د. طنوس شلهوب
في لبنان، حيث تتقاطع الانقسامات الطائفية والمناطقية مع الواقع اليومي المتصدع تحت دخان الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، والأزمات المعيشية الخانقة، وسقوط الأبنية المتهالكة على رؤوس قاطنيها، يظل الفن الشعبي، وخاصة الدبكة اللبنانية، من أكثر عناصر الثقافة اللبنانية قدرة على نشر الفرح وإشاعة روح الوحدة بين الناس. هذه الرقصة الجماعية ليست مجرد عرض بصري، بل تجربة اجتماعية تحمل قيم الفرح في المناسبات العامة والخاصة، والمشاركة من خلال شبك الأيادي والضبط الايقاعي لحركات الجسم والأرجل، والاحتفال بالهوية الثقافية المشتركة. من هذا المنطلق، فأن أي نشاط يخص الدبكة أو الفنون الشعبية يُفترض أن يكون فرصة لنشر الفرح وتعزيز الوعي الثقافي، لا لاستثمار الانقسامات الجاهزة بين المناطق.
لكن المثال العملي في برنامج المنافسة الفنية "يللا ندبك" بيّن خلاف ذلك، البرنامج الذي بثته قناة المر المتصهينة، (المتميزة بدورها في الدفاع عن المصارف والطغمة المالية وتسويقها الفج للسردية الإسرائيلية وممارستها للتحريض ضد المقاومة والبيئة الشعبية الحاضنة لها)، ربط الفوز بالتصويت المناطقي، (واحياناً الطائفي)، فحوّل نشاطا ثقافيا إلى أداة في استثارة الانقسامات.
إذا كان الهدف فعلًا دعم الفن الشعبي، فثمة بدائل مهنية مثل:
تحكيم اختصاصي من أساتذة في الكيروغرافيا، الموسيقى الفولكلورية، تصميم الأزياء، والتاريخ الشعبي، وعرض تعريفي ثقافي بكل فرقة، وفصل الفن عن التصويت الهويّاتي، أي جعل التقييم من صلاحية لجنة التحكيم المشهود لأعضائها بالمهنية والاحتراف، لا بتعبئة جمهور مناطقي، والتأكيد على التعدد داخل الوحدة، أي إبراز كيف تتقاطع الدبكة أو الرقصات الشعبية بين مناطق لبنان بدل تصويرها كرايات متقابلة.
إن إدخال المناطق في آلية المنافسة ليس تفصيلًا بسيطاً. إنه خيار إنتاجي. في مجتمع منقسم طائفياً ومناطقياً، المنطقة ليست مجرد جغرافيا؛ إنها حاملة دلالات سياسية ورمزية. وعندما تتحول المنافسة إلى “صوّت لابن منطقتك”، يصبح الفن أداة لتعبئة عصبية جاهزة. إن تحييد الفن الشعبي عن منطق الاستقطاب يعزز الاحتفاء بالذاكرة المشتركة ويحد من استخدام الإعلام كأداة لإعادة إنتاج الانقسامات.
هنا، يبرز دور وزارة الثقافة كجهة مؤسساتية مسؤولة عن حماية التراث الشعبي وتعزيز قيمه الجامعة. فمن خلال تنظيم برامج ومهرجانات رسمية، ودعم مبادرات تعليمية للفنون الشعبية، والإشراف على محتوى الإعلام الثقافي، يمكن للوزارة أن تضمن أن تتحول الدبكة والفنون الشعبية من مجرد عروض تنافسية إلى أدوات تعليمية وتراثية، تعزز الوحدة، وتنشر الفرح، وتعلّم الأجيال القادمة قيمة تراثها وتنوعه بين المناطق.
المسؤولية الإعلامية، إذًا، لا تقتصر على تجنب التحريض المباشر، بل تتطلب تصميم برامج تقدم الفن الشعبي كأداة للتعليم، للاحتفاء بالتراث ونشر عناصره الفنية والأدبية من زجل وشعر، ولتعزيز الوحدة الثقافية، بدل أن يتحول إلى ساحة صراع ومصدر استقطاب. في هذا الإطار، يصبح النشاط الشعبي ليس مجرد عرض فني، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة المشتركة للبنان، ولتعليم الأجيال القادمة قيمة تراث الدبكة وغيرها من الفنون الشعبية مثل الزجل، والاحتفاء بتنوعه وتقاطعه بين المناطق.
في لبنان، حيث تتقاطع الانقسامات الطائفية والمناطقية مع الواقع اليومي المتصدع تحت دخان الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، والأزمات المعيشية الخانقة، وسقوط الأبنية المتهالكة على رؤوس قاطنيها، يظل الفن الشعبي، وخاصة الدبكة اللبنانية، من أكثر عناصر الثقافة اللبنانية قدرة على نشر الفرح وإشاعة روح الوحدة بين الناس. هذه الرقصة الجماعية ليست مجرد عرض بصري، بل تجربة اجتماعية تحمل قيم الفرح في المناسبات العامة والخاصة، والمشاركة من خلال شبك الأيادي والضبط الايقاعي لحركات الجسم والأرجل، والاحتفال بالهوية الثقافية المشتركة. من هذا المنطلق، فأن أي نشاط يخص الدبكة أو الفنون الشعبية يُفترض أن يكون فرصة لنشر الفرح وتعزيز الوعي الثقافي، لا لاستثمار الانقسامات الجاهزة بين المناطق.
لكن المثال العملي في برنامج المنافسة الفنية "يللا ندبك" بيّن خلاف ذلك، البرنامج الذي بثته قناة المر المتصهينة، (المتميزة بدورها في الدفاع عن المصارف والطغمة المالية وتسويقها الفج للسردية الإسرائيلية وممارستها للتحريض ضد المقاومة والبيئة الشعبية الحاضنة لها)، ربط الفوز بالتصويت المناطقي، (واحياناً الطائفي)، فحوّل نشاطا ثقافيا إلى أداة في استثارة الانقسامات.
إذا كان الهدف فعلًا دعم الفن الشعبي، فثمة بدائل مهنية مثل:
تحكيم اختصاصي من أساتذة في الكيروغرافيا، الموسيقى الفولكلورية، تصميم الأزياء، والتاريخ الشعبي، وعرض تعريفي ثقافي بكل فرقة، وفصل الفن عن التصويت الهويّاتي، أي جعل التقييم من صلاحية لجنة التحكيم المشهود لأعضائها بالمهنية والاحتراف، لا بتعبئة جمهور مناطقي، والتأكيد على التعدد داخل الوحدة، أي إبراز كيف تتقاطع الدبكة أو الرقصات الشعبية بين مناطق لبنان بدل تصويرها كرايات متقابلة.
إن إدخال المناطق في آلية المنافسة ليس تفصيلًا بسيطاً. إنه خيار إنتاجي. في مجتمع منقسم طائفياً ومناطقياً، المنطقة ليست مجرد جغرافيا؛ إنها حاملة دلالات سياسية ورمزية. وعندما تتحول المنافسة إلى “صوّت لابن منطقتك”، يصبح الفن أداة لتعبئة عصبية جاهزة. إن تحييد الفن الشعبي عن منطق الاستقطاب يعزز الاحتفاء بالذاكرة المشتركة ويحد من استخدام الإعلام كأداة لإعادة إنتاج الانقسامات.
هنا، يبرز دور وزارة الثقافة كجهة مؤسساتية مسؤولة عن حماية التراث الشعبي وتعزيز قيمه الجامعة. فمن خلال تنظيم برامج ومهرجانات رسمية، ودعم مبادرات تعليمية للفنون الشعبية، والإشراف على محتوى الإعلام الثقافي، يمكن للوزارة أن تضمن أن تتحول الدبكة والفنون الشعبية من مجرد عروض تنافسية إلى أدوات تعليمية وتراثية، تعزز الوحدة، وتنشر الفرح، وتعلّم الأجيال القادمة قيمة تراثها وتنوعه بين المناطق.
المسؤولية الإعلامية، إذًا، لا تقتصر على تجنب التحريض المباشر، بل تتطلب تصميم برامج تقدم الفن الشعبي كأداة للتعليم، للاحتفاء بالتراث ونشر عناصره الفنية والأدبية من زجل وشعر، ولتعزيز الوحدة الثقافية، بدل أن يتحول إلى ساحة صراع ومصدر استقطاب. في هذا الإطار، يصبح النشاط الشعبي ليس مجرد عرض فني، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة المشتركة للبنان، ولتعليم الأجيال القادمة قيمة تراث الدبكة وغيرها من الفنون الشعبية مثل الزجل، والاحتفاء بتنوعه وتقاطعه بين المناطق.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire