ابتسامة للكاميرا

 

بقلم: عابر سبيل

لم يكن "أبو نبيل" يخشى صوت الغارات بقدر ما كان يخشى تلك اللحظة. اللحظة التي يضطر فيها للوقوف في الطابور الطويل أمام بوابة المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء. كان يقف منحني الظهر قليلاً، ليس من ثقل السنوات الستين، بل من ثقلٍ آخر يجثم على صدره منذ أن غادر بيته في الجنوب؛ ثقلُ اليد الممدودة.
كانت الشمس حارقة، ورائحة الرطوبة والعرق تختلط برائحة القهوة التي يرتشفها الشبان الواقفون عند المدخل. لم يكونوا نازحين. كانت ثيابهم نظيفة، مكوية بعناية، وسياراتهم الرباعية الدفع مركونة بزهوٍ يعكس سلطتهم المستجدة في هذا المكان. كانوا "المسؤولين"، أو هكذا سمّوا أنفسهم، يتبعون لجهة حزبية ما، تسيطر على مفاتيح المخازن.
همس جاره في الطابور، وهو رجل كان يملك متجراً كبيراً قبل شهر واحد فقط: "هل رأيت كيف ينظرون إلينا؟ وكأننا نستجدي إرث آبائهم."
صمت أبو نبيل. ماذا عساه يقول؟ في جيبه دواء لزوجته قارب على النفاد، وفي الغرفة الصفية المكتظة، أحفادٌ يسألون عن موعد الغداء. ابتلع ريقه المرّ وتقدم خطوة مع تقدم الطابور.
وصلت الشاحنة. كانت محملة بكراتين عليها شعارات واضحة. نزل منها شاب عشريني، يضع نظارة شمسية سوداء، وبيده هاتف محمول من أحدث طراز. بدأ يصرخ بالنازحين: "يا عم.. ارجع للخلف! نظام.. نريد نظاماً! لن يأخذ أحد شيئاً إذا لم تصطفوا جيداً."
كان صوته يحمل نبرة الآمر الناهي، نبرة من يملك مفاتيح الحياة والموت في تلك اللحظة.
وصل دور أبو نبيل. وقف أمام الطاولة. خلفها جلس "المسؤول"، يقلب في الأوراق بملل مصطنع دون أن يرفع عينيه. "الاسم؟" سأل المسؤول ببرود. "حسن عبد الله.. أبو نبيل." "من أي ضيعة؟" ذكر أبو نبيل اسم قريته. رفع الشاب رأسه، ونظر نظرة تفحص سريعة، ثم قال بتهكم مبطن: "أهلاً.. تفضل."
أشار الشاب لمساعده ليناول "الكرتونة" لأبو نبيل. مدّ أبو نبيل يده المرتجفة ليتلقف المساعدة، لكن المساعد لم يترك الكرتونة فوراً. شدّ عليها قليلاً.
"لحظة يا حاج.. لحظة"، صاح الشاب ذو النظارة السوداء، رافعاً هاتفه المحمول. تجمد أبو نبيل في مكانه. "ارفع الكرتونة قليلاً.. نعم هكذا، واجعل الشعار ظاهراً للكاميرا،" قال الشاب بصوت آمر، "ابتسم يا حاج.. نريد أن نرى أنكم بخير."
شعر أبو نبيل بالدم يغلي في عروقه. أراد أن يرمي الصندوق في وجوههم، أن يصرخ بأنه كان يطعم عشرات العائلات من خير أرضه، أن يخبرهم أن كرامته أثقل من جبالهم. لكن صورة حفيده الجائع قفزت أمام عينيه.
تلاقت عيناه بعدسة الكاميرا الباردة. حاول أن يبتسم، فخرجت تكشيرة تشبه البكاء. "تكتك.."، التقط الشاب الصورة. "تمام.. الله يقويكم،" قالها الشاب وهو يعود للجلوس، وكأنه أنهى صفقة تجارية رابحة، غير مبالٍ بالرجل المحطم أمامه.
حمل أبو نبيل الصندوق. كان وزنه بضعة كيلوغرامات من الأرز والسكر والمعلبات، لكنه شعر وكأنه يحمل طناً من الصخر. مشى عائداً نحو المبنى المدرسي. في الطريق، مرّ بجانب مجموعة من الشبان الحزبيين يضحكون بصوت عالٍ ويدخنون سجائر فاخرة.
دخل الغرفة، وضع الصندوق في الزاوية بصمت. ركض الأحفاد بفرح، "جدو جاب الأكل!". جلست زوجته قربه، نظرت في عينيه الدامعتين وفهمت كل شيء. وضعت يدها على كتفه وهمست: "الحمد لله على السلامة."
لم يجب. نظر إلى الصندوق، ثم إلى الشعار المطبوع عليه، وشعر أن الطعام الذي بداخله، مهما طُهي جيداً، سيكون طعمه علقماً. لقد أخذوا منه في تلك اللحظة شيئاً لن تعوضه كل مساعدات الأرض؛ لقد سرقوا وجهه ليلمعوا وجوههم.
نام أبو نبيل ليلتها جائعاً، ليس لقلة الطعام، بل لأن نفسه عافت زاداً كان ثمنه انحناءة رأس.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire