الحجاب،او حين تتقدّم الهوية على الأزمة

 


د. طنوس شلهوب 

في مقاطعة كيبيك Quebec الكندية، حيث تعاني المدارس من نقص حاد في المعلمين، يبدو فصل مئات العاملين في قطاع التعليم بسبب الحجاب تطبيقا لقانون علمانية الدولة مفارقة صارخة. غير أن قراءة الحدث بمعزل عن سياقه الاقتصادي والسياسي الأوسع تُفقده معناه الأعمق.
ففي ظل أزمات متراكمة تضرب الاقتصادات الغربية — من تضخم، وارتفاع كلفة المعيشة، وتآكل الخدمات العامة — تجد الأحزاب المهيمنة نفسها أمام حاجة دائمة إلى إعادة إنتاج شرعيتها الشعبية. هنا تتقدّم سياسات الهوية بوصفها أداة تعبئة فعّالة. يصبح “الرمز الديني” موضوعا للصراع، فيما تتراجع أسئلة تمويل التعليم، وشروط العمل، وتعمد اهمال القطاع الصحي الحكومي لمصلحة الخصخصة، وإعادة توزيع الثروة، في وقت تُنفق فيه مليارات الدولارات على التسلح وعلى دعم اوكرانيا بهدف استنزاف روسيا.
إن قانون 21 الذي أقرّته حكومة فرنسوا ليغو François Legault يُقدَّم كتكريس لحياد الدولة، لكنه في الممارسة يطال فئات محددة من المهاجرين، (في ظل تطبيق سياسات تعبئة وتحريض ضد المهاجرين عموماً، وتقليص برامج دائرة الهجرة، في محاولة لتحميل المهاجرين المسؤولية عن الازمة المعيشية)، ويعيد رسم حدود الانتماء الوطني. في لحظات الأزمات الرأسمالية، غالبا ما يُعاد توجيه الغضب الاجتماعي نحو “الآخر” بدل أن يُوجَّه نحو بنية النظام ذاته. وهنا يتحول المهاجر، أو المرأة المحجبة تحديدا، إلى ساحة رمزية يُخاض عليها صراع أعمق يتعلق بالهوية والسيادة والانتماء.
لا يعني ذلك أن كل نقاش حول العلمانية هو بالضرورة تعبير عن عنصرية واعية، لكن الخطر يكمن حين تُستخدم مبادئ عامة لتبرير سياسات إقصائية في وقت تحتاج فيه القطاعات العامة إلى كل يد عاملة مؤهلة. عندها تصبح الهوية بديلا عن السياسة الاجتماعية، ويغدو الصراع الثقافي ستاراً للتغطية على جوهر الأزمة الاقتصادية للرأسمالية.
بهذا المعنى، ليست المسألة مجرد خلاف حول الحجاب، بل مؤشر على لحظة تاريخية تتقدّم فيها الإدارة الرمزية للخوف، مثل كل مرة تواجه فيها الرأسمالية ازمة بنيوية، فانها تغذي الاتجاهات العنصرية والفاشية واليمينية المتطرفة لاعادة انتاج هيمنتها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire