د. طنوس شلهوب
من حين إلى آخر، تجتاح منصات التواصل أخبارٌ طبية "مذهلة":
عشبة تشفي السرطان، وصفة منزلية تقضي على السكري، مشروب يعالج الاكتئاب، أو خلطة طبيعية تعيد الذاكرة خلال ليلة واحدة. يتغير المرض، لكن الصيغة ثابتة: عنوان صادم، ونبرة حاسمة.
اليوم صادفني خبر على صفحة أحد الأصدقاء عن “عالم أعصاب تركي يفاجئ العالم” بمشروب عشبي يعالج الزهايمر فوراً. وكما في كل مرة، بدا النص وكأنه إعلان نهاية مرض معقّد طالما حيّر العلماء.
غير أن التمعّن يكشف أن ما يتكرر هنا ليس الاكتشاف، بل: لا اسم لباحث معروف، لا جامعة محددة، لا مجلة علمية محكّمة، بل لغة دعائية تتحدث عن “نتيجة فورية” و”وداعاً للنسيان إلى الأبد”. وهي لغة لا تنتمي إلى البحث العلمي، بل الى التشويق.
مرض مثل Alzheimer's disease ليس صداعاً عابراً يمكن أن يزول بمنقوع عشبي. إنه اضطراب تنكّسي معقّد، تتراكم عوامله البيولوجية على مدى سنوات طويلة، ويُدرس في أرقى المختبرات العالمية عبر بروتوكولات صارمة وتجارب ممتدة. وحتى أحدث العلاجات الدوائية لا تتحدث عن “شفاء”، بل عن إبطاء مسار التدهور.
أما الأعشاب المذكورة — Rosmarinus officinalis وBoswellia — فلها خصائص بيولوجية قيد الدراسة، لكن تحويلها إلى “معجزة خلال ليلة” قفزة لا يسندها دليل سريري رصين.
المشكلة ليست في الطبيعة، بل في المبالغة.
منطق المنصة: الحضور قبل الدقة
لكن ثمة بُعداً آخر ينبغي الالتفات إليه.
في فضاء المنصات الرقمية، السرعة بدل التريث واخضاع الخبر للنقد. تصبح المشاركة نوعاً من “السبق الصحفي” الفردي؛ فالمستخدم لا يريد فقط أن يطّلع، بل أن يكون أول من ينشر، أول من “يكشف”، أول من يقدّم الحل.
بهذا المعنى، تتحول إعادة النشر إلى ممارسة للحضور: إثبات وجود، ومساهمة في صناعة الحدث. غير أن هذا الحضور السريع قد يأتي أحياناً على حساب الحقيقة.
وهكذا تتكامل حلقتان:
خوف إنساني يبحث عن أمل سريع،
ومنصة رقمية تكافئ الإثارة والسرعة.
مسؤولية الكلمة ليست الدعوة إلى الشك المرضي، بل إلى السؤال البسيط:
من المصدر؟
أين نُشرت الدراسة؟
هل توجد بيانات قابلة للتحقق؟
هل اللغة علمية أم انفعالية؟
فالعقل الذي نخشى عليه من المرض يحتاج أيضاً إلى مناعة معرفية. والمعجزة التي تُولد في منشور قد تموت عند أول تدقيق.
ربما كان أسمى أشكال الحضور على المنصات ليس في أن نكون الأسرع نشراً، بل الأكثر مسؤولية.
كلمة اخيرة:
إن حماية الوعي تبدأ من الوفاء لعقولنا، وأن نمنحها حق التحقق، قبل أن نمنح أصابعنا سرعة المشاركة.
من حين إلى آخر، تجتاح منصات التواصل أخبارٌ طبية "مذهلة":
عشبة تشفي السرطان، وصفة منزلية تقضي على السكري، مشروب يعالج الاكتئاب، أو خلطة طبيعية تعيد الذاكرة خلال ليلة واحدة. يتغير المرض، لكن الصيغة ثابتة: عنوان صادم، ونبرة حاسمة.
اليوم صادفني خبر على صفحة أحد الأصدقاء عن “عالم أعصاب تركي يفاجئ العالم” بمشروب عشبي يعالج الزهايمر فوراً. وكما في كل مرة، بدا النص وكأنه إعلان نهاية مرض معقّد طالما حيّر العلماء.
غير أن التمعّن يكشف أن ما يتكرر هنا ليس الاكتشاف، بل: لا اسم لباحث معروف، لا جامعة محددة، لا مجلة علمية محكّمة، بل لغة دعائية تتحدث عن “نتيجة فورية” و”وداعاً للنسيان إلى الأبد”. وهي لغة لا تنتمي إلى البحث العلمي، بل الى التشويق.
مرض مثل Alzheimer's disease ليس صداعاً عابراً يمكن أن يزول بمنقوع عشبي. إنه اضطراب تنكّسي معقّد، تتراكم عوامله البيولوجية على مدى سنوات طويلة، ويُدرس في أرقى المختبرات العالمية عبر بروتوكولات صارمة وتجارب ممتدة. وحتى أحدث العلاجات الدوائية لا تتحدث عن “شفاء”، بل عن إبطاء مسار التدهور.
أما الأعشاب المذكورة — Rosmarinus officinalis وBoswellia — فلها خصائص بيولوجية قيد الدراسة، لكن تحويلها إلى “معجزة خلال ليلة” قفزة لا يسندها دليل سريري رصين.
المشكلة ليست في الطبيعة، بل في المبالغة.
منطق المنصة: الحضور قبل الدقة
لكن ثمة بُعداً آخر ينبغي الالتفات إليه.
في فضاء المنصات الرقمية، السرعة بدل التريث واخضاع الخبر للنقد. تصبح المشاركة نوعاً من “السبق الصحفي” الفردي؛ فالمستخدم لا يريد فقط أن يطّلع، بل أن يكون أول من ينشر، أول من “يكشف”، أول من يقدّم الحل.
بهذا المعنى، تتحول إعادة النشر إلى ممارسة للحضور: إثبات وجود، ومساهمة في صناعة الحدث. غير أن هذا الحضور السريع قد يأتي أحياناً على حساب الحقيقة.
وهكذا تتكامل حلقتان:
خوف إنساني يبحث عن أمل سريع،
ومنصة رقمية تكافئ الإثارة والسرعة.
مسؤولية الكلمة ليست الدعوة إلى الشك المرضي، بل إلى السؤال البسيط:
من المصدر؟
أين نُشرت الدراسة؟
هل توجد بيانات قابلة للتحقق؟
هل اللغة علمية أم انفعالية؟
فالعقل الذي نخشى عليه من المرض يحتاج أيضاً إلى مناعة معرفية. والمعجزة التي تُولد في منشور قد تموت عند أول تدقيق.
ربما كان أسمى أشكال الحضور على المنصات ليس في أن نكون الأسرع نشراً، بل الأكثر مسؤولية.
كلمة اخيرة:
إن حماية الوعي تبدأ من الوفاء لعقولنا، وأن نمنحها حق التحقق، قبل أن نمنح أصابعنا سرعة المشاركة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire