! الاغتيالات والسياسة: قراءة ونصوص من شهادة جورج البطل

 


د. طنوس شلهوب

في النقاش الدائر حول الاغتيالات التي طالت رفاق وكوادر الحزب الشيوعي اللبناني، كثيراً ما تُقدم هذه المرحلة من الصراع، ومن الأثمان التي دفعها الشيوعيون، من دون الرجوع إلى المصادر الأصلية أو تحليل الخلفيات السياسية المعقدة. إن العودة إلى الشهادات المباشرة تبقى أساساً لفهم المرحلة، وتسمح بعدم الوقوع في الاعتباطية او التعسف عند مراجعة تلك المرحلة، لأن الفهم الصحيح للتاريخ هو ضروري لصياغة مهام الحاضر والمستقبل.
من هذا المنطلق، أستعرض هنا نصوصاً من كتاب جورج البطل: أنا الشيوعي الوحيد، حيث يقرأ الاغتيالات في سياقات الخلافات السياسية الداخلية والتحالفات الإقليمية. هذه المقاربة تتيح تفكيك الفرضيات المتداولة حول المسؤوليات والخلفيات، وتقدّم إطاراً أكثر دقة لفهم الصراع على القرار السياسي وموقع الحزب ضمنه، بعيداً عن التكرار الشعاري أو التفسير السطحي والاعتباطي للأحداث. 
الحلقة الاولى. (الصفحة 280 - 283)
فترة الاغتيالات 
انتهى دورنا عمليّاً في الحرب الأهلية مع الاجتياح الإسرائيلي. صحيح إننا واكبنا الحرب وبقي لدينا مقاتلون على خطوط التماس التي لم تلغِ. لكن تركزت اهتماماتنا العسكرية على المقاومة لست أستطيع القول بأننا خرجنا من هذه الحرب التي لم تعد حرباً وعاثوا فيها فساداً في مقابل انشغال الآخرين بكيفية إحضار رئيس جمهورية واستكمال الحرب. وفي المنطقة الواحدة أصبح هناك سلطات متنافسة ما أفقد الحرب طابعها. وقد حصل ذلك في منطقتين، لذلك تحوّلت إلى حرب عبثية بكل ما للكلمة من معنى. ولم يكن الهدف من الاستمرار في الحرب سوى استباحة بيروت والنهب والسرقة عبر عصابات تعيث فيها فساداً.
طفح الكيل، لكننا في الوقت نفسه اضطررنا للدفاع عن أنفسنا. ازداد فجور حركة أمل والحزب الاشتراكي في بيروت. لكن فجور أمل أمامنا لم يتمحور فقط حول تاريخ الضاحية الجنوبية وما جرى فيها، بل أصبحوا يضيقون علينا حتى في بيروت، يزعجوننا ويعتدون على مراكزنا. طفح الكيل عندما وصل الاعتداء إلى مكاتب جريدة «النداء» ما أدى إلى استنفار الحزب جميع قواه. ويبدو أن التنافس بين الاشتراكي وأمل على بيروت والسيادة عليها جاء لصالحنا لأن الاشتراكيين تحالفوا معنا في المعركة ضد أمل. وقعت معركة سريعة خرجت أمل من بيروت بالكامل إلى خلف («الجامعة العربية»).
وكانت تلك فترة الاغتيالات. اغتيل حسين مروة ومن بعده حسن حمدان، وقبلهما خليل نعوس. سهيل طويلة اغتيل قبل حسن، بعد أسبوع فقط من اغتيال نعوس. بينما نحن نتلقى التعازي بخليل نعوس، جورج حاوي وأنا طلبنا من سعد الله مزرعاني بأن لا يسمح لسهيل بالذهاب إلى والدته كما يفعل كل يوم أحد كي لا يتوتر الوضع بيننا وبين حزب الله حول السفارة الإيرانية في منطقة كورنيش المزرعة حيث تقيم الوالدة. وقع حينها اشتباك بين شباننا وشباب حزب الله أصيب واحد منهم بشلل أو هو توفي عند جدران السفارة. وافق سعد الله على الأمر.
وعندما انتهينا من تلقي التعازي في مقرنا بوطى المصيطبة، سهر الشباب ولعبوا الورق. وعندما خلد الجميع للنوم، غادر سهيل إلى منزله مستخدماً سيارة الجريدة، ولم يعترضه أحد لأنه رئيس تحريرها. ومنزله معروف، وعلى الأرجح سأل المسلحون إخوة سهيل عنه، وعندما عرفوا أنه في المنزل أخرجوه أول مرة وهو يرتدي ثياب النوم ثم أعادوه إلى المنزل، ولا أعلم ما إذا كان بمقدوره الفرار بعد إعادته إلى البيت أول مرة. لكنهم بعد مرور نصف ساعة أخرجوه للمرة الثانية. بكى والداه العجوزان وطلبا من المسلحين إفلاته مراعاةً للجيرة. لم يكثرث المسلحون، قتلوا سهيل ونكّلوا بالجثة بطريقة فظيعة ثم رموها في منطقة النورماندي على مقربة من النفايات.
أثار مقتل سهيل طويلة حالة ذعر في البلد وقد حصلنا على أخبار أكيدة حول صدور تكليف شرعي بقتله لأنه شيوعي ومسيحي. هناك التباس حول هوية مصدر التكليف. دار الحديث حول مسؤولين رفيعي المستوى، لكن ما يهم أن الفتوى صدرت بقتل سهيل وذلك قبل نشوب المشكلة بيننا وبين أمل بأكثر من سنة وقبل مقتل حسين مروة. عرفت هذه الفترة اغتيالات كثيرة وإن لم تكن بمستوى قتل سهيل. قُتل لنا رفاق في الميناء، بينهم كوادر مهمة في الحزب لكن ليسوا قادة أو أعضاء مكتب سياسي أو أعضاء لجنة مركزية أو صحافيين بمستوى سهيل. على سبيل المثال قتل لنا طبيب من آل عبد الصمد في مكتب («النجدة الشعبية») في صيدا وهو في الأصل من عماطور.
كثرت الاغتيالات ولم تتوقف إلا بعدما أخذ الحزب الشيوعي يطبق مبدأ «العين بالعين والسن بالسن». وصلوا إلى وقت رأوا فيه أن الحزب لم يعد يحتمل. يومها تدخل محمد حسن فضل الله، ودعا إلى توقف القتال لأن الطرفين أصبحا متعادلين والحكاية انتهت. وكان هذا الأمر طبيعياً لأن المنفذين هم آخر اهتماماتنا.
كنا في ذلك الحين على صراع جدي مع النظام السوري. خلال اجتماع في الشام عقده عبد الحليم خدام دعا إليه جميع الأطراف، حضرنا أنا وجورج حاوي ووليد جنبلاط. أخبرناهم أننا لا نكترث لحزبنا أو شعبنا، لقد دمرنا لبنان من أجل دعم الثورة الفلسطينية، والآن ونذبح هذا الشعب، تساءلنا عمَّ نقول لعائلات مئات آلاف القتلى ولمَن دُمّرت وأُحرقت منازلهم، ناهيك عن موقفنا المبدئي فنحن انخرطنا في هذه الحرب دفاعاً عن الثورة الفلسطينية، لذلك نحن لا نقدر على هذه (المشاركة إلى جانب حركة أمل في الحرب ضد المخيمات الفلسطينية). وعلى كل حال نحن لسنا أصحاب قرار، فهذا يعود إلى المكتب السياسي ونحن نريد العودة إلى بيروت وإطلاع المكتب على الأمر. غادر وليد إلى بيروت ولم يقل شيئاً. لم يناقش مع أحد أو يعلن موقفه. رضخ الآخرون وقالوا («أمرك سيدنا»).
لم يشارك حزب الله في الحرب الأهلية في تلك الفترة بسبب انشغاله بخطف أشخاص لصالح الاستخبارات الإيرانية، ولم يكن في ذلك الحين قد دخل في النسيج السياسي. كان بعض مؤسسي حزب الله من حركة أمل، وقد تأسس رسمياً في العام 1985م. وهؤلاء هم الذين ذهبوا إلى إيران، وهو لم يشارك في حرب المخيمات لكثير من الأسباب منها موقفه من القضية الفلسطينية، ولم يشارك حينها في عمليات المقاومة إلا الكبيرة المركبة التي نسبت له على الرغم من أنها كانت أكبر من قدراته.
غادرنا دمشق وبالفعل بدأ التحول عند بدء الاغتيالات. أول الضحايا أحمد المير ونعرف قصة اغتياله، إذ اغتيل من قبل جماعة من جبل محسن لأنه اشتبك معهم في الحرب ضد النظام السوري. والأرجح أن قتلته من آل عيد. كان المير نشيطاً جداً في معركتنا ضد النظام السوري في طرابلس، أي إن اغتياله كان مرتبطاً بحالة معينة. لكن تصفيتنا نحن كحزب فقد ارتبطت باستراتيجية لإضعاف الفلسطينيين وإضعافنا معاً

(يتبع)


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire