! زيارة بلا دولة

 


د. طنوس شلهوب

لم تكن زيارة نواف سلام إلى الجنوب حدثاً سياسياً بقدر ما كانت مشهداً مُعدّاً بعناية، جرى تحميله أكثر مما يحتمل، وتوظيفه خارج سياقه الفعلي. فالزيارة، بما رافقها من وعود فضفاضة وتغطية إعلامية كثيفة واستقبال  نيابي وشعبي، قُدّمت كعلامة فارقة، فيما هي في جوهرها جزء من إدارة صورة، لا من إنتاج سياسة.
توقيت الزيارة ليس تفصيلاً عابراً. فهي أتت مباشرة بعد التصويت على الموازنة في مجلس النواب، حيث صوّت نواب الثنائي الشيعي مع الموازنة، ما أنقذ الحكومة من السقوط وأمّن لها استمرارية هشّة. على الارجح، فان  احد دوافع الزيارة هو رد تحية لا اكثر. 
الاستقبال في الجنوب تحوّل سريعاً إلى مادة تأويل أيديولوجي. فبعضهم سارع إلى تصوير المشهد كأنه تعبير شعبي عن “الحنين إلى الدولة” في مواجهة المقاومة، في استدعاء كسول لثنائية مستهلكة تتجاهل واقع الجنوب وتاريخه الاجتماعي والسياسي.
الجنوب لا يحتاج إلى من يلقّنه معنى الدولة، ولا يرى في المطالبة بوقف العدوان الصهيوني المستمر، وبانطلاق اعادة الاعمار وعودة الجنوبيين الى قراهم، اصطفافاً سياسياً ضد هذا الطرف أو ذاك. تحويل الاستقبال إلى رسالة سياسية موجّهة هو تزوير لمعناه الاجتماعي، واستخدام فجّ لمعاناة الناس في بازار السرديات.
في الواقع، فان الزيارة هي مجرّد “همروجة إعلامية”. فالهمروجة هنا ليست فقط في التغطية، بل في وظيفة الزيارة نفسها: إعادة تعويم حكومة بلا مشروع اقتصادي واضح، وبلا أدوات تنفيذ، عبر ضخّ رمزي في مناطق دمرها العدوان الصهيوني ويستمر في التدمير والقتل، وكأن الصورة يمكن أن تحلّ مكان السياسات.
في المحصّلة، لا الدولة حضرت في الجنوب، ولا المقاومة كانت موضوع الزيارة الحقيقي. ما حضر هو محاولة لإنتاج سردية: دولة تُستعاد بالزيارات، وحكومة تُنقذ بالصور، وأزمة تُدار بالخطاب. لكن الدولة لا تُبنى بالرموز، ولا تُقاس بعدد الكاميرات، بل بقدرتها على التخطيط والمحاسبة والتنفيذ. وما دام هذا الغائب الأكبر، تبقى الزيارات استعراضاً، وتبقى “الهمروجة” هي السياسة نفسها، لا ما يحيط بها.
في الواقع، فان الزيارة هي مجرّد “همروجة إعلامية”


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire