بقلم: عابر سبيل
كان "حسن" يكره عجقة السير تحت منزله في الضاحية. لطالما تذمّر من أصوات الدراجات النارية التي تمرق كالبرق، ومن تشابك أشرطة المولدات التي تحجب السماء، ومن صوت جارهم "أبو علي" الذي ينادي على أولاده من الشرفة المقابلة التي تكاد تلامس شرفته.
كان يقول لزوجته دائماً: "متى سنرتاح من هذا الضجيج؟ أريد هدوءاً.. فقط قليلاً من الهدوء".
وفي ليلةٍ خريفية ثقيلة، حصل حسن على الهدوء الذي طلبه، لكنه كان الهدوء الأقسى في العالم.
نزحوا على عجل بعد تحذيرٍ غامضٍ ومخيف. تركوا خلفهم باب الثلاجة نصف مفتوح، وكوب الشاي الساخن على الطاولة، وصورة الزفاف المعلقة بمسمارٍ واحد.
بعد أسابيع، انتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. كان فيديو صامتاً التقطته طائرة "درون" للحي الذي يسكن فيه.
جلس حسن في غرفة النزوح الضيقة، يحدق في شاشة هاتفه، والدموع تنحت مجرىً في وجهه الذي غطاه غبار التعب. لم يكن يبكي الجدران، ولا الأثاث الذي قضى سنوات يجمّع ثمنه.
لقد رأى مكانه.. فراغاً.
البناية التي كانت تعج بالحياة، تحولت إلى ركام رمادي. لكن ما أوجعه أكثر لم يكن الحجر، بل "الذاكرة" التي كانت تسكن بين تلك الحجارة.
أغمض عينيه، وفجأة، تلاشى صوت القصف وحل مكانه "ضجيج الضاحية" الذي كان يكرهه. سمع صوت بائع الكعك فجراً، ورائحة "المنقوشة" التي تفوح من فرن "الساحة". سمع مشاحنات الجيران الصباحية حول مواقف السيارات، تلك المشاحنات التي كانت تنتهي دائماً بتبادل صحون الطعام عند الغداء. تذكر كيف كانت خيوط الكهرباء المتشابكة تبدو كشرايين تربط قلوب الناس ببعضها، لا مجرد أسلاك قبيحة.
أدرك حسن، وهو يمسح شاشته بإبهامٍ مرتجف، أن ذلك الاكتظاظ لم يكن فوضى؛ كان دفئاً. وأن تقارب الشرفات لم يكن انتهاكاً للخصوصية؛ بل كان حضناً اجتماعياً يحميهم من الوحدة.
رنّ هاتفه فجأة. كان المتصل "أبو علي"، جاره المزعج من الشرفة المقابلة.
"ألو.. حسن؟ إنت بخير يا جار؟" جاء صوت أبو علي مبحوحاً، مكسوراً، لكنه مليء باللهفة.
"بخير يا أبو علي.. الحمد لله"، أجاب حسن وهو يغالب غصة في حلقه.
"شفت شو صار بحارتنا؟" سأل أبو علي.
"شفت.. راح البيت يا أبو علي. راحت البرندة".
صمت أبو علي قليلاً، ثم قال بصوتٍ فيه عزيمة أهل تلك الأرض:
"اسمع يا حسن.. البناية وقعت، بس نحنا واقفين. وتذكر كلمتي، رح نرجع نعمرها، ورح ارجع اطل عليك من شرفتي وقلك وطّي صوت التلفزيون.. رح نشرب قهوة الصبح مع العجقة، ورح ترجع تشتكي من الموتسيكلات.. الحارة مش حيطان، الحارة نحنا".
أغلق حسن الهاتف. نظر إلى زوجته وابتسم لأول مرة منذ أيام. لم يعد يشعر أنه نازحٌ بلا مأوى. لقد أدرك أن جذوره ليست مغروسة في إسمنت البناية المدمرة، بل في صوت جاره، وفي ضجيج الحياة الذي لا يمكن لصاروخ أن يسكته.
في تلك اللحظة، عرف أن الضاحية لم تسقط، بل هي فقط تأخذ "استراحة محارب" قبل أن تضج بالحياة من جديد.
كان "حسن" يكره عجقة السير تحت منزله في الضاحية. لطالما تذمّر من أصوات الدراجات النارية التي تمرق كالبرق، ومن تشابك أشرطة المولدات التي تحجب السماء، ومن صوت جارهم "أبو علي" الذي ينادي على أولاده من الشرفة المقابلة التي تكاد تلامس شرفته.
كان يقول لزوجته دائماً: "متى سنرتاح من هذا الضجيج؟ أريد هدوءاً.. فقط قليلاً من الهدوء".
وفي ليلةٍ خريفية ثقيلة، حصل حسن على الهدوء الذي طلبه، لكنه كان الهدوء الأقسى في العالم.
نزحوا على عجل بعد تحذيرٍ غامضٍ ومخيف. تركوا خلفهم باب الثلاجة نصف مفتوح، وكوب الشاي الساخن على الطاولة، وصورة الزفاف المعلقة بمسمارٍ واحد.
بعد أسابيع، انتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. كان فيديو صامتاً التقطته طائرة "درون" للحي الذي يسكن فيه.
جلس حسن في غرفة النزوح الضيقة، يحدق في شاشة هاتفه، والدموع تنحت مجرىً في وجهه الذي غطاه غبار التعب. لم يكن يبكي الجدران، ولا الأثاث الذي قضى سنوات يجمّع ثمنه.
لقد رأى مكانه.. فراغاً.
البناية التي كانت تعج بالحياة، تحولت إلى ركام رمادي. لكن ما أوجعه أكثر لم يكن الحجر، بل "الذاكرة" التي كانت تسكن بين تلك الحجارة.
أغمض عينيه، وفجأة، تلاشى صوت القصف وحل مكانه "ضجيج الضاحية" الذي كان يكرهه. سمع صوت بائع الكعك فجراً، ورائحة "المنقوشة" التي تفوح من فرن "الساحة". سمع مشاحنات الجيران الصباحية حول مواقف السيارات، تلك المشاحنات التي كانت تنتهي دائماً بتبادل صحون الطعام عند الغداء. تذكر كيف كانت خيوط الكهرباء المتشابكة تبدو كشرايين تربط قلوب الناس ببعضها، لا مجرد أسلاك قبيحة.
أدرك حسن، وهو يمسح شاشته بإبهامٍ مرتجف، أن ذلك الاكتظاظ لم يكن فوضى؛ كان دفئاً. وأن تقارب الشرفات لم يكن انتهاكاً للخصوصية؛ بل كان حضناً اجتماعياً يحميهم من الوحدة.
رنّ هاتفه فجأة. كان المتصل "أبو علي"، جاره المزعج من الشرفة المقابلة.
"ألو.. حسن؟ إنت بخير يا جار؟" جاء صوت أبو علي مبحوحاً، مكسوراً، لكنه مليء باللهفة.
"بخير يا أبو علي.. الحمد لله"، أجاب حسن وهو يغالب غصة في حلقه.
"شفت شو صار بحارتنا؟" سأل أبو علي.
"شفت.. راح البيت يا أبو علي. راحت البرندة".
صمت أبو علي قليلاً، ثم قال بصوتٍ فيه عزيمة أهل تلك الأرض:
"اسمع يا حسن.. البناية وقعت، بس نحنا واقفين. وتذكر كلمتي، رح نرجع نعمرها، ورح ارجع اطل عليك من شرفتي وقلك وطّي صوت التلفزيون.. رح نشرب قهوة الصبح مع العجقة، ورح ترجع تشتكي من الموتسيكلات.. الحارة مش حيطان، الحارة نحنا".
أغلق حسن الهاتف. نظر إلى زوجته وابتسم لأول مرة منذ أيام. لم يعد يشعر أنه نازحٌ بلا مأوى. لقد أدرك أن جذوره ليست مغروسة في إسمنت البناية المدمرة، بل في صوت جاره، وفي ضجيج الحياة الذي لا يمكن لصاروخ أن يسكته.
في تلك اللحظة، عرف أن الضاحية لم تسقط، بل هي فقط تأخذ "استراحة محارب" قبل أن تضج بالحياة من جديد.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire