بقلم: عابر سبيل
كان طريق الساحل القديم أشبه بشريان مسدود بجلطة من الحديد والخوف. سيارة الـ"مرسيدس" القديمة تئن تحت حملها الزائد؛ حقائب مكدسة فوق السقف ربُطت بحبال الغسيل، وفي الداخل، تكدس سبعة أرواح في حيز لا يتسع لخمسة.
الحرارة خانقة، ومكيف الهواء معطل، ورائحة العرق تختلط برائحة البنزين المحترق. في المقعد الخلفي، حُشر الأطفال الثلاثة بجانب جدتهم. كانت الجدة "أم علي" صامتة تماماً، منفصلة عن هذا العالم، تحتضن قفص عصفور الكناري الأصفر بيديها المرتعشتين. كان العصفور هو الشيء الوحيد الذي أصرت على حمله من بيتها الذي تركته للتو، وكأنها تحمل ما تبقى من "صوت الحياة" في قفص.
فجأة، ودون سابق إنذار، سعل المحرك سعلة جافة، انتفضت السيارة، ثم ساد صمت ميكانيكي مرعب. توقفت السيارة وسط الزحام، بينما كانت أصوات الانفجارات البعيدة تقترب رويداً رويداً، وأزيز "الأم كا" يحفر في الرؤوس.
"لا.. لا.. مش وقتك هلأ!"، صرخ الأب "سمير" وهو يضرب المقود بكفيه. نزل مسرعاً وفتح غطاء المحرك. تصاعد بخار أبيض كثيف لفح وجهه. وقف وسط الطريق ينظر بحيرة إلى الأسلاك والحديد الساخن، بينما السيارات خلفه تطلق أبواقها بجنون، وسائق شاحنة يصرخ به: "حرك يا خيي.. القصف ورانا!".
في الداخل، انفجر الرضيع بالبكاء، ولحق به أخوه الأوسط خوفاً من صراخ الناس. كانت الأم "منى" تحاول تهدئتهم وهي تمسح العرق عن جبينها، وعيناها مثبتتان على زوجها في الخارج، تراقب السماء بخوف، تتوقع سقوط الموت في أي لحظة.
وسط هذه الفوضى، شدت الطفلة "لارا" (8 سنوات) طرف ثوب أمها، وهمست بصوت خافت لكنه مسموع: "ماما.. نسيت 'لولو'..". التفتت الأم إليها بحدة: "شو؟". قالت لارا وعيناها تلمعان بالدموع: "لعبتي لولو.. نسيتها ع التخت.. بدي إرجع جيبها".
تجمد الدم في عروق الأم. تحول الخوف المتراكم إلى انفجار هستيري. صرخت بوجه طفلتها بصوت شرخ جدار الصمت داخل السيارة: "انتي مجنونة؟ نحنا وين وانتي وين؟ نحنا عم نهرب من الموت وانتي بدك شقفة بلاستيك؟ اسكتي! ما بدي اسمع صوتك!".
انكمشت لارا في مقعدها، ودفنت وجهها في كتف جدتها. لم تتدخل الجدة، بل اكتفت بوضع يدها المتجعدة على رأس حفيدتها، بينما ظلت عينها الأخرى تراقب العصفور الذي كان يرفرف بجنون داخل القفص، خائفاً هو الآخر.
في الخارج، كان سمير يصارع الوقت. يداه تلطختا بالشحم والزيت الأسود. وجد العطل؛ سلك البطارية المهترئ قد فلت. عقده بأسنان الكماشة، ولفه بقطعة قماش ممزقة. مسح العرق الذي دخل في عينيه، وأغلق الغطاء بقوة. عاد إلى مقعد السائق، أدار المفتاح.. "تكتكة".. ثم دار المحرك بصوت هادر.
"الحمد لله!"، زفر سمير بارتياح، والتفت إلى الخلف ليرى عيون عائلته الشاحبة. "مشى الحال.. يالله، عشر دقايق ومنصير ببيروت".
تحركت السيارة ببطء، تشق طريقها وسط الزحام. هدأت الأم، وعاد التنفس إلى صدورهم. لكن لارا لم تهدأ. أدارت رأسها ببطء نحو الخلف، ونظرت عبر الزجاج الخلفي المغبر.
هناك، في الأفق الجنوبي حيث كانت قريتهم قبل ساعة، رأت عموداً ضخماً من الدخان الأسود يتصاعد نحو السماء، يبتلع البيوت والحقول.. وربما سريرها ولعبتها "لولو".
لم تبكِ لارا. مسحت دموعها بظهر يدها بصمت، وعادت لتنظر إلى الأمام. نظرت إلى أمها، وإلى أبيها، وإلى الطريق الطويل المجهول. في تلك اللحظة، ودون أن تنطق بكلمة، أدركت لارا أن الطفلة التي كانت تبكي على دمية قبل عشر دقائق قد ماتت هناك تحت الدخان.
لقد كبرت في هذه الرحلة عشر سنوات كاملة.
كان طريق الساحل القديم أشبه بشريان مسدود بجلطة من الحديد والخوف. سيارة الـ"مرسيدس" القديمة تئن تحت حملها الزائد؛ حقائب مكدسة فوق السقف ربُطت بحبال الغسيل، وفي الداخل، تكدس سبعة أرواح في حيز لا يتسع لخمسة.
الحرارة خانقة، ومكيف الهواء معطل، ورائحة العرق تختلط برائحة البنزين المحترق. في المقعد الخلفي، حُشر الأطفال الثلاثة بجانب جدتهم. كانت الجدة "أم علي" صامتة تماماً، منفصلة عن هذا العالم، تحتضن قفص عصفور الكناري الأصفر بيديها المرتعشتين. كان العصفور هو الشيء الوحيد الذي أصرت على حمله من بيتها الذي تركته للتو، وكأنها تحمل ما تبقى من "صوت الحياة" في قفص.
فجأة، ودون سابق إنذار، سعل المحرك سعلة جافة، انتفضت السيارة، ثم ساد صمت ميكانيكي مرعب. توقفت السيارة وسط الزحام، بينما كانت أصوات الانفجارات البعيدة تقترب رويداً رويداً، وأزيز "الأم كا" يحفر في الرؤوس.
"لا.. لا.. مش وقتك هلأ!"، صرخ الأب "سمير" وهو يضرب المقود بكفيه. نزل مسرعاً وفتح غطاء المحرك. تصاعد بخار أبيض كثيف لفح وجهه. وقف وسط الطريق ينظر بحيرة إلى الأسلاك والحديد الساخن، بينما السيارات خلفه تطلق أبواقها بجنون، وسائق شاحنة يصرخ به: "حرك يا خيي.. القصف ورانا!".
في الداخل، انفجر الرضيع بالبكاء، ولحق به أخوه الأوسط خوفاً من صراخ الناس. كانت الأم "منى" تحاول تهدئتهم وهي تمسح العرق عن جبينها، وعيناها مثبتتان على زوجها في الخارج، تراقب السماء بخوف، تتوقع سقوط الموت في أي لحظة.
وسط هذه الفوضى، شدت الطفلة "لارا" (8 سنوات) طرف ثوب أمها، وهمست بصوت خافت لكنه مسموع: "ماما.. نسيت 'لولو'..". التفتت الأم إليها بحدة: "شو؟". قالت لارا وعيناها تلمعان بالدموع: "لعبتي لولو.. نسيتها ع التخت.. بدي إرجع جيبها".
تجمد الدم في عروق الأم. تحول الخوف المتراكم إلى انفجار هستيري. صرخت بوجه طفلتها بصوت شرخ جدار الصمت داخل السيارة: "انتي مجنونة؟ نحنا وين وانتي وين؟ نحنا عم نهرب من الموت وانتي بدك شقفة بلاستيك؟ اسكتي! ما بدي اسمع صوتك!".
انكمشت لارا في مقعدها، ودفنت وجهها في كتف جدتها. لم تتدخل الجدة، بل اكتفت بوضع يدها المتجعدة على رأس حفيدتها، بينما ظلت عينها الأخرى تراقب العصفور الذي كان يرفرف بجنون داخل القفص، خائفاً هو الآخر.
في الخارج، كان سمير يصارع الوقت. يداه تلطختا بالشحم والزيت الأسود. وجد العطل؛ سلك البطارية المهترئ قد فلت. عقده بأسنان الكماشة، ولفه بقطعة قماش ممزقة. مسح العرق الذي دخل في عينيه، وأغلق الغطاء بقوة. عاد إلى مقعد السائق، أدار المفتاح.. "تكتكة".. ثم دار المحرك بصوت هادر.
"الحمد لله!"، زفر سمير بارتياح، والتفت إلى الخلف ليرى عيون عائلته الشاحبة. "مشى الحال.. يالله، عشر دقايق ومنصير ببيروت".
تحركت السيارة ببطء، تشق طريقها وسط الزحام. هدأت الأم، وعاد التنفس إلى صدورهم. لكن لارا لم تهدأ. أدارت رأسها ببطء نحو الخلف، ونظرت عبر الزجاج الخلفي المغبر.
هناك، في الأفق الجنوبي حيث كانت قريتهم قبل ساعة، رأت عموداً ضخماً من الدخان الأسود يتصاعد نحو السماء، يبتلع البيوت والحقول.. وربما سريرها ولعبتها "لولو".
لم تبكِ لارا. مسحت دموعها بظهر يدها بصمت، وعادت لتنظر إلى الأمام. نظرت إلى أمها، وإلى أبيها، وإلى الطريق الطويل المجهول. في تلك اللحظة، ودون أن تنطق بكلمة، أدركت لارا أن الطفلة التي كانت تبكي على دمية قبل عشر دقائق قد ماتت هناك تحت الدخان.
لقد كبرت في هذه الرحلة عشر سنوات كاملة.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire