الحروب على موائدنا: النفط والغذاء والامبريالية

 


د. طنوس شلهوب

يشهد الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة موجة جديدة من القلق والاضطراب نتيجة الارتفاع المتسارع في أسعار الطاقة، وهو ارتفاع يرتبط بالعدوان الصهيواميركي على إيران والطريقة التي تواجه فيها الجمهورية الاسلامية هذا العدوان، بما في ذلك استخدام مضيق هرمز كإحدى أدوات المواجهة. وقد انعكس هذا التصعيد سريعا على أسواق النفط العالمية، إذ إن منطقة الخليج تُعدّ من أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، كما أنها تشرف على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في تجارة النفط العالمية، وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط من الخليج إلى بقية العالم.

في مثل هذه الظروف، لا تحتاج الأسواق إلى حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات حتى ترتفع الأسعار؛ فمجرد احتمال تعطل تدفق النفط أو تعرض طرق الشحن للخطر يكفي لإثارة موجات من المضاربة والقلق في الأسواق العالمية. ولذلك عادة ما تؤدي الأزمات العسكرية في هذه المنطقة إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز، نتيجة ما يسمى في الاقتصاد بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية». فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر النفط في بعض فترات تصاعد الأزمة بنسبة تجاوزت 20–30٪ خلال أسابيع قليلة، وهو ما أثر مباشرة على تكاليف النقل والتصنيع الزراعي والصناعي.

غير أن أثر ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى محصورا في قطاع النفط والغاز وحده، بل يمتد تدريجيا إلى مجمل الاقتصاد العالمي. فالطاقة في الاقتصاد الحديث ليست مجرد سلعة بين سلع أخرى، بل هي عنصر أساسي يدخل في إنتاج معظم السلع والخدمات. الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن كل زيادة 10٪ في أسعار النفط تؤدي تقريبا إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 0.25–0.5٪، بينما يرتفع التضخم العام بنسبة 0.1–0.3٪، وهو ما يظهر حجم الحساسية الاقتصادية للمعيشة اليومية تجاه صدمات الطاقة.

في قطاع الغذاء تحديدا، يظهر تأثير الطاقة بوضوح شديد. فالزراعة الحديثة لم تعد نشاطا يعتمد فقط على الأرض والمياه والعمل البشري، بل أصبحت نشاطا صناعيا كثيف الاستخدام للطاقة. فالجرارات وآلات الحراثة والحصاد تعمل بالوقود، وأنظمة الري تعتمد على مضخات كهربائية أو تعمل بالديزل، كما أن نقل المنتجات الزراعية من الحقول إلى مراكز التخزين ثم إلى المصانع والأسواق يحتاج إلى شبكة واسعة من وسائل النقل التي تعتمد على الوقود. إنتاج الأسمدة الكيميائية، خصوصاً النيتروجينية، يرتبط بشكل مباشر بأسعار الغاز الطبيعي، الذي يشكل المادة الأساسية في تصنيعها.

بعد مرحلة الإنتاج الزراعي تأتي مرحلة التصنيع الغذائي، وهي بدورها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة. عمليات الطحن والتعليب والبسترة والتجميد والتخزين كلها تعتمد على الطاقة، كما أن مرحلة النقل والتوزيع تضيف تكاليف أخرى ترتبط بالوقود، فتنعكس في النهاية على السعر النهائي للسلع الغذائية.

الأمر نفسه ينطبق على قطاع الخدمات. فالكثير من الخدمات مثل النقل العام والخاص، والشحن، والخدمات اللوجستية، والبناء، والسياحة، وحتى بعض الخدمات الصحية، تعتمد على الطاقة لتشغيل المعدات أو لنقل الأشخاص والبضائع. وعندما ترتفع أسعار الوقود، ترتفع تكاليف تشغيل هذه القطاعات، فتنعكس الزيادة في نهاية المطاف على الأسعار التي يدفعها المستهلك.

وقد قدمت التطورات الاقتصادية العالمية مثالا واضحا على هذه العلاقة البنيوية بين الطاقة والغذاء خلال العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا. فارتفاع أسعار النفط والغاز بنسبة أكثر من 50٪ خلال شهور قليلة أدى إلى ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي بنحو 20–30٪، حسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، رغم أن الإنتاج الزراعي نفسه لم يتغير بشكل كبير. ولم يكن السبب فقط تعطل صادرات الحبوب، بل أيضاً الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة والنقل والطاقة المستخدمة في الزراعة والصناعات الغذائية.

وتشير الدراسات إلى أن الطاقة تمثل 10–15٪ من تكلفة الإنتاج الزراعي، و5–15٪ من تكلفة النقل، وقد تصل إلى 50٪ من التكاليف المتغيرة في بعض الصناعات الغذائية. هذه النسب توضح كيف تنتقل الصدمات في أسواق النفط بسرعة إلى الأسعار النهائية للمستهلك، وهو ما يعكس حجم الاعتماد البنيوي على الطاقة في الاقتصاد الغذائي الحديث.

في ضوء هذه التطورات، بدأ الباحثون في الاقتصاد السياسي والاقتصاد البيئي يتحدثون عن مفهوم «النظام الغذائي كمنظومة طاقة مقنّعة». فالوجبة التي تصل إلى موائد الناس ليست مجرد نتاج الأرض والعمل البشري، بل هي نتيجة استهلاك هائل للطاقة في كل مرحلة من مراحل إنتاجها: من تشغيل الجرارات، وإنتاج الأسمدة، إلى النقل والتصنيع والتخزين والتوزيع. من هذا المنظور، يمكن فهم سبب الترابط الوثيق بين أسعار النفط وأسعار الغذاء، حيث يؤدي ارتفاع الطاقة تلقائياً إلى ارتفاع تكاليف النظام الغذائي بأكمله.

خلاصة القول إن الطاقة تمثل البنية التحتية الخفية للاقتصاد الحديث. وهي ليست مجرد سلعة، بل المدخل الأساسي لإنتاج الغذاء والخدمات. ولذلك، فإن أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة ينتقل بسرعة إلى بقية الاقتصاد ليظهر في شكل ارتفاع ملموس في أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية التي تمس حياة الناس اليومية.

إن ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات بنتيجة الحروب التي تشعلها الامبريالية هو نتاج مباشر لسيطرة رأس المال على النظام العالمي للطاقة والغذاء. صدمات النفط والحروب هي أدوات سياسية واقتصادية تُستخدم لإعادة توزيع التكاليف على الفئات الشعبية، بينما تتعاظم أرباح النخبة والاحتكارات. موائد الناس تصبح هنا ساحة دفع الثمن اليومي للسياسات الإمبريالية: كل زيادة في سعر البنزين أو القمح تعكس ليس عجز الأسواق، بل الآليات البنيوية للعالم الرأسمالي الذي يحوّل أزمات الطاقة إلى أرباح.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire