رهيف فياض... منظر العمارة الإنسانية

 


رحل الأكثر حرصاً على بيروت، بتاريخها وحاضرها وعمارتها، وعلى ناسها قبل أي شيء. رحل المعمار رهيف فياض (1936 - 2026) أمس، عن عمر ناهز التسعين عاماً. كان مقاوماً بالعمارة كما بالسياسة، وأستاذاً جامعياً ومفكراً وسياسياً ووطنياً، رفض اختزال العمارة في كونها فناً أو وسيلة للربح، ورآها قضية وطنية وثقافة مجتمعية. بالنسبة إليه، المدينة ليست مجموعة مبانٍ، بل فضاءً حياً يتشكل من تفاعل الناس في المجالات العامة. من هذا المنطلق، جاء رفضه الجذري لمشروع وسط بيروت، الذي استبدل القيمة التاريخية بالقيمة التجارية، وطرد الفقراء، وحوّل العاصمة إلى وجهة للأثرياء والمستثمرين وحدهم.

محطات رئيسية
بدأت مسيرة رهيف فياض في قرية بترومين في شمال لبنان، حيث وُلد عام 1936 في بيتٍ مسيّس، مشبع بالكتب والنقاشات الفكرية. هو ابن المربي جبرائيل فياض، الذي لعب دوراً ثقافياً واجتماعياً بارزاً من خلال تأسيسه «جمعية أهل القلم» في طرابلس، وهو ما زرع في الابن شغف القراءة الذي لازمه طوال حياته.
منذ الصبا، راود فياض طموح الجمع بين الهندسة والكتابة. وبنصيحة من صديق العائلة، المهندس أنطون تابت (مؤسس مجلة «الطريق»)، وانتسب عام 1954 إلى «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة» (ALBA). وبعد نيله دبلوم الهندسة المعمارية عام 1963، تنقّل بين عدد من المحترفات، قبل أن يستقر في مكتب أنطون تابت عام 1961، ويتسلّم مسؤولية المحترف عام 1964 بعد رحيل تابت. في تلك المرحلة، بدأت شراكة مهنية طويلة مع جاد أنطون تابت، أثمرت مشاريع بارزة، منها «فندق هيلتون»، والمبنى الثاني من «فندق سان جورج»، و«مبنى المركز الثقافي الروسي» في فردان، واستمرت حتى عام 1986.
اتسعت أعمال فياض لتشمل محطات دولية وإقليمية مهمة، فكان أول معمار يُدخل نظام التصنيع الثقيل إلى العراق، وبنى مسجد الدولة في جيبوتي، وصمّم مشاريع متنوعة في السعودية ومصر والمغرب ولندن وجنيف وتركمانستان وقطر. كما شيّد في روسيا المبنى الرئيسي لأول بنك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأنجز تعديلاً دقيقاً للعمارة الداخلية لبيت باريسي تراثي بما يلائم احتياجات عائلة سعودية.
إلى جانب عمله المهني، برز حضوره النقابي والوطني، إذ انتُخب رئيساً لـ«هيئة المعماريين العرب» عام 2001. وفي عام 2007، تولّى الإشراف على مشروع إعمار ضاحية بيروت الجنوبية لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي عام 2006، وهو المشروع الذي تابعه بالتوازي مع حضوره الثقافي والنقدي، ومن ذلك مطالعته النقدية الموسّعة في صحيفة «السفير» عام 2009 ضد المشروع الفائز بـ«دار الثقافة والفنون في بيروت».

أستاذ ومناضل
لم يكن فياض مجرد أستاذ جامعي درّس مادة التصميم المعماري في الجامعة اللبنانية لأكثر من أربعين عاماً، بل كان «مثقفاً عضوياً» آمن بأن العمارة هي الوجه الآخر للسياسة، وأن المسطرة والقلم يمكن أن يكونا أداتين لتحرير الإنسان والمكان.
بدأت مسيرته السياسية في سن مبكرة، حين انتمى إلى الحزب الشيوعي اللبناني وهو في السادسة عشرة من عمره. ومنذ ذلك الحين، سار في خط نضالي لم يعرف المهادنة. شغل مواقع قيادية في الحزب، لكنه ظل عصياً على القوالب الجاهزة، ناقداً أداء الحزب بمرارة المحب وحرص المناضل الوفي للفكر الماركسي. بالنسبة إليه، لم تكن الماركسية شعارات، بل بوصلة تنحاز للفقراء والمهمشين، وأداة لفهم الكيفية التي تُصاغ بها المدن لخدمة القوى المهيمنة.

العمارة في خدمة الناس
هذه القناعة تجلت في رفضه الفصل بين «المعمار» و«الإنسان»، إذ رأى أن كونه معماراً يمنحه صفة الإنسانية مرتين، لأن العمارة في جوهرها منتج اجتماعي وُجد لتلبية حاجات البشر. لكنه وضع شرطاً صارماً لمنح أي عمل معماري صفته الإنسانية: «يجب أن يكون هادفاً للنهوض بالمجتمع». فالعمارة التي لا تكترث بآلام الناس واحتياجاتهم تفقد فوراً بعدها الإنساني وتتحول إلى جدران صماء.
اعتبر العمارة ضرورة وجودية بدأت منذ لجوء الإنسان الأول إلى الكهف طلباً للحماية. وفي الوقت نفسه، نفى عنها صفة «العلم» بالمعنى الأكاديمي الصرف، كالكيمياء أو الفيزياء، رغم اعتمادها على الرياضيات والتكنولوجيا الرقمية، مفضلاً وصفها بـ«الحاضنة المعرفية المركبة» الواقعة ضمن علوم المجتمع والإنسان.
خاض فياض معركة فكرية شرسة ضد ما أسماه «عمارة المعماريين النجوم» الموالية للفكر الغربي، والتي رأى أنها أغرقت العالم العربي في الاستلاب وفقدان الهوية. في مقابل ذلك، طرح مفهومه الخاص لـ«العمارة المقاومة»، بوصفها عمارة ابنة مكانها، تستخدم المواد المحلية، كما في تجربة حسن فتحي مع عمارة الطين، وتفهم الهوية ككيان متحوّل يتطور بالاحتكاك بالآخر من دون ذوبان. إنها عمارة تقول: «أنا هنا، أعبر عن ذاتي وأرضي».
لم يفصل فياض العمارة عن السياسة والسلطة، معتبراً أن قوانين تنظيم المدن في العالم العربي منحازة للقوى المسيطرة وللقطاع الخاص «الريعي»، الذي يروّج للفكر الغربي من أجل أرباح ضيقة، على حساب جودة حياة الفقراء والأكثرية الساحقة. بالنسبة إليه، لا وجود لقوانين محايدة، فكل بناء هو انعكاس مباشر لموازين القوى داخل المجتمع.
كان يؤكد أن لا شيء اسمه عمارة بالمطلق أو في اللامكان، فالعمارة توجد دائماً في مكان يحمل ثقافة وتاريخاً وإنساناً، ولا يمكن إسقاطها من أعلى لتولد هجينة بلا هوية أو انتماء. العمارة، في نظره، ابنة بيئتها الحاضنة، ومفرداتها ابنة اللغة المتداولة.

إعادة إعمار الضاحية
تجلّت رؤيته للعمارة بوضوح في مقاربته لإعادة إعمار الضاحية بعد الحرب الإسرائيلية عام 2006، إذ انطلقت من إيمان عميق بأن المدينة ليست كتل إسمنتية تُفرض على الواقع، بل كائن حي يولد وينمو ويتشكّل يومياً من تفاعل البشر مع حاجاتهم وضروراتهم. من هنا، اتخذ موقفاً نقدياً حاداً من المشاريع التي تقودها الشركات العقارية الكبرى ورأس المال المتوحش، وفي طليعتها تجربة «سوليدير»، التي رأى أنها اغتالت قلب بيروت عبر تدمير النسيج المديني المتراكم وطرد السكان الأصليين، لصالح أبراج معزولة يسكنها الأغنياء بصورة مؤقتة، محوّلة المدينة إلى مكان بلا مجتمع.
في سياق إعادة الإعمار، طرح فياض منهجية بديلة أسماها فن «الرتي» أو «الخياطة»، في مواجهة المنطق الجراحي الذي يوسّع رقعة الدمار ويهدم المباني المتصدعة جزئياً لخلق فراغات تُرصف فوقها أوهام المدن «المعقمة». دعا إلى حصر الدمار في أضيق نطاق، واعتماد ترميم علمي وفني متين يحافظ على الهيكل العام للمناطق، بما يشمل الشوارع والساحات والدروب المتعرجة وتعدد الوظائف داخل المبنى الواحد، بهدف إعادة إنتاج علاقة الناس بأمكنتهم ومنع شعورهم بالغربة عند العودة.
كان هدفه الجوهري الحفاظ على الذاكرة الجمعية وتفاصيل الحياة اليومية، من الدكان إلى المقهى والشرفة، ليبقى العمران امتداداً طبيعياً للحياة، وأقوى من الحرب وقدرتها التدميرية. كما رفض بشكل قاطع فكرة ترك «دمار وسط الإعمار» كذكرى للحرب، معتبراً ذلك عبثاً بلا جدوى، لأن المقاومة الحقيقية، في رأيه، تتجسد في التشبث بالأرض وبنائها من جديد بروحها المألوفة، وواجهاتها المعاصرة المنسجمة مع محيطها، تحت شعار واضح: «نعمّر ونقاوم».
وكما رفض الإبقاء على مبنى في حارة حريك بعد حرب تموز، رفض أيضاً فكرة الإبقاء على الإهراءات في مرفأ بيروت، معتبراً أن «إبقاء البشاعة يذكّر بما حدث ويستثير العواطف من دون أي فائدة».

العمارة قمة المقاومة
بعد الحرب الأخيرة، بلور رهيف فياض رؤية شاملة لإعادة الإعمار بوصفها «قمة المقاومة» وتجسيداً للصمود الأقصى، معتبراً أن نصب خيمة بانتظار إعادة بناء المنزل فعل مقاوم لا يقل أهمية عن البقاء وعدم الهروب. انطلق في ذلك من قناعته بأن كل تدمير هو فعل «سياسي» في جوهره، لا مجرد عمل عسكري، ما يفرض مقاربة تتجاوز البعد المادي للبناء.
ورأى أن إعادة الإعمار المرتقبة في لبنان تختلف جذرياً عن تجربة عام 2006، نظراً لاتساع رقعة الدمار جغرافياً بين الجنوب والضاحية وبيروت والبقاع، وبشاعته غير المسبوقة، إلى حد أن مناطق كاملة في الضاحية باتت غير صالحة للعيش، وأن حجم النزوح يكاد يعادل النزوح من شمال فلسطين المحتلة، حيث تسود حالة شلل تام على المستويات التجارية والصناعية والسكنية. هذا الواقع، في نظره، يفرض الانتقال من مفهوم الإعمار المحدود إلى «حالات متعددة من إعادة الإعمار»، تمتلك كل منها خصوصيتها القانونية والتنظيمية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire