حارس العتبة

 


بقلم: عابر سبيل

لم تكن المسافة الفاصلة بين مكان نزوحه وبين حيه القديم في "الضاحية" تقاس بالكيلومترات، بل بدقات قلبه التي كانت تتسارع كلما اقتربت سيارته "الرباعية الدفع" نحو "منطقة الخطر". كان الخبر الذي وصله عبر الهاتف ليلة أمس مقتضباً وقاسياً كحكم بالإعدام: "البناية الملاصقة لكم سُوّيت بالأرض، وبنايتكم تضررت بشكل لا يرجى منه خير.. العوض بسلامتك".
عند مدخل الحي، ركن "سليم" سيارته الضخمة جانباً. فعلى الرغم من ارتفاع هيكلها وقوة عجلاتها، إلا أن جبال الردم كانت أعلى من أن تتجاوزها أي آلة. ترجل من مقصورته العالية، وهنا، عند حدود الحركة، بدأت حدود الصمت.
مشى خطواته الأولى ببطء. الشارع العريض الذي كان بالأمس القريب شرياناً يضج بالحياة، تحول إلى وادٍ من الرمادي. أين عربة "أبو علي" لبيع القهوة؟ أين أصوات أبواق السيارات المتشابكة وزحمة المارة العائدين من أعمالهم؟ لقد ابتلع الفراغ كل شيء. الوحشة كانت سيدة المكان، والهواء ثقيل، لا يتحرك، كأنه يخشى أن يوقظ الوحش النائم تحت الأنقاض.
كلما توغل أكثر، تغيرت معالم الطريق. الأسفلت اختفى تحت طبقات من الزجاج المطحون والحجارة المتناثرة. مبانٍ كاملة كانت تشكل ذاكرة طفولته، وجدها قد ركعت على ركبتيها، أسقفها تلامس الأرض في خشوع قسري. كان عليه أن يتسلق تلالاً من الردم ليسلك طريقاً كان يقطعه ركضاً وهو صغير. تحت قدميه، لمح بقايا حياة: فردة حذاء لطفل، كتاب مدرسي ممزق، وستارة مخملية لا تزال عالقة بين قضبان الحديد الملتوية.
فجأة، ضربت أنفه رائحة غريبة. لم تكن رائحة البارود المعتادة، ولا رائحة الدخان التقليدي. كانت رائحة كيميائية، حامضة وثقيلة، تلسع الحلق وتثير الغثيان. إنها رائحة تلك الأسلحة الغريبة التي تحدثوا عنها، رائحة تلتصق بالثياب وبالرئة، وكأنها توقيع العدو على الجريمة. ومن بين شقوق أحد المباني البعيدة، كانت ألسنة نيران خبيثة لا تزال تتراقص بهدوء، تنفث دخاناً أسود يغطي السماء التي نسيت لونها الأزرق.
وصل إلى المنعطف الأخير. قلبه كان يضرب في قفصه الصدري كمطرقة. أغمض عينيه للحظة، مستحضراً صورة بيته كما يحفظها، ثم فتحها ليواجه الكارثة.
المبنى الملاصق لم يكن موجوداً. كان فجوة هائلة في صف الأسنان المعمارية، كومة عملاقة من الباطون والحديد. حول نظره ببطء مرعوب نحو اليسار، نحو بيته.
شهقة مكتومة خرجت من صدره.
كان البيت واقفاً. نعم، لم يكن كما عهده. الشرفات مخلوعة، النوافذ فجوات سوداء تصفّر فيها الريح، والواجهة مليئة بالثقوب والشظايا كجسد محارب قديم. لكن الأعمدة كانت لا تزال مغروزة في الأرض بعناد. المبنى يترنح، يتألم، لكنه لم يسقط.
ركض سليم فوق الركام غير عابئ باحتمالية انهيار ما تحته. وصل إلى المدخل. الباب الحديدي مخلوع، لكن الجدران قائمة. صعد الدرج المليء بالغبار، دخل شقته. الأثاث مقلوب، طبقة سميكة من الغبار الأبيض تغطي كل شيء، كأن الزمن قد توقف هنا منذ قرن.
جال ببصره في الصالة، وفجأة، لمع شيء ما وسط الرماد فوق الطاولة الجانبية التي نجت بأعجوبة. اقترب بخطوات حذرة. كان "إطار صورة" صغيراً. التقطه بيده المرتجفة. كان الزجاج مشروخاً، لكن الصورة خلفه لا تزال واضحة: صورة العائلة مجتمعة في عيد ميلاد ابنه الصغير قبل الحرب بشهر واحد. الوجوه ضاحكة، لا تعلم ما يخبئه الغيب. مسح الغبار عن وجه الصورة بإبهامه، وكأنه يمسح الحزن عن وجوههم. ضم الإطار إلى صدره بقوة، ثم دسه في جيب معطفه الداخلي، ناحية القلب تماماً. أراد أن يأخذ دليلاً، شيئاً ملموساً يثبت أن الحياة كانت هنا، وأنها ستعود.
في تلك اللحظة، سمع صوت أزيز طائرة استطلاع يقترب، وصوت ارتطام بعيد. أدرك أن الوقت ليس حليفه، وأن البقاء هنا انتحار.
استدار ليخرج بسرعة. قفز فوق الردم عائداً أدراجه، يلاحقه صدى الخطر، وجيب معطفه يثقل بوزن الذاكرة. عندما وصل أخيراً إلى سيارته، صعد إلى مقعدها المرتفع وأغلق الباب الثقيل محتمياً بهيكلها الصلب. وقبل أن يدير المفتاح، وضع يده على جيبه المنتفخ، وتلفت خلفه عبر الزجاج نحو الدخان المتصاعد من حيه البعيد.
أدار المحرك الهادر وعاد إلى مكان نزوحه، جسده يبتعد، لكنه كان يعلم يقيناً أنه لم يعد كاملاً. لقد ترك جزءاً من روحه هناك، ظلاً خفياً يجلس الآن على عتبة الباب المخلوع، يحرس البيت، ويمنعه من السقوط حتى يعود.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire