالخارج. لقد صُمم هذا الكيان ليكون مساحة تسوية بين مصالح داخلية متشابكة مع مصالح دولية، أكثر مما صُمم ليكون دولة قادرة على خوض صراع طويل مع منظومة الهيمنة العالمية. ومن هنا كان التوتر شبه الدائم بين مشروع مقاومة يسعى إلى فرض معادلة سيادية، وبنية دولة تقوم وظيفتها الأساسية على تجنب مثل هذا الصدام.

كما أن العداء للمقاومة داخل بعض الأوساط اللبنانية لا يرتبط فقط بالخلاف حول السلاح أو حول العلاقة مع إسرائيل، بل يعكس خوفاً اجتماعياً وطبقياً من التحولات التي قد يفرضها ميزان القوى الذي صنعته المقاومة. فصعود قوى اجتماعية كانت تاريخياً مهمشة في البنية السياسية والاقتصادية للبلاد يهدد التراتبية التقليدية التي حكمت المجتمع اللبناني لعقود سابقة، وهو ما يدفع بعض النخب إلى النظر إلى المقاومة ليس فقط كقوة عسكرية، بل كعامل محتمل لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع نفسه.

وهنا يبرز السؤال الأعمق الذي يفرضه هذا المسار كله: هل يمكن لمشروع مقاومة طويل الأمد أن يستقر فعلاً داخل دولة تقوم بنيتها الاقتصادية والسياسية على منطق التبعية؟ أم أن هذا التناقض البنيوي سيظل يعيد إنتاج نفسه في أزمات متلاحقة؟

في هذا السياق، تبدو الطائفية في لبنان أبعد بكثير من كونها «مرضاً» عابراً يمكن معالجته ببعض الإصلاحات السياسية. فهي في جوهرها الشكل التاريخي الخاص لبنية السلطة في البلد، ووظيفتها الأساسية ضمان إعادة إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية، بما يخدم مصالح المركز الإمبريالي في الخارج، والبرجوازية الكومبرادورية في الداخل.

بعد أحداث 11 أيلول 2001، سعت الإمبريالية الأميركية إلى إعادة تشكيل المنطقة العربية بما يتجاوز ترتيبات سايكس-بيكو التي لم تعد، في نظرها، قادرة على تأمين مصالحها الاستراتيجية. كان الهدف المركزي يتمثل في دمج المشروع الصهيوني في المنطقة باعتباره جزءاً عضوياً من نظامها السياسي والاقتصادي، مستفيدة من التراجع التاريخي لحركة التحرر الوطني العربية، ومن انتقال مركز الثقل في القضية الفلسطينية من حركة مقاومة إلى سلطة متعايشة مع الاحتلال. في هذا السياق، شكلت المقاومة في لبنان إحدى أبرز العقبات أمام هذا المشروع، وهو ما دفع إسرائيل إلى شن حربها المدمرة على لبنان عام 2006 أملاً في سحق المقاومة وفرض شروط الاستسلام عليها. غير أن نتائج الحرب جاءت معاكسة لتلك التوقعات؛ فبالرغم من الدمار الهائل والخسائر البشرية والتهجير، تمكنت المقاومة من منع الجيش الإسرائيلي من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، بل وألحقت به هزيمة واضحة.

بعد عام 2005، ومع التحولات السياسية التي شهدها لبنان، انتقلت القوى السياسية المعادية للمقاومة – والتي تعبر في جوهرها عن مصالح البرجوازية اللبنانية المرتبطة بالخارج – من مرحلة التعايش القلق مع وجود مقاومة مسلحة إلى مرحلة العداء العلني لها، برعاية خليجية وإدارة أميركية مباشرة للصراع.

ومع طوفان الأقصى ودخول المقاومة اللبنانية في حرب الإسناد، ارتفع منسوب الخطاب المعادي للمقاومة إلى مستويات غير مسبوقة من التحريض. ولم يقتصر الأمر على مهاجمة خيار المقاومة نفسه، بل امتد ليطال البيئة الاجتماعية التي تشكل حاضنتها الأساسية، مستعيداً صوراً تاريخية من التهميش والاستغلال الاجتماعي الذي عانت منه شرائح واسعة من هذه البيئة. وقد اختلط في هذا الخطاب البعد الاجتماعي بالتحريض الطائفي وبالسخرية من العادات والطقوس الدينية، في محاولة واضحة لتفكيك النسيج الاجتماعي وإذكاء الانقسامات الداخلية، بما يخدم مشاريع التفتيت التي تُرسم للمنطقة.

اليوم تمر المقاومة في لبنان بمرحلة شديدة الصعوبة، في ظل العدوان الأميركي-الصهيوني المتواصل على إيران وعلى بقية قوى محور المقاومة. فهي لا تواجه فقط آلة القتل والتدمير الإسرائيلية، بل أيضاً قوى داخلية ربطت مشروعها السياسي صراحة بالمحور الأميركي-الإسرائيلي، وذهبت بعيداً في رهاناتها إلى حد المجازفة بالسلم الأهلي من أجل كسر المقاومة أو نزع سلاحها. وخلال الفترة التي تلت حرب الاسناد وبنتيجة الضربات التي وُجهت للمقاومة، عملت الولايات المتحدة على إعادة تركيب السلطة في لبنان – سياسياً وقضائياً وأمنياً – بما ينسجم مع مشروعها لإلحاق لبنان بالمشروع الابراهيمي، بالتوازي مع إدارة مكثفة للحرب الإعلامية والنفسية بهدف إضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة واستنزاف قدراتها البشرية والسياسية.

إن صمود إيران واستمرار المقاومة في لبنان في مواجهة هذه الحرب الوجودية قد يفرضان في نهاية المطاف توازناً جديداً يدفع التحالف الامبريالي الصهيوني المعادي إلى تقديم تنازلات. غير أن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد كل هذه التضحيات يبقى سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد: كيف يمكن لمقاومة خاضت معركة وجودية دفاعاً عن الوطن أن تتعايش مستقبلاً مع قوى داخلية لم تكتفِ بمعارضتها، بل ذهبت إلى حد التواطؤ مع الأعداء لقطع رأسها؟

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire