عقد الأحلام الثورية الخائبة

 

سعيد محمد

في آب (أغسطس) 1969، استولى رجل وامرأة ينتميان إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» على طائرة ركاب أميركية كانت تحلّق من روما إلى تل أبيب. هبطت الطائرة في دمشق، وتم تفجير مقدمتها بعد نزول الركاب والطاقم. لم تُفقد أي أرواح؛ وتم لاحقاً تبادل للأسرى. لكن تلك العملية الجريئة أطلقت كرنفالاً من العمليات الفدائية المُبهرة العابرة للحدود، وعقداً طويلاً من الأحلام الثورية. لقد ساد شعور في مستهلّ السبعينيات بأنّ العالم يقف على أعتاب فجر جديد. وظهر ثوريون من أنحاء العالم كافةً يحملون في قلوبهم إيماناً عميقاً بقدرة الفرد على تحدي الأنظمة القائمة وإعادة صياغة التاريخ.
الفلسطينية ليلى خالد، كانت بحق، أيقونة لتلك المرحلة. في عام 1969 عندما خطفت الطائرة إلى دمشق، عاملت رهائنها بلطف وقدمت لهم الحلوى والسجائر، مؤمنة بأنّ قضيتها عادلة وأنّ هدفها التحرّر لا القتل. هذا النبل عكس جانباً من العقلية المثالية التي ميّزت ثوار اليسار في بداياتهم؛ حيث الهدف «الدعاية للفعل» والوصول إلى مفاوضات تضمن الحقوق، بعيداً من الرغبة في سفك الدماء.
في كتابه «الثوريون» (Bodley Head ــــ 2025 ـــــــ ‎The Revolutionists: The Story of the Extremists Who Hijacked the 1970s)، يلتقط جيسون بيرك، مراسل الأمن الدولي في «الغارديان»، كثيراً من الجوانب الإنسانية البسيطة التي جعلت من هؤلاء الثوريين شخصيات قريبة من الروح رغم أفعالهم الصادمة.
يصف تفاصيل هيئاتهم، من السوالف الطويلة والنظارات الشمسية إلى القبعات العسكرية التي كانت ترمز إلى التمرّد، ويصوّر أيام الثوريات الألمانيات من الجيش الأحمر اللواتي كنّ يمزجن بين دراسة المادية الجدلية والاستمتاع عاريات الصدر بشمس عمان، ما أثار استياء مضيفيهن الفلسطينيين.
وببرود ساخر، يصف بعضهم بأنهم أقل من أيديولوجيين وأقرب إلى شخصيات غريبة الأطوار مثل كوزو أوكاموتو من الجيش الأحمر الياباني الذي كان لديه هوس بزهرة الكرز، أو كارلوس، الماركسي الفنزويلي الذي ترك دراسته في «جامعة باتريس لومومبا» في موسكو لينضم إلى الفلسطينيين، كي «أتعلم كيف أقتل اليهود» على حد تعبيره. إن هذا الاندفاع العاطفي نحو المطلق، والعيش على الحافة، والتنوع الإنساني كانت بمجموعها تعبيراً عن هوية مشروع نبيل للعدالة والغد الأفضل بغض النظر عن مدى واقعيته.
يتتبع بيرك مساراً حزيناً لتلاشي تلك الأحلام الوردية. مع مرور الوقت، بدأت تلك الحركات تواجه جدار الواقع القاسي مع فشل اليسار العالمي في تحقيق طموحاته. الفراغ الذي نشأ عن الخيبات بدأ يمتلئ تدريجاً بنوع جديد من الراديكالية، إذ انتقل التركيز من الثورة الأممية التي تحلم بوحدة العمّال والفقراء إلى حركات تستند إلى هوية دينية متشددة.
تظلّ فلسطين في قلب هذا الكتاب، المحرك الأساسي لمشاعر الغضب والتعاطف في السبعينيات. لقد كان الغضب من النكبة والاحتلال والدعم الغربي لإسرائيل وقوداً لا ينضب لحركات التمرد العالمية، وكان الثوريون من مختلف الجنسيات يرون في القضية الفلسطينية بوصلة وجوهر الصراع بين الحق والباطل.
لكن تغطية بيرك لديناميكية التحول من اليسار إلى الإسلام الراديكالي تفتقد إلى العمق، وتبدو أقرب إلى قبول بالسردية الساذجة التي لا تلحظ دوراً لأجهزة الاستخبارات وأموال النفط في خلق نماذج «جهادي دولي» يقاتل في جبهات مختلقة تخدم قضية الهيمنة بعيداً من فلسطين.
في النهاية، فشل عنف السبعينيات الموصوف في «الثوريون» في تحقيق أهداف مرتكبيه. لم يستغل الفلسطينيون الأعمال الفدائية أبداً ضمن برنامج سياسي استراتيجي، وانتهى الثوّار العرفاتيون إلى السقوط في أوسلو. وبينما يحكم متعصبون إسلاميون كابول ودمشق، يستمر الدواعش في تنفيذ هجمات دموية مشبوهة بين الحين والآخر. ويبدو الشعور العميق بالإذلال والغضب والتهميش الذي يشعر به كثيرون في الشرق الأوسط منذ عقود كأنه لم يعالج أبداً.
ظلّ القميص الأبيض
مريم ميرزاده

1. إلى غاستون
رُدَّني يا باشلار
قلباً في صومعةٍ،
تشبهُ كفَّ المسيح...
لحيتك المرتعشة على نغمِ صوتك،
تهدهدُ خوفاً في باطني،
تجعله ينام،
يسكن.

2. بصوتك
غنِّ لي...
كما يفعلُ هذا الغيث

لنائمٍ في التربة منذ حين.

3. الموتى
كلُّ من تحت الأرض
ألا يفتقدون الموسيقى؟

4. فالنتاين
هذه الهالة الحمراء
ونشوة الشوكولا،
وعبق الشموع،
لا تشبهُ خطوات قلبٍ عاشق
يتوهّم حضورَ حبيبِه
خلف أزقةِ الغيم
تحت سقوفِ الشتاء
كلّ شتاء،
حتى انتهاء الشتاءات،
وهو يشعر بالبرد.

5. أبي
في ميلاده
تهامسَ تشرينان
وتشكّلت غيمتان
ظللتا موطنَ حلوله
ووددتُ يوم وجوده
إذ لمحتُ هالته الخريفية
أن أختارهُ أبي
فكنتُ
وكانَ كَوني هو...
يا كلّ ابتساماتي
وشتاءاتِ روحي
يا أولى حكايات الوطن
يا صوتَ المطر...

6. يدا أمي
بعيدتان يداها
شعري لم ينم منذ آخر لقاء
وحدَها تتقن تربيةَ جدائله
كطفولةٍ لا تنتهي.
جعلته غربتي خلايا ميتة
وأمي لم تعلمني السر.
يداها ما يداها
طفولةُ قلب
جنونُ ضفائر
استحالةُ فرحتي نهراً
يسيرُ يسير
لا تكسر حجارةٌ لغزَ مائه الأخضر...
عندما شكّل صوتُ أبي أوتار قلبي
كانت قبلاتُ أمي تنحتُ وجنتيّ
تنثرُ فوق الهدبِ سكينة من نور
لتكتملَ ملامحُ القلبِ في وجهي.

7. الحسين
ألمحهُ
خلف الصحراء
تحت وهج الشمس
يتلألأ.
ليس سراباً

هو الماءُ يلطمُ كيفَ جافاك...

8. ظلّ القميص الأبيض
عينايَ تراقبانِ الأرض.
معشرُ نملٍ من الفورميسيديين،
كسراتُ خبزٍ
ربما لرسلِ الحمام إذا أقبلَت. أشياء صغرى مقزّزة
قاذوراتُ قططٍ وبشر
وبُصاقٌ وحصى ملوثة
تعثّر بها كناريٌّ
كان قبلَ الحربِ يطير.
كعوبُ أحذيةٍ لنساء
قطّعت أوصالَها عيونُ المارّة ليلاً
آثارُ خطواتٍ متعبة
ربما ماتَ أصحابُها بعد المرور من هنا
ورقٌ أصفر
أتلذّذُ بسحقِه.
لكنّي انتظرتُ قدمَيك
قبل أن يُقبِلَ ظلك يصبو للهفتي كان قميصُك أبيضَ في الظلّ
وشَت بلونِه رغبتي
وأنا في انتظارِ يدك
أن ترفعَ لي رأسي
صوبَ السماء؛
وجهِك.

* بيروت/ إيران
مذكّراتي العزيزة
مروة رزق

إنها المرّة الأولى التي أجرّب فيها كتابة مذكّراتي. لم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكن، إن كنت سأحكي بعض الأحداث لأحفادي في المستقبل، فيجب أن أتذكّرها كما حصلت، وأن يكون لي الخيار في تحريف وقائعها كما أريد. ذاكرتي لا تشوبها شائبة، لكنني لا أضمن نفسي في سنّ الثمانين، جدّتي أصغر من ذلك وتنسى الكثير من الأشياء، وأنا لا أريد أن أنسى.

قبل أسبوع من الآن أخذتُ القرار، لكنه لم يكن صالحاً للتنفيذ في ذلك الحين، فقد كان عليّ أولاً أن أُعدّ الدفتر الذي سيكون حافظ أسراري. بالطبع، الدفاتر التي أراها مخصّصة للمذكرات لا تصلح لهذا العمل، لذلك لم أختر تلك المزيّنة بنقوش ورسومات ملونة، أو تلك المزوّدة بقفل ومفتاح، إذ لا يمكن المخاطرة بالكتابة على دفتر يصرخ لمن يراه: «أسرار، أسرار.. تعال لتقرأها». لذلك وقع اختياري على دفتر بسيط يحتوي على خمسين صفحة، وقد استهلكتُ الصفحات العشر الأولى في كتابة بعض مسائل الرياضيات وجمل الإعراب والكيمياء ومقاطع نقلتها من كتاب اللغة الفرنسية، ووسمتُ الغلاف الخارجي بكلمة «خرطوش». هكذا، أضمن أنه لن يلفت نظر أحد.

تقول صديقتي إن عليّ البدء في أول أيام السنة الجديدة بحيث أدوّن أهدافي وخططي لبقية العام، لكن من يهتمّ بأن يكون ذلك في يوم مميز؟ كما إن ذلك سيفرض عليّ الانتظار بضعة أشهر، وأنا لا أملك ترف الانتظار... ثم إنه لا خطط عندي ولا أهداف ولا طموحات، بل يوميات فتاة طموحها الوحيد أن تكون ابنةً مطيعة...

مذكّراتي العزيزة، هل يجب أن أطلق عليك اسماً معيناً؟ فأنا أشعر بشيء من الغرابة كوني أتحدث مع دفتر. سأفكر في ذلك لاحقاً، والآن إليكِ المفاجأة الكبرى: «لقد دخّنتُ سيجارة». لم يحصل ذلك اليوم، بل في اليوم الذي قررت فيه الكتابة، فهذا حدث مهم يجب أن يُسطر.
كانت المرّة الأولى، وأنا موقنة أنها الأخيرة، لكنها كانت تستحقّ التجربة. قبل ذلك بليلة، لم أكن أستطيع النوم، فاسترقت النظر إلى التلفاز بينما أخي الكبير يشاهد فيلماً. كانت الممثلة جميلة جداً، شعرها أشقر، بيضاء كالثلج، تضع أحمر شفاه وترتدي فستاناً أسود. تقف على شرفتها لتراقب المارة بعيون حزينة وتدخن.

أغراني المشهد وأردت التجربة. لم يكن في بيتنا سجائر، وبالطبع لم أكن لأشتريها، لذا ذهبت إلى بيت صديقتي، وفي غفلة منها خطفتُ اثنتين، قبل أن أودّعها سريعاً وأنطلق إلى سطح بيتنا وأجلس خلف خمّ الدجاج.
كانت لحظة تاريخية صرتُ فيها متمرّدة وسارقة وكاذبة في آنٍ واحد. لكنني الآن متأكدة أنها تجربة لا تستحق التكرار، فقد كان الطعم بشعاً وحارقاً، وقد اضطررتُ إلى البقاء ساعة كاملة في البرد للتأكد من زوال الرائحة من ثيابي.

كل ما أعرفه في حياتي تعلمته من التلفاز، رغم أنه لم يكن متاحاً في كل الأوقات، ولم تكن مشاهدته رفاهية في حياتنا. الكثير من البرامج والأفلام كانت محظورة، أخي هو الوحيد الذي كان يملك الحق في مشاهدة ما يريد. أمي كانت تشاهد الأفلام بالأبيض والأسود، لكنها كانت تغيّر القناة عند كل مشهد من مشاهد الحب، لأن الحب عيب وهذه المشاهد قد تضللنا.

لم يكن يعنيني الحب، لم أشعر بالانجذاب لأي من شباب القرية، ولا أعتقد أنهم فعلوا. كنت أسمع الكثير من التعليقات حول طباعي الحادّة وكلماتي اللاذعة ووجهي دائم العبوس. لم أكن أفسح المجال أبداً لأي محادثة أن تستمر، ولم أكن أقبل المديح، حتى إنني كنت أثور لأقل كلمة.

منذ يومين كنت في زيارة لصديقتي ووضعنا القليل من الكحل حول أعيننا، وحين رآني أخوها قال لي إنني أملك عينين جميلتين، فقلتُ له من دون تفكير: «عليك أن تخرس». وبعد استيعاب الصدمة قال إنه لم يكن يقصد سوءاً، وإنه لم يقل شيئاً شائناً. كان محقّاً، لكنني لم أستطع تصديقه أو تصديق كلامه. كنت أعتقد أن مثل هذه التعليقات سخرية محضة، لأنني لا أرى نفسي جميلة، وأرى الجميع أوفر مني حظاً في جمال الوجه. كيف لي ألا أعتقد أنهم يسخرون مني؟وكيف يمكن لأحد أن يمتلك عينين جميلتين تحت حاجبين كثيفين ونظارات طبية بحجم النافذة ووجه شاحب مغطى بالنمش؟

أتت إليّ أمي الآن تطلب مني مساعدتها في تحضير العشاء، لكنها رأتني أكتب فابتسمت في وجهي لأنها ظنت أنني أنجز واجباتي المدرسية، وقد أسعدني ذلك لأن خطتي الصغيرة نجحت، لكن عليّ التفكير في خطة أخرى لأستمرّ في الكتابة أثناء الصيف. لا بأس، لدينا متسع من الوقت. أما الآن فعليّ الذهاب لمساعدتها حتى لا أشعر بالذنب، وأثناء ذلك أكون قد فكرت في اسم لك. سأعود لاحقاً يا مذكّراتي العزيزة...

■ ■ ■


عزيزي دفتر المذكّرات... أتعرف لِمَ أنا وحيدة؟ لا، ليس لأن تفكيري مختلف ولا لأنني لا أشبه من حولي. حقيقة الأمر هي أنني غير محبوبة فقط!
أريد بشدّة إرجاع هذه الفكرة إلى قلة ثقتي بنفسي، إلا أنني سمعتهم يقولونها: «لا نحبّها». خرجت هذه العبارة من أفواههم، مجردة، عارية كما هي، وارتطمت بي. كنت أعدّهم أصدقائي، أحبّهم وأرغب في قضاء الوقت معهم وأحاول إسعادهم، لكنني اكتشفت أنني لا أحد عندهم.
أحبّتني جدتي، لكنها ماتت في اليوم الذي تعلمتُ فيه كتابة اسمها! كنتُ متحمّسة لأريها الاسم، لكنني وصلتُ لأرى سكان الحي في بيتنا، وأمي تصفع خدَّي جدتي، التي تغطّ إلى جانبها في نوم عميق.

الشخص الآخر الذي أحبّني كان أبي، لكنه مات بدوره، وتركنا جميعاً نفتقر إلى الحبّ.
أنا واثقة من أن أمي تحبّني، لكنها عاجزة عن الوصول إلى هذا الحبّ في قعر قلبها بعد ثلاثة أولاد ومسؤوليات لا تنتهي، لذلك ألتمس لها العذر.
لم تكن اليوم المرّة الأولى التي أشعر فيها بانعدام الحبّ، دائماً ما كنت الفرد المهمّش الذي يحاول أن يكون جزءاً من المجموعة، لكنه لا يُرى ولا يُسمع.

وأنت يا عزيزي، هل تحبّني؟ أعلم أنك لن تجيب، لكنني أسأل من باب الرغبة في الشعور أنّ ثمّة أحداً معي. لقد أخبرتك سابقاً أنني لا أستطيع مشاركة أفكاري ومشاعري مع سواك.
أرأيت؟ لشدّة وحدتي اتخذتُ الدفتر صديقاً! ينقصك اسم فقط، لكنني لم أجد بعد ما يليق بك، ربما في المرّة القادمة.
أما الآن فلننسَ الحزن والشفقة على أنفسنا قليلاً، ودعني أخبرك أمراً مهماً: أمي كانت تقرأ الروايات! هل تصدّق؟ السيدة منال تقرأ؟ لا زلتُ مصدومة.

عدتُ من المدرسة ووجدتُها قد أفرغت محتويات صندوقٍ قديمٍ لها، ومن بينها كومة من الكتب. ظننتها في البداية لأبي، لكنني تفاجأتُ حقاً بأنها روايات. أغلفتها قديمة بعض الشيء ومتآكلة، وأوراقها صفراء، لكنها لا تزال جيدة. سألتها إن كنتُ أستطيع أخذها، فلم تجب، ربما لم تسمع، فأخذتُها من دون تكرار السؤال وهربت.

واحدة كانت بلا عنوان وأوراقها ناقصة فتخليت عنها، والثانية أخافني عنوانها: «أين عمري». خفت أن أصل إلى يوم أطرح فيه على نفسي هذا السؤال. أعلم أنني لا زلتُ صغيرة، لكنني لا أريد أن يضيع عمري من دون أن أشعر أنني عشته حقّاً.
لقد حان وقت العشاء الآن، وأمي تناديني لتناول الطعام. هل أسألها عن كيفية حصولها على الروايات؟ لا، ليست فكرة جيدة.
في المناسبة، عنوان الرواية الثالثة «العمر لحظة»، ألا تعتقد أنها إشارة؟

* مشغرة/ لبنان
كتابها توثيق ليومياتها تحت القصف في غزة: فاتنة الغرّة... أرشيف الإبادة
محمد ناصر الدين

من «كربلاء الثانية»، من غزة المحاصرة من البرّ والبحر والجو، وإليها، كان على الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا فاتنة الغرة أن تقطع رحلة الذهاب والإياب ليكون اللقاء مع «غزّة التي يقارب عمرها أربعة آلاف سنة، غزّة بوصلة الإنسانية، غزّة التي كلّ ما قيل اسمها صلب ظهري، وإلى أمَّي رابعة روحي التي تدبّ على الأرض». رحلةٌ تحبس الأنفاس تابعنا فيه فاتنة يوماً بيوم على حسابها الفايسبوكي، منذ وصولها إلى غزة عبر القاهرة قبل أيام قليلة من الطوفان بعد غربة امتدت خمس عشرة سنة في المنفى البلجيكي، لتواكب الطوفان لحظة بلحظة منذ حدوثه في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حتى التاسع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2023 لحظة نجاحها في لقاء والدتها والوصول مع العائلة إلى «الممرّ الآمن»: إنها يوميات المقاومة والصمود في مواجهة الإبادة، والإصرار على أقحوانة الحياة التي تشق طريقها الصعب في قلب تربة الموت، وقد تحولت إلى كتاب يحمل عنوان: «دم نازح في الممرّ» صادر عن منشورات «المتوسط » (ميلانو) نهاية العام المنصرم. يمكن اعتباره بمثابة أرشيف حيّ وتوثيق للطوفان الكبير بتفاصيله الصغيرة واللحظات التي قضتها الغرّة في مستشفى «القدس» في تل الهوا، كأنّها التتويجات الصغيرة التي تجتمع كلها لتصنع وردة الدم، وترمي بالجرح الفلسطيني في وجه العالم الوقح، طريّاً، نازفاً يندد بالخرَس «المنهجي» عند أرباب السياسة والثقافة في الغرب. هذا الذي لا يريد أن يرى مأساة خارج نطاق مصالحه الضيقة ورعايته لآخر حالة كولونيالية في التاريخ. لا يريد الغرب شِعراً بعد أوشفيتز، كما يقول أدورنو، لكن بلى، لا بد من الشعر والأدب والكتابة في كل محرقة يُفرى فيها اللحم الحي للأبرياء، وفي كل مقتلة تقرر فيها آلة البطش والتنكيل أن تمحو مدناً بأسرها، بتاريخها ومعالمها وذكرياتها عن الخريطة. ولا بد للروح التي تكتب هذه اليوميات من أن تذكرنا بسيجارة مهرّبة بين موتين، واستذكار وجه الأم في الطفولة حين تخبز بفرنها الطيني، وسؤال تافه عن مكنسة بين أروقة المستشفى المحاصر وإصرار على الحياة التي تدبّ عبر ضوء من تحت الركام، وعلى شعب لو صلِب على حجر سيقول لا، وسيبلغ يوماً ممرّه الآمن إلى الحرية بعد مسير فوق الأشواك، ويعبّ من هواء الكرامة فوق غزة ما يملأ به رئتيه. هنا ننشر مقتطفات من الكتاب


دمٌ نازحٌ في الممر
(من الرسالة الرابعة عشرة)

يصطف مطبخنا الصغير «نظريّاً» جوار مكان نومي، صندوقان من الكرتون المقوى نضع فيهما بعض المعلَّبات التي وصلَتنا من الهلال الأحمر وبضعة أكواب وصحون بلاستيكية وكرتونية استطعنا توفيرها، حيث نقوم بإعادة استخدامها حتى يهترئ الكرتون بفعل السوائل، فنقوم بالتخلص منه آسفين من فقداننا شيئاً من قوام المطبخ الصغير، وفي أسفل الصندوق تجد أكياساً صغيرة تحتوي على القليل من الميرامية والسكّر والشاي الذي لا غنى لنا عنه خاصّة بعد انقطاعنا عن العالم وندرة وجود القهوة التي تساعد على تعديل المزاج أو هكذا كنّا نقنِع أنفسنا.

نستعيض عنها أحياناً بأكياس النسكافيه أو القهوة السريعة الذوبان، والتي أيضاً صارت عزيزة ونادرة كلّما مرّ يوم إضافي على حصارنا في المستشفى. لكن عمّكِ زياد كان دائماً ما يجد طريقة لتزويدي بكوب القهوة وإن آثرني على نفسه ودائماً ما يفعل.

أمام مطبخنا غرف مرضى عادة ما تكون الأبواب مغلقة إلّا وقت القصف، حيث يتمُّ تفريغ أغلب الغرف من المرضى إلى داخل الممرَّات، فالقصف في الخارج لا يتوقّف، خاصّة في حفلة السهرة التي يمكن أن تمتدَّ من الساعة الحادية عشرة ليلاً وحتّى الساعة الخامسة فجراً بوتيرة واحدة، يكاد القصف فيها يقع كلّ دقيقة مثلما يحدث أحياناً أن تسقط الصواريخ بمعدَّل ثلاث «دبَّات» في الدقيقة الواحدة، يقتلوننا ببطء، القتل ليس دماً يسيل وجسداً يتضعضع ويفرقع تحت أنقاض البيوت، الموت هو صوت القذيفة أو الصاروخ الساقط على أحلامنا. تعوّدتُ في أيَّام القصف المتواصلة على التأقلم، لا بدَّ للمرء هنا من التأقلم حتَّى لا يموت مع كلِّ صاروخ يسقط.

أنظر إلى وجوه النساء اللواتي يأتينَ إليَّ أحياناً بحثاً عن أجوبة تُسكِّن القلق الذي يأكل أكبادهنَّ منذ أن انتشرت معلومة أني كاتبة وصحافية، خاصّة حين كانوا يروني أتحدَّث أحياناً بالإنكليزية مع محطة تلفزيونية أو بالهولندية التي لا يفهمونها، وكثيراً بالعربية. وباتت هناك قناعة بأن لديّ أجوبة عن أسئلة شائكة، لكن السؤال الأكبر كان حول موعد انتهاء الحرب. تأتي النساء أحياناً ليسألنني أسئلة أظلّ أمامها فاغرة فاهي غير مدركة: أهذا السؤال حقيقة أم مقلب؟

أهو موجَّه لي أم لامرأة أخرى لا أراها؟ مثل أن تأتي امرأة إليَّ ذات صباح كنتُ أحاول التفاهم مع العالم المحيط بي وأنا أحيط وجهي بكفيّ في صمتي الصباحي الروتيني، فسقط السؤال على رأسي فجأة مثل مقلاة: «في حواليكي مكنسة يختي؟» رفعتُ رأسي للسائلة أنظر باستغراب، حيث إنني أجلس على فرشة فارغة إلَّا منِّي ومن مخدَّة أستند بظهري عليها، سألتُها: هل توجِّهين السؤال إليّ؟ فأجابتني: «آه، فش عندك مكنسة؟».

نظرتُُ إليها لثوانٍ من دون إجابة، ثمَّ وضعت يدي في صدري أبحث عن شيء ما وأنا أقول لها، لم أجد شيئاً، أظنّها أحسَّت بالإهانة، لأني لم آخذ سؤالها على محمل الجدِّ، فقالت وهي تنصرف: «أنا الحقّ عليا اللي سألتك». تبدو الأسئلة هنا مجرَّد أسئلة، ولا يهمُّ كثيرين على من يطرحون السؤال ما دام أنّ الإجابة هي فتحة أمل ربما لتنظيف غرفة في طابق من مستشفى يعجّ بآلاف النازحين أو بانتهاء حرب كل يوم نصحو لنقول بيقين إنّ هذا هو يومها الأخير.

الحياة تطل عبر ضوء من تحت الركام
(من الرسالة السادسة عشرة)

محمد ذلك الطفل ذو السنوات العشر وصاحب أجمل ابتسامة رأيتُها، كان يتجوّل بيننا بكرسيِّه المتحرِّك وملفّ يحمل فيه رسوماته التي أمضى فترة علاجه هنا بالعمل عليها، يخبرني محمد أنه كان في البيت مع أسرته وهم من سكّان جباليا، حيث شعر فجأة أن البيت كلَّه هوى فوق رأسه، يقول لي إنه كان محاطاً بسجّادة كبيرة، التفّت عليه، فقام بتخليص نفسه منها بصعوبة، ونظر بعينيه من تحت الركام، ليرى ضوءاً يأتي من زاوية هناك، يخبرني وهو يبتسم عن محاولاته للوصول إلى النور رغم أنه كان يصرخ للأصوات في الخارج «أنا هنا، أنا تحت الركام»، لكنْ، لم يسمعه أحد، فظلّ يجرّ نفسه دون أن يُدرك أن قدمه مصابة حتَّى وصل إلى الضوء الذي رآه وظلَّ ينبش بأظافره الصغيرة والدم يشلب منها، يزيح حجراً من هناك وقطعة خشب من هناك محاذراً ألَّا ينهار شيء فوق رأسه. يخبرني محمد أنه بعد جهد من المحاولات، استطاع النفاذ من الفتحة التي وسَّع منها بأصابعه ومدَّ رأسه منها ثمَّ سحب باقي جسمه وظلَّ يركض حتّى تلقّفه المسعفون. وعند سؤالهم له عمَّن ساعده للخروج من تحت الركام أجاب بفخر: «أنا اللي طلعت حالي».

فتّة عدس بالدقّة والطحينة
(من الرسالة الثالثة عشرة)

كانوا يجهّزون فتّة عدس. لا أظنّ أنّي تناولتُ ألذّ منها سابقاً. مزيج الطحينة مع الدقّة الغزاوية التي تحتوي على الكثير من الفلفل الأخضر والثوم والليمون نقلَت فتَّة العدس البسيطة إلى مستوى آخر. كنتُ أقف على شباب الغرفة في أثناء إعداد الطعام، وأتابع بعيني الناس الذين يتناثرون في مداخل المستشفى وأمامه وفي ممرَّاته وبين السيَّارات المتناثرة. أتأمل في الصراعات الخفيفة التي دفعني صوتها للوقوف بداية على الشبَّاك.

أتأمَّل في وجوه الأطفال الذين يجرون بين أقدام الكبار يمارسون ألعاب الغمّيضة و«الصفطة» وهي لعبة تعتمد على فريقَين يرصّان بضع بلاطات صغيرة فوق بعضها ويضربانها بالكرة ويقوم الجميع بالجري والتملص من الكرة بينما يقوم باقي أعضاء الفريق بمحاولة رصّ البلاطات مجدداً فوق بعضها.

والأسبق في تحقيق الهدف هو المنتصر في اللعبة. لم يتعب الأطفال في محاولة البحث عن البلاطات، حيث هناك وفرة من البيوت المقصوفة، ويمكنهم دائماً العثور على شيء هناك. قبل أن نبدأ الأكل، طلبنا من أحمد الخروج من الغرفة، لأننا نريد أن نمشّط شَعْرنا، وهذا أمر ليس من اللائق أن يحدث أمام رجل.

خرج أحمد بعد مشاكسة لطيفة، ودخل المشط شَعري لأوَّل مرَّة منذ أيَّام طويلة. تغريد ظلّت تمشِّط شَعري كأنها تدلّكه، وأنا كنتُ أشعر أن هناك جرباً ما قد أصاب شَعري. الحكّة شبه دائمة، حيث لا سبيل لتهوية الشّعر بكشفه أمام النازحين هناك، ولا رفاهية حمّام محترم، فبات شَعري مرتعاً لكلِ ما هبَّ ودبّ. لكن ملعقة من فتَّة العدس خدَّرت ما تبقّى من حكَّة كنتُ أحسّها. الآن أنا في جنَّة من المذاق النادر. ولذلك اختفى كلّ شيء آخر حتّى القصف الذي كان يُوقِع من يد أحدنا ملعقته في لحظة مفاجئة.

سيجارة بين موتين
(من الرسالة الثامنة عشرة)

لم أكن يوماً مدخّنة، لكن سيجارة الصباح مع فنجان القهوة ضرورة ملحَّة، كي أتمكّن من التواصل مع العالم. اكتفيتُ هنا في كثير من الأحيان بنصف سيجارة أتحايل بمختلف الطرُق على تدخينها في الحمّام. أدلف إلى الداخل وأُنزل غطاء التواليت واقفةً بقدمي فوقه. أُشعل السيجارة ورأسي يمتدّ خارج النافذة.

القصف في الخارج يرجُّ المبنى والطرقات على الباب تستعجلني بالخروج، أتجاهلها أحياناً، تصيبني بالعصبية كلّ مرَّة، ولا أجد ردّاً منطقياً غير جملة واحدة: أعاني من الإمساك. يبدو هذا السبب منطقيّاً في الكثير من الأحيان للمنتظِرات خلف الباب. لكنَّ بعضهنّ يبدأن بالتندُّر عن هذا السبب، كأنهنَّ يخبرنني أن سبب إطالتي البقاء في الحمّام هو أمر آخر يتواطأْن على فعله، ربما لأن أخريات يقمنَ بالفعل نفسه.

أُنهي السيجارة على عجل، وأرشُّ قليلاً من معطِّر الجوّ خلفي في ما لو علقت الرائحة في الداخل، رغم أني كنتُ حريصة على مدّ رأسي لأبعد نقطة ممكنة خارج النافذة.

أخرج وأنا أتنفّس براحة بأن هذه المرّة عُدت بسلام من دون فضيحة في الطابق. مرَّة، كاد الأمر يصبح «جرصة» في الطابق، حيث علا صوت رجل يبدو من لباسه ولحيته أنه من المتعصِّبين. يقول إنّ هناك رائحة دخان تخرج من الحمّامات، وإننا في حرب، وهذا سلوك مرفوض، وبدأ بإلقاء خطبة عصماء، وأنا أتجاهل أن أنظر باتّجاهه حتّى جاء صوت طفل صغير يردُّ على الشيخ بأنّ حمّام الرجال مملوء بأعقاب السجائر، فسكت الشيخ كأنه بُهت، حيث أُسقط في يده القيام بدور الرقيب الديني علينا.

ما قاله الطفل كان طوق نجاة لكلِِّ امرأة أحسَّت بالقلق ذاته الذي أحسستُ به من انكشاف غوايتنا الصغيرة أمام الآخرين، ووضعنا في فوهة القيل والقال حول تلك النسوة اللواتي يردن الاستمتاع بسيجارة يتيمة، بذنْب بسيط لا يخصّ أحداً إلاهنَّ. متعة بسيطة قد لا تعني أحداً من المقيمين معنا، لكنها بالنسبة إليهنَّ وقت مستقطع من الحرب. وقت مستقطع من رائحة الموت والدمار، وقت مستقطع من موت ربما يستهدفهنّ في اللحظة القادمة.

طائر نقّار الخشب في صدري
(من الرسالة العشرين)

أحدّثك، يا لمار، عن خوفي من النشر على حسابي في الفايسبوك. بعد أيام من الحرب، أخذتُ قراراً بعدم النشر، عدم كتابة أي جملة على صفحتي. لم يكن فقط شحّ الإنترنت هو السبب، هذا أمر كانت له حلول، وإن لم تكن دائمة، لكن دافعي الأكثر خفية كان الخوف. كنتُ أتابع كلّ ما أتيح لي من منشورات من قبَل أصدقاء، عن أصدقاء آخرين كتبوها وباتت نعوات خاصّة بهم: أيّ كلمة كنت أفكّر بكتابتها كنتُ أراها نعوة، قد ينشرها أصدقاء في وقت لاحق، حتّى صباح الخير قد يشاركها صديق أو صديقة ما كاتباً فوقها، لم تعِش حتّى يأتي الصباح بخير.

لم أستطع احتمال فكرة أن أصبح خبراً تتمّ مشاركته، وأعلم أنّ كثيرين سيكتبون كلاماً لم يقولوه لي. سيمدحونني ويمجّدون حضوري الذي كان، وهناك من سيدّعي أننا كنَّا أقرب الأصدقاء، كي يحظى بعدد أكبر من اللايكات. كما أنني لم أكن أرغب أن يتنامى عدد متابعيَّ بدافع الشفقة أو التشجيع، كأنني ثور في حلبة أو ديك في مصارعة. اكتفيتُ بطمأنة الصديقات والأصدقاء الذين ما كفّوا عن السؤال والدعم، وكان السؤال دائماً: «فاتنة طمنينا هل أنت بخير؟».

هنا تفقد الكلمات معانيها المعجمية، يا لمار، فهذا السؤال يبدو منطقياً حين تريدين الاطمئنان على أحد، هل أنتَ بخير؟ خرج الخير من الكلمة وبقيت مفرغة من معناها، فلم أجد ردّاً غير أننا على قيد الحياة، ما زلنا على قيد الحياة أو أختصر هذا كلّه بكلمة «عايشين الحمد لله». تكفي هذه الكلمة ليعرفوا أنني ما زلتُ أتنفّس.

كان ياسر الزيات صديقي الشاعر والصحافي المصري يرسل إليّ في كثير من الأحيان نقاطاً، كي يعرف حين تتحوَّل لديه إلى اللون الأزرق مع خطّين أنني ما زلت أتنفس وأن هاتفي ما زال قادراً على الحياة. لا تعلمين، يا حبيبتي، كم أنقذ هذان الخطَّان الأزرقان حياة أناس عدّة. بعضهم كان تحت الردم، وكان الخطّان هذان بمثابة إشعارَيْن لدى المسعفين بوجود حياة في الأسفل تحت كلّ هذي الحجارة وهذا الردم المتراكم فوق الصدور.

وأنا أكتب لكِ عن الخوف تذكّرتُ مشهداً في مسلسل Game of Thrones حين كان نيد ستارك ينفّذ حكم الإعدام بحقّ شخص ما، وكان هناك نقاش بين أبنائه عمّا لو كان المعدوم خائفاً أم شجاعاً. كان الطفل بران يحضر هذا الحكم، لذا استثار السؤال رغبته في المعرفة، فقام بسؤال والده بعد تنفيذ الحكم: «يا أبي، هل يمكن للمرء أن يكون شجاعاً وهو خائف؟». فردَّ عليه والده: «يا بني، لا يمكن للمرء أن يكون شجاعاً إلّا وهو خائف».

مشي الخوف ولا مشي الطمع يمّه
(من الرسالة الثالثة والعشرين)

قدما أمي الصغيرتان تعودان للمشي، كفّها على ذراعي والآخر على عكّازها، والشوارع تبدو أطول لمَن لا يعرفها مثلي. كم يبلغ طول المسافة حتّى الوصول إلى مفترق شارع صلاح الدين؟

على الخريطة لا تظهر أيّ بيانات تشير إلى المسافة ما بين النقطتَين، وليس لنا إلَّا أن نُكمل المسير. أكمل الطريق وكلّ ما فيّ ينزّ ماءً وأنا أنظر إلى وجه أمّي الذي صار الدم فيه أكثر وضوحاً من لون البشرة.

تحوّل وجهها إلى أحمر فاقع، ذكّرني بالوقت الذي كانت تقضيه بالساعات أمام فرن الطينة وهي تخبز لنا. وجهكِ الآن، يا أمّي، أحمر داكن من دون فرن طينة. لا أكفُّ عن سؤالها: هل نستريح، يا أمّي؟ ولا تكفُّ هي عن تكرار الإجابة نفسها: «امشي يمَّه، مشي الخوف ولا مشي الطمع».

كيف كنتِ تمشين، يا أمّي، عندما نزحتِ مع أهلكِ من الكوفخة قريتكِ الصغيرة الواقعة في شمال غزة، كنتِ طفلة تبلغين وقتها أربع سنوات، ربما كنتِ تَجرين وقتها، وربما نمت وأنتِ تمشين مع الماشين المهجَّرين من بيوتهم قسراً. أكاد أراكِ الآن، يا رابعة، وجدّتي تنادي عليكِ، كي تلزمي خطَّ الطريق، أكاد أراكِ وأنتِ تمشين حافية القدمين، تحملين لعبة صغيرة بين ذراعيكِ أو ربما صرَّة فيها بعض من ملابسكِ أو كلّها.

نمشي فيتّسع الطريق ويستطيل، النازحون يجيئون ويذهبون، يأتون من الخلف ويمضون إلى الأمام. نحن نمشي على وقع خطاكِ، يا أمّ، تذكّرني هذه الجملة، يا لمار، بجملة من نصّ كتبه عمُّكِ جهاد الذي اختفت آثاره من الحياة قبل سبعة وعشرين عاماً وهو يقول في رسالة وصلت إلينا في أثناء دراسته في سوريا: «راحل، يا أمَ، فتكسرت تنهيدة من ثوبها، وتجعَّد الماضي على مرآة حاضره».

في أثناء المسير، كانت أمي تعرّفني على الشوارع التي نمرُّ فيها، على البيوت وأصحابها، فالكلُّ في الحيّ يعرف بعضه مهما اتّسعت رقعة الحيّ وتمدَّدت. تخبرني أمي أننا وصلنا إلى «المصلّبة» وهو اسم المكان. أنظر حولي وأحاول طبع هذه الأماكن في رأسي. أنظر إلى الأمام، فأرى عربة يجرُّها حصان تعدو قادمة باتّجاهنا. أفرك عينيّ، وأنظر مجدداً إلى الجالسين فوق العربة، أصرخ: «محمود، يمَّه محمود».

كان محمود أخي بعدما انتهى من دفن ابنه، اتجه إلى طريق صلاح الدين، حيث التقى بعائلته. سألهم عن أمي، فأخبروه أنها لم تصل بعد. كان قد عثر على سائق عربة، حيث تجمَّع سائقو العربات في مفترق صلاح الدين، كي يقلّوا العائلات للأمتار القليلة الباقية.

وحين عرف أنّ أمي لم تصل، طلب منه العودة إلى الوراء، حيث ظهر أمامنا عن البعيد. الدموع كانت تتناثر من عينيّ وأنا أشعر أنّ الحياة طبطبت على قلبي للحظة. سترتاح أمي من عناء قطع هذه الأمتار الباقية حتّى نصل إلى ما أطلقوا عليه «الممرّ الآمن». نزل محمود عن العربة بعينَين حمراوَين، تظنّهما امتصَّتا كلَّ الدماء من وجهه، لتتجمَّع فيهما. لا تعلمين، يا لمار، كمّ الدموع التي ذرفتها وأنا أنظر إلى وجه أمي التي صعدت بصعوبة وبمساعدة محمود إلى العربة.

العربة الصغيرة التي تجلس فوقها زوجته وبناته الأربعة ومتاعهم القليل الذي جلبوه معهم من المستشفى. حينها فقط استطعتُ فتح هاتفي، كي أوثّق هذه اللحظة، كي أوثّق وجه أمي وهي تنظر حولها وتسحب أنفاساً من الهواء كادت ألَّا تصل إلى رئتَيها.
هدنـة صغيـرة
محمد الأمين

نخرج من صدورنا كالدخان
نبحث عن نافذة لا تطلّ على الحرب
المدينة مقلوبة على وجهها
والعناوين تفر من البريد
كل شيء هنا يشبه وداعاً مؤجلاً
إلا أنتِ
كنت الوحيدة التي تعرف كيف تبتسم
بين سقوطين
عندما لمستُ يدكِ
ارتجفت المدافع
كأنها فهمت خطأً أن اللمسة إعلان حرب
قلنا إنّ الحب مقاومة
فضحك الموت في الخندق المقابل
وفي الليل تكتبين اسمي على الرمل
وأضع قلبي على فوّهة البندقية
أنتظر
أن يخطئ القناص مرةً
ويصيبني بالنجاة
هل يمكن للحب أن يكون جبهة؟
ربما
لكننا خسرنا المعركة بكرامة كاملة
وانسحبنا إلى سرير ضيّق
نفاوض الله
على هدنة صغيرة
تكفينا لنحلم فقط
بعد الحرب
لم نجد جثثنا
وجدنا رسائلنا
تنتظر البريد
الطرقات امتلأت بأزهار
نبتت من عظام الجنود
وكانت تشبه وجنتيك حين تضحكين
لم نعرف من انتصر
ولا من خسر
كلنا كنا نحمل في قلوبنا
صورة لشخص نحبه
وطلقة أخيرة
في الصباح
عادت الشمس متعبة من الأخبار
جلست معنا فوق الركام
شربت القهوة ببطء
وسألتنا بخجل طفولي:
هل ما زال فيكم أحد
يؤمن بالعناق؟

* لبنان
سهيل منيمنة... عاشق بيروت
بدر الحاج

رحل الصديق سهيل منيمنة وخسرت بيروت المؤرخ والباحث الأبرز الذي عمل على توثيق تراثها. كان من المؤسسين الأوائل لجمعية «تراث بيروت». من الصيدلة إلى التاريخ والهيام ببيروت مدينة مزّقتها الحروب، ودمرها الجشع، وابتلعها حيتان المال. تعرفت إلى سهيل عندما كنت أعمل على كتاب مصوّر عن بيروت بالتعاون مع سمير مبارك.

بادرت إلى الاتصال به إثر اقتراح من صديقة زودتني برقم هاتفه. أخبرته عن مشروعي وعن مجموعتي المصورة، وطلبت منه أن يحدد لي إذا أمكن بعض المواقع في الصور التي اقتنيتها، وقلت له أنا على استعداد للقاء بكم في أي مكان تريد. رد فوراً سأزورك للتو وأنا بشوق لمشاهدة صور بيروت التي تحدثني عنها.

وبالفعل في غضون أقل من ساعة، وصل وأطلعته على مجموعة ضخمة من الصور، اخترت بعضها للنشر في الكتاب. ذُهل ممّا شاهده، وأبدى الاستعداد للتعاون معي وأكد لي أنه سوف يتولى التعريف بالصور قائلاً «لا شيء مستحيلاً. بعض الصور بحاجة إلى قليل من البحث والتدقيق، لكن في نهاية المطاف ستكون النتيجة إيجابية». وبدأت اجتماعاتنا المتواصلة، في الأسبوع مرة أو مرتين، وكان فرحاً كطفل بما رأى من مشاهد أزيلت إلى الأبد، وقام بتعريف دقيق لمعظم صور الكتاب، فكان بمنزلة الجندي المجهول الذي أسهم بمعلوماته الدقيقة في نجاح الكتاب وانتشاره.

كتب سهيل بشكل دائم أبحاثاً عن بيروت ونشرها في بعض الصحف. وكانت صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي ملتقى جميع المهتمين بمدينة جرى تدميرها وتهميشها. نشر صوراً عن المدينة، إضافة إلى سلسلة مقالات عما ذكره الرحّالة في كتبهم عنها. وبعد صدور كتابي بالمشاركة مع سمير مبارك عن بيروت، أبلغني أنه تشجّع وخطرت له فكرة كتابة نصّ مفصل عن أسواق بيروت، واعتبر أنه من الصعب إيجاد ناشر لمثل هذا النوع من الكتب، والسبب أنّ معظم الجيل الجديد لا يقرأ، وهناك انحطاط لا مثيل له في الثقافة والمعرفة. شجّعته على أن يمضي بالمشروع، وعرضت عليه مجموعة من الصور النادرة عن أسواق بيروت لاستعمالها في كتابه في حال إنجازه وأكدت له أنني على استعداد لنشر الكتاب.

خلال السنة الماضية، كان يعمل بهدوء ومثابرة على جمع المعلومات عن الأسواق، وحصل بواسطة صديق مشترك على مجموعة كاملة مصورة إلكترونياً من جريدة «لسان الحال»، وبدأ بمطالعتها وتسجيل الكثير من المعلومات الواردة فيها. كذلك زوّدته بنسخ من صحف بيروتية في القرن التاسع عشر مثل «المفيد» و«الإقبال» و«حديقة الأخبار» ومصادر إنكليزية وغيرها.

اللقاء الأخير كان صباح أول من أمس، حيث كان ينتظرني في مقهى «الروضة» البسيط والمتميز بموقعه على شاطئ بيروت والذي كما قال لي مرة «هنا أنا أعيش بيروت كما كانت». أمضينا سوية حوالى الساعة، ناقشنا كتابي المصور عن طرابلس في صيغته النهائية بعدما اطّلع عليه، والذي ستبدأ طباعته الأسبوع المقبل. مساهمة سهيل في كتاب طرابلس هي مماثلة لمساهمته في كتاب بيروت، فبواسطته تعرّفت إلى أحد الخبراء الطرابلسيين في المدينة القديمة حازم عيش الذي قدم الكثير من المعلومات عن الصور القديمة التي عرضتها عليه. بعدما انتهينا من مناقشة كتاب طرابلس، كانت المفاجأة أن أبلغني أن مخطوطة أسواق بيروت جاهزة وأنه سيسلّمني نصها الأسبوع المقبل، وطلب مني البدء بتحضير الصور المناسبة لنشرها في الكتاب.

خلال مدة طويلة أمضيتها في اقتناء صور فوتوغرافية عن بلاد الشام والعراق، تعرفت إلى عاشقين لبيروت، الصديق الراحل المبدع فؤاد دباس، وسهيل منيمنة الباحث المتواضع الذي ولد وتوفي في مدينة كرّس لها ساعات طوال من عمره لتوثيق معالمها، وإلقاء المحاضرات عن دورها وأهميتها في هذا المشرق.

الحديث عن سهيل منيمنة يطول، وفي تجربته في حقل الصيدلة يخبرك بأخبار مرعبة عن مافيا الدواء في لبنان، وعن كميات الأموال التي يجنونها من الأسعار الباهظة التي ترهق المواطنين من دون رقيب أو حسيب. أذكر هنا حادثة أخبرني بها قبل حوالى أسبوعين، إذ قال إنّه توجه قبل حوالى 15 سنة إلى حلب بناء على دعوة صاحب مصنع أدوية يعتبره سهيل أهم وأنظف من مصانع أدوية ألمانيا التي زارها سابقاً.

اتفق مع صاحب المصنع على استيراد كمية من أدوية الفياغرا. كان الطلب عليها كثيفاً، وعمد إلى بيع العلبة التي تحوي ثلاثين قرصاً في السوق اللبنانية بمبلغ دولارين، في حين كان وكلاء الأدوية يبيعونها بـ30 دولاراً. لذلك، تعرّض لهجوم كبير مموّل من المستوردين أصحاب الوكالات الحصرية.

من الصعوبة بمكان الحديث عن رحيل أصدقاء تتناغم معهم في اهتمامات ثقافية مشتركة. برحيل أمثال هؤلاء الأصدقاء، تشعر بأن قطعة منك سقطت. كان سهيل منيمنة موسوعة بيروتية، سجل الكثير من المعلومات والملاحظات التي جمعها عبر مطالعاته المتواصلة. ما كتبه عن بيروت ومعالمها سوف يخلّد اسمه كباحث رصين في زمن تحوّلت المعرفة فيه رماداََ. لكن سهيل في قبره سيبقى جمرةً لا تنطفئ في هذا الرماد المتراكم على صدورنا جميعاً.
«هيومن رايتس ووتش»: ممنوع الحديث عن حقّ العودة!
علي سرور

تعرّضت مؤسّسة «هيومن رايتس ووتش» لهزّة أخلاقية وحقوقية مدوّية، بعدما قدّم مدير قسم إسرائيل/ فلسطين فيها، عمر شاكر، والباحثة المساعدة في القسم ميلينا أنصاري، استقالتهما احتجاجاً على قرار المؤسّسة بسحب تقريرٍ كان جاهزاً للنشر، يتناول حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي أُرغموا على مغادرتها منذ نكبة عام 1948.
الاستقالتان لم تكونا حدثاً إدارياً عابراً، بل كشفتا عن أزمة أعمق تتعلّق بحدود الخطاب الحقوقي الغربي حين يقترب من جوهر القضيّة الفلسطينية، وتحديداً من «الحقّ المحرّم» الذي ما تزال مؤسّسات كبرى تتجنّب ملامسته، ألا وهو حقّ العودة.

سُحب في اللحظة الأخيرة
كان من المقرّر نشر التقرير في الرابع من كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي، بعدما اجتاز كامل إجراءات المراجعة والموافقة الداخلية، وجرت ترجمته وتجهيزه تقنياً للنشر. إلّا أنّ القرار بسحبه صدر عشية موعد نشره، من دون مسوّغ قانوني مكتوب، وفقاً لما أكّده شاكر في رسالة استقالته.
وأشار شاكر وأنصاري إلى أنّ هذه الخطوة تمثّل خرقاً واضحاً لإجراءات المؤسّسة، وتعكس خشية سياسية من ردود الأفعال المحتملة، أكثر ممّا تعكس التزاماً بالمعايير الحقوقية أو بالقانون الدولي. وكتب شاكر بوضوح: «لم يعد بإمكاني تمثيل هيومن رايتس ووتش أو الاستمرار في العمل معها»، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في توثيق انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي.

«الخط الأحمر» داخل المنظّمات الحقوقية
أدانت «هيومن رايتس ووتش» مرّات عدّة «إسرائيل»، وسبق أن استخدمت مصطلحات مثل «الفصل العنصري» و«الاضطهاد»، كما وثّقت «أفعال إبادة» في قطاع غزّة، خصوصاً في تقارير أواخر عام 2024. غير أنّ شاكر رأى أنّ ثمّة استثناءً واحداً ما يزال قائماً، حتّى داخل هذه المؤسّسة، وهو حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين.
في هذا السياق، شدّد شاكر على أنّ المنظّمات الحقوقية العالمية بدأت تتقدّم خطوة إلى الأمام في توصيف الجرائم الإسرائيلية، لكنّها تتراجع حين يتعلّق الأمر بتطبيق القانون الدولي على حقّ العودة، رغم أنّه مكرّس في مواثيق دولية أساسية، وأكّدته قرارات أممية ومحكمة العدل الدولية.

جريمة مستمرّة منذ 1948
يُعرّف التقرير المسحوب رفض «إسرائيل» السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين على أنّه «جريمة ضدّ الإنسانية»، لأنّه لا يكتفي بإدامة نتائج التطهير العرقي الذي وقع عام 1948، بل يرسّخه ويحوّله إلى سياسة دائمة.
ويُذكّر السياق التاريخي بأنّ أكثر من 750 ألف فلسطيني طُردوا أو أُجبروا على الفرار من منازلهم خلال النكبة، وقُتل آلاف آخرون، فيما ما يزال أبناؤهم وأحفادهم محرومين من حقّ العودة، في انتهاكٍ واضح لمبادئ العدالة والإنصاف.

«سياسة انتقائية»
في مقابلات إعلامية لاحقة، من بينها حوار مطوّل مع الإعلامي مهدي حسن، وصف شاكر قرار سحب التقرير بأنّه «سابقة مقلقة»، واعتبره شكلاً من «الانتقائية الأقرب إلى السياسة منها إلى حقوق الإنسان». كما أوضح أنّ قيادة المؤسّسة الجديدة خشيت أن يُفسَّر التقرير على أنّه دعوة إلى «تقويض الطابع اليهودي للدولة»، وهو منطق رآه شاكر خضوعاً صريحاً للرواية الإسرائيلية، وليس تقييماً قانونياً محايداً.
إضافة إلى ذلك، لفت شاكر إلى أنّ هذا التردّد يعكس عجزاً مزمناً لدى مؤسّسات «تقدّمية» عن تبنّي حقّ العودة، بوصفه لا يزال موضوعاً محظوراً وحسّاساً جداً في الخطاب الغربي حول فلسطين.

أزمة مصداقية أوسع
تكشف هذه الاستقالات عن مأزق حقيقي تعيشه المنظّمات الحقوقية الدولية، في ظلّ الضغوط السياسية المتزايدة مع اتّساع رقعة الجرائم الإسرائيلية، ولا سيّما في الأعوام الأخيرة، سواء في قطاع غزّة والضفّة الغربية، أو حتّى في لبنان واليمن وسوريا.
وبينما تُعدّ وقفة عمر شاكر صرخة كاشفة عن عجز حتّى المؤسسات الإنسانية لتبنّي حقوق الفلسطينيين التاريخية المشروعة، لا تزال بعض الحكومات العربية تُعوّل على المجتمع الدولي ومؤسساته كسبيل وحيد لتحقيق العدالة لشعوبها. في المحصّلة، تعيد قضية استقالة عمر شاكر وميلينا أنصاري تسليط الضوء على ازدواجية المعايير المستشرية في المؤسسات الغربية والدولية، وشرائع حقوق الإنسان التي تستثني الضحيّة. ومع اقتراب نكبة الفلسطينيين من إكمال عقدها الثامن، تأتي هذه المحطّة الجديدة كتذكار يؤكّد على مسار عالمي من التخاذل الذي ظلم شعباً بأكمله إرضاءً لمصالح حدّدتها موازين القوة، لا حقوق الإنسان.
آخر ظهور
محمد حسن دهيني

الآن
الوحدةُ بكلّ تجلّياتها تحيطني،
والحزنُ بكامل قواه يحتلُّ تفاصيلي،
القلبُ منصرفٍ إلى عمله الجديد: غربلةُ سريعةٌ لكل ما كان يُسمى حبّاً...

■ ■ ■

الذاكرةُ امتلأتْ
أبني زاوية حجرية لتخزين أوراق الذكريات
وأشعلُ مروحة الريح
بعد قليلٍ يغادرني من مارسَ خفّته
أمّا الثقيلُ فله
روح البقاء...

■ ■ ■


الطيورُ ما عادتْ على أشكالها تقعُ
ليس ذنبها
الطيور أشكالها ثابتة
هم...
هم يتغيرون كثيراً

■ ■ ■

تبدلتَ حين غيّرتَ عادتَك في انتظارهم
انتظارُك عند مفترق الطرق
لا يشبه انتظارك عند «آخر ظهور»

■ ■ ■

وآخر لمعة عين
لا يمكن أن تشبهها برسالة محذوفة...
الدمعة ليست وجهاً حزيناً
يظهر على الشاشة...
الدمعةُ جملةٌ خبريةٌ تقول: أنا تعبت.

■ ■ ■

كلُّ ما يجري حولك
لا يجري حولك
لستَ مَركزاً
أو قطب الرحى
أو نقطة الدائرة الوحيدة
وجودك في النصف لا يعني
أن هذا قدرك
إذا أحببتَ الثبات
فلا تكن النقطة المركز
إذا شئت أن تُمارسَ دورك
كن نقطة النون (ن)
هكذا يكتمل معناها ومعناك
الجلوس فوق نصف دائرة
حرية
وفيه هامش للرحيل...
رحيلك نهاية للمعنى
وليس نهاية الدور.

■ ■ ■

النقطة تتعب
تجلس في آخر السطر
النقطة مركز استقال من دوره ليتقمّص جسد النهاية.

*الخرايب (قضاء صيدا)/ لبنان


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire