كي لا ننسى

 


بقلم: عابر سبيل

قد تصمت المدافع، وقد يعود الغبار إلى الأرض، وقد تُبنى الحجارة التي تهدمت يوماً ما. لكن، من سيبني الأرواح التي تصدّعت؟ ومن سيرمم الذاكرة التي ثُقبت بآلاف الشظايا؟
كُتبت هذه الصفحات في زمنٍ تحولنا فيه إلى أرقام في أشرطة الأخبار العاجلة. كنا خبراً عابراً عن عدد الغارات، وإحصائيةً باردة عن عدد النازحين، وجدولاً بيانياً عن الخسائر. في غمرة هذا الضجيج، سقطت الحقيقة الأهم، سقط الإنسان
هذا الكتاب ليس تأريخاً عسكرياً للحرب، وليس تحليلاً سياسياً للأسباب والنتائج. هذا الكتاب هو محاولة يائسة وعنيدة لاستعادة "وجوهنا" التي سُرقت خلف الأرقام
هو عن تلك "العشر دقائق" التي فصلت بين حياة كاملة وبين المجهول. هو عن "الحقيبة" التي بقيت مفتوحة، لأن ذكرياتنا أكبر من أن تتسع لها سحابات النايلون. هو عن فنجان القهوة الذي برد وحيداً على الشرفة، وعن مفتاح البيت الذي صار أثقل من الحديد في جيب صاحبه، وعن دمعة الطفل الذي كبر عشر سنوات في ليلة واحدة
نكتبُ "كي لا ننسى". ليس لأننا نهوى البكاء على الأطلال، بل لأن النسيان هو "الموت الثاني" للضحايا
إذا نسينا خوفهم، فقد قتلناهم مرة أخرى. وإذا نسينا تفاصيل حياتهم التي توقفت، فقد سمحنا للحرب أن تنتصر على إنسانيتنا
بين دفتي هذا الكتاب، لا توجد بطولات خارقة، ولا شعارات رنانة. توجد فقط قصص
لبشرٍ من لحم ودم، أحبوا، وخافوا، وانتظروا، وفقدوا، لكنهم تشبثوا بآخر خيطٍ للأمل
هذه القصص هي وصيتنا للذاكرة.. كي يقرأها من سيأتي بعدنا ويدرك
أننا لم نكن مجرد غبارٍ في مهب الريح، بل كنا حياةً تستحق أن تُعاش
كي لا ننسى.. كتبنا

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire