بقلم: عابر سبيل
لم تكن الرحلة هذه المرة تقاس بدقات القلب الخائفة، بل ببطء عجلات سيارته "الرباعية الدفع" العالقة في زحام العودة المهيب. الطريق الذي قطعه "سليم" سابقاً وحيداً كشبح في مدينة أشباح، أصبح اليوم نهراً هادراً من الحديد والبشر. السيارات مكدسة بالفرش والحقائب، والأبواق تصدح لا تحذيراً، بل احتفالاً وإعلاناً عن الوجود: "نحن هنا، لقد عدنا".
عند مدخل الحي، لم يضطر لركن سيارته بعيداً كما فعل يوم الحرب. الجرافات الضخمة كانت قد شقت طريقاً ترابياً وسط الركام، "شرياناً" جديداً للحياة وسط الدمار. سار بسيارته ببطء فوق الحجارة والتراب، يهتز هيكل السيارة القوي يمنة ويسرة، وكأنه يرقص رقصة الوصول المتعثرة.
تغير المشهد. الرمادي الكئيب تلون بملابس الناس المتفقدين لأرزاقهم. الصمت المخيف الذي كان يلف الأبنية استبدل بضجيج "الورش": أصوات المطارق، هدير الشاحنات، ونداءات الجيران يتبادلون التهاني بالسلامة من الشرفات المتصدعة. الرائحة الكيميائية الخبيثة تلاشت، وحلت محلها رائحة الغبار المثار، ورائحة القهوة التي عادت تفوح من ركوة "أبو علي" الذي نصب خيمة صغيرة مكان عربته المفقودة.
وصل سليم إلى بنايته. ترجل من السيارة، ورفع رأسه. كانت البناية لا تزال واقفة، جريحة، شاحبة، ثقوبها واضحة للشمس، لكنها بدت اليوم أقل حزناً. كأن عودة الناس قد بثت الدفء في عروق الإسمنت الباردة.
صعد الدرج. لم يعد موحشاً. سمع صوت جارته في الطابق الأول تكنس الزجاج، وصوت مذياع يصدح بأغنية قديمة في الطابق الثاني. وصل إلى باب شقته المخلوع، الذي ثُبّت مؤقتاً بحبل سميك.
فك الحبل ودخل. النور كان يغمر المكان بشكل مختلف هذه المرة. لم يكن نوراً كاشفاً للموت، بل نور نهار جديد. وقف في وسط الصالة، وأغمض عينيه للحظة. شعر بقشعريرة تسري في جسده. ذلك "الظل" الذي تركه هنا، ذلك الجزء من روحه الذي جلس يحرس العتبة طوال تلك الليالي المظلمة، شعر به يقترب منه الآن، يعانقه، وينصهر فيه من جديد.
مد يده إلى جيب سترته، وأخرج "إطار الصورة" كان الزجاج لا يزال مشروخاً، والشظية الصغيرة التي نامت في جيبه شهوراً عادت لترى النور. مشى بخطوات واثقة نحو تلك الطاولة الجانبية الصامدة. مسح عنها غباراً جديداً تراكم بغيابه، ووضع الصورة في مكانها بدقة متناهية، تماماً حيث كانت، وحيث يجب أن تكون.
تأمل الوجوه الضاحكة في الصورة، ثم نظر حوله إلى الجدران المتشققة والأثاث المقلوب. ابتسم ابتسامة خفيفة، فالدمار لم يعد يخيفه. الجدران يمكن طلاؤها، والزجاج يمكن استبداله، والأثاث سيعود لمكانه.
المهم أن الروح قد عادت للجسد، وأن الحارس الذي تركه خلفه قد أدى الأمانة.
خرج سليم إلى الشرفة المخلوعة السور، استند بحذر، ونظر إلى الأسفل حيث كانت الحياة تدب في الشرايين من جديد. أخذ نفساً عميقاً، ملأ رئتيه بهواء الحي الممزوج بالغبار والأمل، وقال بصوت مسموع هذه المرة: "لقد انتهى الأمر.. نحن في البيت".
لم تكن الرحلة هذه المرة تقاس بدقات القلب الخائفة، بل ببطء عجلات سيارته "الرباعية الدفع" العالقة في زحام العودة المهيب. الطريق الذي قطعه "سليم" سابقاً وحيداً كشبح في مدينة أشباح، أصبح اليوم نهراً هادراً من الحديد والبشر. السيارات مكدسة بالفرش والحقائب، والأبواق تصدح لا تحذيراً، بل احتفالاً وإعلاناً عن الوجود: "نحن هنا، لقد عدنا".
عند مدخل الحي، لم يضطر لركن سيارته بعيداً كما فعل يوم الحرب. الجرافات الضخمة كانت قد شقت طريقاً ترابياً وسط الركام، "شرياناً" جديداً للحياة وسط الدمار. سار بسيارته ببطء فوق الحجارة والتراب، يهتز هيكل السيارة القوي يمنة ويسرة، وكأنه يرقص رقصة الوصول المتعثرة.
تغير المشهد. الرمادي الكئيب تلون بملابس الناس المتفقدين لأرزاقهم. الصمت المخيف الذي كان يلف الأبنية استبدل بضجيج "الورش": أصوات المطارق، هدير الشاحنات، ونداءات الجيران يتبادلون التهاني بالسلامة من الشرفات المتصدعة. الرائحة الكيميائية الخبيثة تلاشت، وحلت محلها رائحة الغبار المثار، ورائحة القهوة التي عادت تفوح من ركوة "أبو علي" الذي نصب خيمة صغيرة مكان عربته المفقودة.
وصل سليم إلى بنايته. ترجل من السيارة، ورفع رأسه. كانت البناية لا تزال واقفة، جريحة، شاحبة، ثقوبها واضحة للشمس، لكنها بدت اليوم أقل حزناً. كأن عودة الناس قد بثت الدفء في عروق الإسمنت الباردة.
صعد الدرج. لم يعد موحشاً. سمع صوت جارته في الطابق الأول تكنس الزجاج، وصوت مذياع يصدح بأغنية قديمة في الطابق الثاني. وصل إلى باب شقته المخلوع، الذي ثُبّت مؤقتاً بحبل سميك.
فك الحبل ودخل. النور كان يغمر المكان بشكل مختلف هذه المرة. لم يكن نوراً كاشفاً للموت، بل نور نهار جديد. وقف في وسط الصالة، وأغمض عينيه للحظة. شعر بقشعريرة تسري في جسده. ذلك "الظل" الذي تركه هنا، ذلك الجزء من روحه الذي جلس يحرس العتبة طوال تلك الليالي المظلمة، شعر به يقترب منه الآن، يعانقه، وينصهر فيه من جديد.
مد يده إلى جيب سترته، وأخرج "إطار الصورة" كان الزجاج لا يزال مشروخاً، والشظية الصغيرة التي نامت في جيبه شهوراً عادت لترى النور. مشى بخطوات واثقة نحو تلك الطاولة الجانبية الصامدة. مسح عنها غباراً جديداً تراكم بغيابه، ووضع الصورة في مكانها بدقة متناهية، تماماً حيث كانت، وحيث يجب أن تكون.
تأمل الوجوه الضاحكة في الصورة، ثم نظر حوله إلى الجدران المتشققة والأثاث المقلوب. ابتسم ابتسامة خفيفة، فالدمار لم يعد يخيفه. الجدران يمكن طلاؤها، والزجاج يمكن استبداله، والأثاث سيعود لمكانه.
المهم أن الروح قد عادت للجسد، وأن الحارس الذي تركه خلفه قد أدى الأمانة.
خرج سليم إلى الشرفة المخلوعة السور، استند بحذر، ونظر إلى الأسفل حيث كانت الحياة تدب في الشرايين من جديد. أخذ نفساً عميقاً، ملأ رئتيه بهواء الحي الممزوج بالغبار والأمل، وقال بصوت مسموع هذه المرة: "لقد انتهى الأمر.. نحن في البيت".

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire