وصال الوردي
يرصد كتاب شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» كواليس حرب 1948 عبر رسائل شخصية ومواد دعائية، كاشفاً زيف السرديات الرسمية. يبرز الكتاب التخبط الأخلاقي للجنود اليهود بين الأيديولوجيا والواقع الدموي، ومعاناة المتطوعين العرب من نقص الإمدادات، موثقاً النكبة من داخل الأرشيفات العسكرية كشهادة حية على التحولات النفسية والميدانية لحظة وقوع الحرب
يضمر عنوان كتاب الباحث شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» (2021) مفارقة تتكشف لدى قراءته. حتى وإن أوحت صيغة الخطاب بالألفة والمعرفة والحميمية بين المرسل والمرسل إليها، تكشف الرسائل التي يناقشها الكتاب لجنود يهود شاركوا في حرب 1948 عن مشاعر اغتراب تجاه فلسطين التي تُخاطَب، ويُكتب عنها، ويُتخيَّل مستقبلها وماضيها.
كما تكشف عن تخبّط أخلاقي وحيرة حول ما يفعلونه أو ينتمون إليه وتعطش إلى العنف ثم نفور منه فمحاولة تبريره بذريعة ضرورة «عودة اليهودي إلى التاريخ».
بين الأرض المتخيلة والأرض المأهولة
كم كان هناك فرق، بين الرغبة في عودة اليهودي إلى التاريخ وعودة الفلسطيني إلى بيته وفراشه، هذا الشرخ بين الأرض المتخيّلة وتلك المأهولة، بين الامتلاك الأيديولوجي والاقتلاع المعيشي، يمتد في فصول الكتاب الخمسة كخطّ صدع مستمر. قبل أن تطأ أقدام معظم من أصبحوا جنوداً إسرائيليين أرض فلسطين، أُخضعت البلاد لتكثيف رمزي مفرط، فظهرت أرضاً خلاصية. وحالما جرى اللقاء الفعلي، حتى بدأت هذه التجريدات بالتبدد.
يتعامل الكتاب، الصادر أخيراً بالعربية عن دار «صفصافة» في القاهرة (ترجمة ميسرة صلاح الدين)، مع رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في «جيش الإنقاذ»، إلى جانب مواد دعائية وأيديولوجية: أوامر المعارك، كتيبات، مجلات ونشرات الجيش، والبث الإذاعي، التي استُخدمت لتعبئة الجنود وتشكيل وعيهم.
التنقّل بين أنظمة أرشيفية معادية
يشكّل العثور على الرسائل نفسها وتحويلها إلى أرشيف بُعداً حاسماً في المنهج التاريخي للكتاب. فلم يعثر المؤلف على مجموعة جاهزة من المراسلات الشخصية، بل أعاد بناء هذه المواد من خلال التنقّل بين أنظمة أرشيفية مجزأة ومعادية غالباً: الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، وملفات الاستخبارات، ومكاتب الرقابة، ومجموعات لم تبقَ فيها الرسائل الخاصة إلا لأنها كانت قد صودرت أو تُرجمت أو حُفظت لأغراض المراقبة.
يظهر عدد من رسائل الجنود والمتطوعين لا بوصفها وثائق شخصية كاملة، بل في شكل نسخ أو مقتطفات أو ترجمات مُدرجة داخل تقارير استخباراتية وملفات إدارية.
وهذا يعني أنّ ما نجا من هذه المواد هو أصلاً مُشكَّل بعلاقات القوة: فقد حفظت الدولة هذه الأصوات الحميمة لا من أجل تذكّرها، بل من أجل مراقبتها والسيطرة عليها واستخلاص المعلومات منها. ومن خلال إعادة تجميع هذه الآثار المتناثرة، يحوّل المؤلف فعلياً أدوات المراقبة إلى مصادر للشهادة التاريخية. فهو يقرأ الأرشيف «ضدّ تيّاره»، متعاملًا مع ممارسات الرقابة والاستخبارات لا بوصفها عوائق، بل باعتبارها جزءاً من القصة نفسها. والنتيجة منهج يكشف كيف تدخل التجربة الخاصة إلى التاريخ عبر أنظمة بيروقراطية قسرية، وكيف يمكن كتابة النكبة من خلال وثائق لم تُكتب أصلاً للشهادة التاريخية.
قراءة هذه الرسائل على خلفية خطاب التلقين العسكري تفكّك الطريقة التي أُنتج من خلالها المعنى القومي للحرب لحظة وقوعها، بعيداً عن السرديات الرسمية اللاحقة. تكشف هذه المقاربة فجوات واضحة بين الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتجربة القتال الفعلية.
مثلاً، محاولات قيادة «جيش الدفاع» الإسرائيلي لإقناع الأشكيناز (يهود أوروبا) بأن العنف المنظّم منسجم تماماً مع التقاليد الدينية اليهودية، أو تصوير قتل العربي للمزراحيين (اليهود العرب خاصة المغاربة) كفعل ثأري يعوّض عن معاناة اليهود في البلاد العربية، لم تُقابل دوماً بالامتثال. تُظهر المراسلات تردّداً، اعتراضاً، وأحياناً لامبالاة تجاه هذه السرديات، سواء لدى الأشكناز أو المزراحيين، ما يقوّض صورة التماسك الأيديولوجي التي روجت لها القيادة العسكرية. سنقرأ كيف عاد كثير من اليهود المغاربة إلى وطنهم كرد فعل على ما حدث في عام 1948.
رسائل المتطوعين العرب وكتابات الفلسطينيين
تفصح رسائل المتطوعين العرب والفلسطينيين عن توترات في علاقتهم بقيادة «جيش الإنقاذ العربي»، أو حتى مع الفلسطينيين في القرى والبلدات التي مروا عليها. يكتب خالد ارسلان، المتطوع الدرزي السوري الذي دخل فلسطين ضمن قافلة يقودها الضابط السوري فوزي قاوقجي، إلى عمّه عن الحفاوة والحماسة، فقد استقبلهم أهالي المدن والقرى بالهتافات «عاشت الدول العربية، عاشت فلسطين عربية»، فزادت من ثقة المقاتلين المؤمنين بحتمية الانتصار.
سنقرأ عن هذه الثقة في رسائل آخرين أيضاً، قبل أن تتسرب لغة التقهقر مع تقدم الحرب؛ فتشكو مراسلات المقاتلين العرب من نقص حاد في الإمدادات والسلاح إلى سوء الرعاية الطبية وقلة الطعام والملابس. يكتب بعضهم عن إصابات وقتلى سقطوا بـ «نيران صديقة» أو أسلحة معطوبة وقنابل يحملونها فتنفجر بهم.
تظهر الوثائق أيضاً توتر العلاقة بين المتطوعين العرب والفلسطينيين أنفسهم. بينما تشيد الرسائل بجهود لجان فلسطينية قدّمت القليل المتاح للجنود، ترد شكاوى عن تجاوزات المتطوّعين في حوادث سرقة ومشاجرات، وبداية نفور القرى من وجودهم، مما دفع قاوقجي إلى إصدار أوامر بإبعاد الوحدات عن المدن خمسة كيلومترات «حفاظاً على سمعة الجيش».
تشير رسائل أرسلان أيضاً إلى قلة مشاركة الفلسطينيين في الحرب. يبرّر المؤلف ذلك: «جزء من غياب الفلسطينيين كان نتيجة للثقة التي عززها وصول جيش التحرير العربي نفسه، واعتقد عدد من الفلسطينيين أن هذه القوات وحدها ستكون كافية لهزيمة اليشوف».
نقرأ في رسالة من شاب فلسطيني يُدعى هاني أبو جولة لصديقه شعوره بالفخر لرؤية قوة عربية مستقلة تقاتل، ربما للمرة الأولى، واعتقد أن وصولها يعني أن المعركة لإنقاذ فلسطين ستكون سهلة وسريعة. روجت الدعاية العربية لوصول 15 ألف متطوع، في حين أنّ العدد الحقيقي كان خمسة آلاف. يقول أبو جولة: «لا حاجة إلى التجنيد سواء في جيش التحرير أو جيش الجهاد المقدس الذي يقوده عبد القادر الحسيني». ويخبر صديقه لاحقاً أن الحسيني حلّ جيشه لأنه لم يُستقبل بحفاوة كما استُقبل متطوعو «جيش الإنقاذ» في نابلس.
في المقابل، يعبر ارسلان عن إعجابه بحضور النساء الفلسطينيات: «صدق أو لا تصدق، الممرضات في مستشفيات نابلس من أعلى الطبقات الاجتماعية»، فقد أسست الفلسطينيات وحدة خاصة أطلقن عليها «زهرة الأقحوان» ترافق المقاتلين.
في رسائل أخرى نرى المتطوعين المرابطين في يافا يبعثون قائدهم عثمان الحوراني منسق «جيش الإنقاذ» يستجدون السلاح، تلك الرسائل لم تتلقَّ رداً إلا بوعد يائس: «سنعتني بعائلاتكم!».
انشق متطوعون وهرب آخرون، بينما تصرف كثيرون بشكل مستقل عن القيادة لحماية الفلاحين والبدو من الهجمات، مخاطِرين بالعقاب. يروي الضابط العراقي محي الدين الطيار في رسالة إلى والده تخطيطه للانتقام من اليهود الذين هاجموا البدو في أطراف بيسان. ويكتب المتطوع السوري محمد صالح سعيد، لذويه عن إنقاذ الفلاحين في قرية رأس عليّ بصحبة رفاقه من غارة يهودية.
يوميات وقصائد أيضاً
إلى جانب الرسائل، يضمّن الكتاب قصائد ويوميات لفلسطينيين تتفاعل مع الحرب والاحتلال لحظة وقوعه. نقرأ مثلاً قصيدة للشاعر شهاب الدين العبوشي يهجو فيها آل سرسق العائلة المسيحية الفلسطينية التي باعت أراضي «مرج ابن عامر» للصهاينة ويتمنى أن يُمحى اسمهم من التاريخ فلا يبقى لهم ذكر. ويقول: «لقد باعوا وطني من أجل عاهرة» في إشارة على الأرجح إلى «الحوادث التي أبُلغ فيها عن وسطاء من اليهود يقدمون العاهرات لمالكي الأراضي الفلسطينيين لإقناعهم ببيع أراضيهم».
الجنود اليهود يتلذّذون بالدماء
بدل التعامل مع الأيديولوجيا الصهيونية كوحدة متماسكة، تكشف رسائل الجنود ويومياتهم خلال العمليات الدموية في النقب والجليل عن مشهد أخلاقي متشظٍّ. جنود يتلذذون بارتكاب الفظائع ويبتهجون بالاستيلاء على الغنائم وآخرون يشعرون بالعار، ومنهم من يحمل الشعورين في آن.
نقرأ رسائلهم يتذمرون من الهدنة الثانية عام 1948، لا سيّما وقد حُسمت الأفضلية العسكرية: «هذا الهدوء الطويل يثير أعصابي» يقول أحدهم، متعطشاً لاستئناف القتال. ومع انطلاق عملية يوآف ضد المصريين في بئر السبع، تتبدّل نبرة الرسائل: فالمصريون «يتساقطون كالذباب»، والنصر دليل على أنّ «اليهود محاربون من الطراز الأول» رغم قرون الشتات.
تعكس هذه الصياغات خطاب التثقيف العسكري الذي قدم العنف اليهودي كاستعادة للتاريخ وعودة اليهودية بشكل طبيعي «إلى مجراها».
وبعد سقوط بئر السبع، يكتب أحدهم «المدينة تبدو كأن زلزالاً ضربها. لم أتخيل أن جيش بني إسرائيل يمكن أن يكون بهذه الوحشية في نهب ممتلكات العرب. لقد تخطوا الحدود (...) أين هي الأخلاق اليهودية؟ بالنسبة إلي، هذه وصمة عار».
في رسائل بعد نهاية المعارك في مدينة مجدل، حين واجه الجنود دوراً جديداً بحكم سكان مدنيين مهزومين، يصف أحدهم نفسه: «غريب شعور الجندي المحتل... يدي مقيّدتان بقلبي العبري، بعواطفي اليهودية»، ممزقاً بين تعليم عسكري ينفي الرحمة وإرث أخلاقي يقاومه. هذا التوتر، الذي لا يُحسم في الرسائل، يستبق الواقع: طُرد الفلسطينيون المتبقون، وأقيمت مدينة عسقلان مكانهم.
ريفكا، ضابط استطلاع، كتب في يومياته: «يصرخ الجنود وهم يتجولون مخمورين بالنصر، ويتردد صدى هذا الصراخ في كل زاوية. أرغب في أن أشارك صرخات الفرح، ولكني أعتقد أن هذا الاحتلال عمل شيطاني. بعد احتلال القرى الكبيرة، زرت هذه الأماكن ككشاف في الخط الأمامي. كان طريقنا مغطى بجثث العرب.
قال القائد عبر الراديو إن الجثث وصلت إلى الركب. صفّيت عائلات بأكملها ولم يتبقَّ سوى أطلال. في المنازل، كل شيء مبعثر. وجدوا الكثير من الطعام والمجوهرات والمال والغنائم الأخرى. الجثث لا تزال ملقاة في المنازل، حين جمع الجنود ثروة من أعمال النهب».
رغم أهمية الاشتغال الأرشيفي في «عزيزتي فلسطين»، يظل الكتاب بحاجة إلى قراءة نقدية. فالقوة التحليلية للأرشيف الشخصي هي نفسها مصدر مخاطره. الرسائل، مهما بدت كاشفة، لا تقف خارج علاقات القوة التي أنتجتها، ولا تُعفي المؤرخ من سؤال الموقع والنتيجة. تحويل التجربة الفردية إلى مدخل تفسيري واسع قد يُغري بتسوية الفوارق البنيوية بين الاستعمار والاستجابة له، أو بإعادة توزيع العبء الأخلاقي على مستوى الشعور بدل البنية. شاي حزقاني واعٍ لهذه الإشكالية، ولكنه لا ينجو منها دائماً. لذلك، تتطلب قراءة الكتاب يقظة نقدية: الإصغاء للأصوات من دون السماح لها بحجب عدم التكافؤ التاريخي الذي نظم الحرب ونتائجها.
ترجمة رديئة لكتاب مهم
الحقيقة أنّ قارئ الكتاب بترجمته العربية سيحبط للكيفية التي تعامل بها المترجم مع عمل بهذه الأهمية، فهو لم يكلّف نفسه القيام بأبسط التحققات، كأن يتأكد مثلاً من أسماء معروفة يترجمها، فالمؤرخ الفلسطيني هو سليم تماري وليس سالم تماري، والأكاديمية والكاتبة المعروفة هي شيرين صيقلي وليست سكالي، وهليل كوهين رجل وليس امرأة. وهناك صيغة معروفة تميز اللغة العربية اسمها المبني للمجهول ترفّع المترجم عن استخدامها لسبب ما. أما عن ركاكة الصياغات والجمل الرديئة الصياغة، فحدّث ولا حرج. ومن حسن حظ كاتبة السطور أنّها قرأت الكتاب بالإنكليزية التي نُشر بها العمل أصلاً.
يرصد كتاب شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» كواليس حرب 1948 عبر رسائل شخصية ومواد دعائية، كاشفاً زيف السرديات الرسمية. يبرز الكتاب التخبط الأخلاقي للجنود اليهود بين الأيديولوجيا والواقع الدموي، ومعاناة المتطوعين العرب من نقص الإمدادات، موثقاً النكبة من داخل الأرشيفات العسكرية كشهادة حية على التحولات النفسية والميدانية لحظة وقوع الحرب
يضمر عنوان كتاب الباحث شاي حزقاني «عزيزتي فلسطين» (2021) مفارقة تتكشف لدى قراءته. حتى وإن أوحت صيغة الخطاب بالألفة والمعرفة والحميمية بين المرسل والمرسل إليها، تكشف الرسائل التي يناقشها الكتاب لجنود يهود شاركوا في حرب 1948 عن مشاعر اغتراب تجاه فلسطين التي تُخاطَب، ويُكتب عنها، ويُتخيَّل مستقبلها وماضيها.
كما تكشف عن تخبّط أخلاقي وحيرة حول ما يفعلونه أو ينتمون إليه وتعطش إلى العنف ثم نفور منه فمحاولة تبريره بذريعة ضرورة «عودة اليهودي إلى التاريخ».
بين الأرض المتخيلة والأرض المأهولة
كم كان هناك فرق، بين الرغبة في عودة اليهودي إلى التاريخ وعودة الفلسطيني إلى بيته وفراشه، هذا الشرخ بين الأرض المتخيّلة وتلك المأهولة، بين الامتلاك الأيديولوجي والاقتلاع المعيشي، يمتد في فصول الكتاب الخمسة كخطّ صدع مستمر. قبل أن تطأ أقدام معظم من أصبحوا جنوداً إسرائيليين أرض فلسطين، أُخضعت البلاد لتكثيف رمزي مفرط، فظهرت أرضاً خلاصية. وحالما جرى اللقاء الفعلي، حتى بدأت هذه التجريدات بالتبدد.
يتعامل الكتاب، الصادر أخيراً بالعربية عن دار «صفصافة» في القاهرة (ترجمة ميسرة صلاح الدين)، مع رسائل شخصية كتبها مقاتلون يهود، وأخرى كتبها متطوعون عرب في «جيش الإنقاذ»، إلى جانب مواد دعائية وأيديولوجية: أوامر المعارك، كتيبات، مجلات ونشرات الجيش، والبث الإذاعي، التي استُخدمت لتعبئة الجنود وتشكيل وعيهم.
التنقّل بين أنظمة أرشيفية معادية
يشكّل العثور على الرسائل نفسها وتحويلها إلى أرشيف بُعداً حاسماً في المنهج التاريخي للكتاب. فلم يعثر المؤلف على مجموعة جاهزة من المراسلات الشخصية، بل أعاد بناء هذه المواد من خلال التنقّل بين أنظمة أرشيفية مجزأة ومعادية غالباً: الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، وملفات الاستخبارات، ومكاتب الرقابة، ومجموعات لم تبقَ فيها الرسائل الخاصة إلا لأنها كانت قد صودرت أو تُرجمت أو حُفظت لأغراض المراقبة.
يظهر عدد من رسائل الجنود والمتطوعين لا بوصفها وثائق شخصية كاملة، بل في شكل نسخ أو مقتطفات أو ترجمات مُدرجة داخل تقارير استخباراتية وملفات إدارية.
وهذا يعني أنّ ما نجا من هذه المواد هو أصلاً مُشكَّل بعلاقات القوة: فقد حفظت الدولة هذه الأصوات الحميمة لا من أجل تذكّرها، بل من أجل مراقبتها والسيطرة عليها واستخلاص المعلومات منها. ومن خلال إعادة تجميع هذه الآثار المتناثرة، يحوّل المؤلف فعلياً أدوات المراقبة إلى مصادر للشهادة التاريخية. فهو يقرأ الأرشيف «ضدّ تيّاره»، متعاملًا مع ممارسات الرقابة والاستخبارات لا بوصفها عوائق، بل باعتبارها جزءاً من القصة نفسها. والنتيجة منهج يكشف كيف تدخل التجربة الخاصة إلى التاريخ عبر أنظمة بيروقراطية قسرية، وكيف يمكن كتابة النكبة من خلال وثائق لم تُكتب أصلاً للشهادة التاريخية.
قراءة هذه الرسائل على خلفية خطاب التلقين العسكري تفكّك الطريقة التي أُنتج من خلالها المعنى القومي للحرب لحظة وقوعها، بعيداً عن السرديات الرسمية اللاحقة. تكشف هذه المقاربة فجوات واضحة بين الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتجربة القتال الفعلية.
مثلاً، محاولات قيادة «جيش الدفاع» الإسرائيلي لإقناع الأشكيناز (يهود أوروبا) بأن العنف المنظّم منسجم تماماً مع التقاليد الدينية اليهودية، أو تصوير قتل العربي للمزراحيين (اليهود العرب خاصة المغاربة) كفعل ثأري يعوّض عن معاناة اليهود في البلاد العربية، لم تُقابل دوماً بالامتثال. تُظهر المراسلات تردّداً، اعتراضاً، وأحياناً لامبالاة تجاه هذه السرديات، سواء لدى الأشكناز أو المزراحيين، ما يقوّض صورة التماسك الأيديولوجي التي روجت لها القيادة العسكرية. سنقرأ كيف عاد كثير من اليهود المغاربة إلى وطنهم كرد فعل على ما حدث في عام 1948.
رسائل المتطوعين العرب وكتابات الفلسطينيين
تفصح رسائل المتطوعين العرب والفلسطينيين عن توترات في علاقتهم بقيادة «جيش الإنقاذ العربي»، أو حتى مع الفلسطينيين في القرى والبلدات التي مروا عليها. يكتب خالد ارسلان، المتطوع الدرزي السوري الذي دخل فلسطين ضمن قافلة يقودها الضابط السوري فوزي قاوقجي، إلى عمّه عن الحفاوة والحماسة، فقد استقبلهم أهالي المدن والقرى بالهتافات «عاشت الدول العربية، عاشت فلسطين عربية»، فزادت من ثقة المقاتلين المؤمنين بحتمية الانتصار.
سنقرأ عن هذه الثقة في رسائل آخرين أيضاً، قبل أن تتسرب لغة التقهقر مع تقدم الحرب؛ فتشكو مراسلات المقاتلين العرب من نقص حاد في الإمدادات والسلاح إلى سوء الرعاية الطبية وقلة الطعام والملابس. يكتب بعضهم عن إصابات وقتلى سقطوا بـ «نيران صديقة» أو أسلحة معطوبة وقنابل يحملونها فتنفجر بهم.
تظهر الوثائق أيضاً توتر العلاقة بين المتطوعين العرب والفلسطينيين أنفسهم. بينما تشيد الرسائل بجهود لجان فلسطينية قدّمت القليل المتاح للجنود، ترد شكاوى عن تجاوزات المتطوّعين في حوادث سرقة ومشاجرات، وبداية نفور القرى من وجودهم، مما دفع قاوقجي إلى إصدار أوامر بإبعاد الوحدات عن المدن خمسة كيلومترات «حفاظاً على سمعة الجيش».
تشير رسائل أرسلان أيضاً إلى قلة مشاركة الفلسطينيين في الحرب. يبرّر المؤلف ذلك: «جزء من غياب الفلسطينيين كان نتيجة للثقة التي عززها وصول جيش التحرير العربي نفسه، واعتقد عدد من الفلسطينيين أن هذه القوات وحدها ستكون كافية لهزيمة اليشوف».
نقرأ في رسالة من شاب فلسطيني يُدعى هاني أبو جولة لصديقه شعوره بالفخر لرؤية قوة عربية مستقلة تقاتل، ربما للمرة الأولى، واعتقد أن وصولها يعني أن المعركة لإنقاذ فلسطين ستكون سهلة وسريعة. روجت الدعاية العربية لوصول 15 ألف متطوع، في حين أنّ العدد الحقيقي كان خمسة آلاف. يقول أبو جولة: «لا حاجة إلى التجنيد سواء في جيش التحرير أو جيش الجهاد المقدس الذي يقوده عبد القادر الحسيني». ويخبر صديقه لاحقاً أن الحسيني حلّ جيشه لأنه لم يُستقبل بحفاوة كما استُقبل متطوعو «جيش الإنقاذ» في نابلس.
في المقابل، يعبر ارسلان عن إعجابه بحضور النساء الفلسطينيات: «صدق أو لا تصدق، الممرضات في مستشفيات نابلس من أعلى الطبقات الاجتماعية»، فقد أسست الفلسطينيات وحدة خاصة أطلقن عليها «زهرة الأقحوان» ترافق المقاتلين.
في رسائل أخرى نرى المتطوعين المرابطين في يافا يبعثون قائدهم عثمان الحوراني منسق «جيش الإنقاذ» يستجدون السلاح، تلك الرسائل لم تتلقَّ رداً إلا بوعد يائس: «سنعتني بعائلاتكم!».
انشق متطوعون وهرب آخرون، بينما تصرف كثيرون بشكل مستقل عن القيادة لحماية الفلاحين والبدو من الهجمات، مخاطِرين بالعقاب. يروي الضابط العراقي محي الدين الطيار في رسالة إلى والده تخطيطه للانتقام من اليهود الذين هاجموا البدو في أطراف بيسان. ويكتب المتطوع السوري محمد صالح سعيد، لذويه عن إنقاذ الفلاحين في قرية رأس عليّ بصحبة رفاقه من غارة يهودية.
يوميات وقصائد أيضاً
إلى جانب الرسائل، يضمّن الكتاب قصائد ويوميات لفلسطينيين تتفاعل مع الحرب والاحتلال لحظة وقوعه. نقرأ مثلاً قصيدة للشاعر شهاب الدين العبوشي يهجو فيها آل سرسق العائلة المسيحية الفلسطينية التي باعت أراضي «مرج ابن عامر» للصهاينة ويتمنى أن يُمحى اسمهم من التاريخ فلا يبقى لهم ذكر. ويقول: «لقد باعوا وطني من أجل عاهرة» في إشارة على الأرجح إلى «الحوادث التي أبُلغ فيها عن وسطاء من اليهود يقدمون العاهرات لمالكي الأراضي الفلسطينيين لإقناعهم ببيع أراضيهم».
الجنود اليهود يتلذّذون بالدماء
بدل التعامل مع الأيديولوجيا الصهيونية كوحدة متماسكة، تكشف رسائل الجنود ويومياتهم خلال العمليات الدموية في النقب والجليل عن مشهد أخلاقي متشظٍّ. جنود يتلذذون بارتكاب الفظائع ويبتهجون بالاستيلاء على الغنائم وآخرون يشعرون بالعار، ومنهم من يحمل الشعورين في آن.
نقرأ رسائلهم يتذمرون من الهدنة الثانية عام 1948، لا سيّما وقد حُسمت الأفضلية العسكرية: «هذا الهدوء الطويل يثير أعصابي» يقول أحدهم، متعطشاً لاستئناف القتال. ومع انطلاق عملية يوآف ضد المصريين في بئر السبع، تتبدّل نبرة الرسائل: فالمصريون «يتساقطون كالذباب»، والنصر دليل على أنّ «اليهود محاربون من الطراز الأول» رغم قرون الشتات.
تعكس هذه الصياغات خطاب التثقيف العسكري الذي قدم العنف اليهودي كاستعادة للتاريخ وعودة اليهودية بشكل طبيعي «إلى مجراها».
وبعد سقوط بئر السبع، يكتب أحدهم «المدينة تبدو كأن زلزالاً ضربها. لم أتخيل أن جيش بني إسرائيل يمكن أن يكون بهذه الوحشية في نهب ممتلكات العرب. لقد تخطوا الحدود (...) أين هي الأخلاق اليهودية؟ بالنسبة إلي، هذه وصمة عار».
في رسائل بعد نهاية المعارك في مدينة مجدل، حين واجه الجنود دوراً جديداً بحكم سكان مدنيين مهزومين، يصف أحدهم نفسه: «غريب شعور الجندي المحتل... يدي مقيّدتان بقلبي العبري، بعواطفي اليهودية»، ممزقاً بين تعليم عسكري ينفي الرحمة وإرث أخلاقي يقاومه. هذا التوتر، الذي لا يُحسم في الرسائل، يستبق الواقع: طُرد الفلسطينيون المتبقون، وأقيمت مدينة عسقلان مكانهم.
ريفكا، ضابط استطلاع، كتب في يومياته: «يصرخ الجنود وهم يتجولون مخمورين بالنصر، ويتردد صدى هذا الصراخ في كل زاوية. أرغب في أن أشارك صرخات الفرح، ولكني أعتقد أن هذا الاحتلال عمل شيطاني. بعد احتلال القرى الكبيرة، زرت هذه الأماكن ككشاف في الخط الأمامي. كان طريقنا مغطى بجثث العرب.
قال القائد عبر الراديو إن الجثث وصلت إلى الركب. صفّيت عائلات بأكملها ولم يتبقَّ سوى أطلال. في المنازل، كل شيء مبعثر. وجدوا الكثير من الطعام والمجوهرات والمال والغنائم الأخرى. الجثث لا تزال ملقاة في المنازل، حين جمع الجنود ثروة من أعمال النهب».
رغم أهمية الاشتغال الأرشيفي في «عزيزتي فلسطين»، يظل الكتاب بحاجة إلى قراءة نقدية. فالقوة التحليلية للأرشيف الشخصي هي نفسها مصدر مخاطره. الرسائل، مهما بدت كاشفة، لا تقف خارج علاقات القوة التي أنتجتها، ولا تُعفي المؤرخ من سؤال الموقع والنتيجة. تحويل التجربة الفردية إلى مدخل تفسيري واسع قد يُغري بتسوية الفوارق البنيوية بين الاستعمار والاستجابة له، أو بإعادة توزيع العبء الأخلاقي على مستوى الشعور بدل البنية. شاي حزقاني واعٍ لهذه الإشكالية، ولكنه لا ينجو منها دائماً. لذلك، تتطلب قراءة الكتاب يقظة نقدية: الإصغاء للأصوات من دون السماح لها بحجب عدم التكافؤ التاريخي الذي نظم الحرب ونتائجها.
ترجمة رديئة لكتاب مهم
الحقيقة أنّ قارئ الكتاب بترجمته العربية سيحبط للكيفية التي تعامل بها المترجم مع عمل بهذه الأهمية، فهو لم يكلّف نفسه القيام بأبسط التحققات، كأن يتأكد مثلاً من أسماء معروفة يترجمها، فالمؤرخ الفلسطيني هو سليم تماري وليس سالم تماري، والأكاديمية والكاتبة المعروفة هي شيرين صيقلي وليست سكالي، وهليل كوهين رجل وليس امرأة. وهناك صيغة معروفة تميز اللغة العربية اسمها المبني للمجهول ترفّع المترجم عن استخدامها لسبب ما. أما عن ركاكة الصياغات والجمل الرديئة الصياغة، فحدّث ولا حرج. ومن حسن حظ كاتبة السطور أنّها قرأت الكتاب بالإنكليزية التي نُشر بها العمل أصلاً.
أَوَانِـسُ نُومِيدْيَـا (*)
محمد لفتح
ترجمة: خالد الشبيهي
ظلت تراودني ترجمة هذه الرواية الشعرية الحارقة والعنيفة لسنوات طويلة دون أن أتغلب على ترددي لأسباب قد يعرفها القارئ المطلع والنبيه. وها أنا أخوض التجربة اليوم بيد ترتعش.
صدرت الرواية أول مرة سنة 1992 عن منشورات لُوبْ، وهي دار نشر فرنسية صغيرة، ولم توزع كما ينبغي إلى أن أعاد اكتشافها سليم الجاي، لتصدر من جديد عن دار لاديفيرونس بباريس. تلتها بعد ذلك أعمال أخرى تباعاً، ليكتشف القراء والدارسون كاتباً استثنائياً متوارياً كاد أن يطويه النسيان.
فمحمد لفتح (1947-2008) كاتب وروائي وناقد أدبي مغربي، كان يكتبُ باللّغة الفرنسية، ونادرًا بالعربيّة. نشر عشر روايات، واشتهر أكثر بفضل عمله في الصحافة المغربية الناطقة بالفرنسية. دَرَسَ بكازابلانكا، ثم التحق بمدرسة الأشغال العمومية للمهندسين بباريس. وعاد إلى المغرب وأصبح عالم كمبيوتر ثم اشتغل بالصحافة الثقافية. عاد بحلول 1990 إلى فرنسا وبدأ حياته المهنية في كتابة الروايات. وبحلول عام 2000، انتقل إلى القاهرة بمصر، حيث توفي في 2008. نشارك القارئ هنا ترجمة للفصلين الأولين من روايته الأشهر.
المترجم.
1.
نُوَّار، جمع نوارة، هو الاسم الذي يطلق على مرض الزُّهَري، في أرض نوميديا القديمة هذه، وهو مرض دائمًا ما سكن جسد الرجال وعشَّش في مخيلتهم.
فهل يمكن تفسير هذا الاسم الغريب والشعري بكون عدد من أسماء النساء في اللغة النوميدية أيضًا أسماء أزهار؟ نساء-أزهار يُخَلِّفْنَ لعشاقهن، بعد زهرة الحب العابرة، بتلات موشومة في الجسد، شارة مجد ووصمة عار في الوقت ذاته: نوار، أزهار مرض الزهري، السِّفِلِسْ؟
لاحظوا الصفير الذي تبدأ به وتنتهي هذه الكلمة الأخيرة؛ مثل مرور خاطف لأفعى مجلجلة (تلتف فجأة حول نفسها). بينما تشير كلمة نوار إلى روضة أزهار، بستان تتعرض شجرته الأكثر إزهارًا، أو العضو الجنسي للبستان للإصابة بقرحة؛ قرحة الزهري.
إذا افترضنا أن نساء-أزهارًا هن المسؤولات عن الزُّهري، فبعضهن يشهدن على أجسادهن في المقابل — على الخدين غالبًا، وأحيانًا على الجبين، ونادرًا على الأعضاء الحيوية، النهدين أو الفرج — على تفتح زهرة أخرى غريبة تصير أكثر روعة ومأساوية، ليست أقل تعظيمًا وإذلالًا في الوقت نفسه: سِيكاترِيسْ. (نوع من الانتقام، أي نظير لمرض الزهري عند الذكور، عندما تكون السِّيكاتْريسْ وسما على فرج المرأة).
من بين الكلمات: جرح، ندبة، فتحة، علامة، سِيكاتْريسْ، لم أتردد طويلاً، وسنرى لماذا، في اختبار الكلمة الأخيرة، لكن هذه الكلمة المثقلة بالوصوم هي التي كان علي التفكير فيها في البداية، على ما يبدو لي. الوصوم الخارقة التي كانت تظهر على أيدي القديسين وكذلك التي توسم بها، بالحديد الحامي، أجساد المحكومين بالأشغال الشاقة؛ وصوم الهستيريا. الوصوم التي نحدد بها فتحات بعض الحشرات وتلك الموجودة كذلك في مَيْسم الأزهار.
هذه الكلمة الرنانة والمتعددة المعاني، التي تحوي بداخلها القيح، حبوب اللقاح، النسغ والدم، والذبول والإعجاز، هي التي كانت الأنسب ربما لتسمية الندبة التي تزين أجساد الفتيات-الأزهار، التي لم تتفتح بعد، واللواتي هن مُسوِّغ هذه الرواية وبطلاتها.
إذا كنت قد آثرت الاحتفاظ بكلمة سِكاتْريسْ، فذلك لأنها، مع احتفاظها بمعناها المتمثل في الأثر الذي يخلفه جرح في الجسد، قد صارت في أرض نوميديا، تصف أيضًا حالة، وضعًا أو نظامًا ما.
فإذا سمعتم أحدًا يتلفظ بأسماء الفتيات-الأزهار، مسك الليل، ياسمين، وردة، زهرة، متبوعة، مثل صفة أو حرف بكلمة ندبة (وردة سِيكاتْريسْ على سبيل المثال)، فاعلموا أن وردة مومس. بغي. عاهرة تعمل لدى قواد.
والسِيكاتْريسْ التي تزين جسد وردة، (وكذلك اسمها)، هي علامة (إذ يقال أيضًا إنه تم وسم هؤلاء الفتيات) وضعِها المرئية والمسموعة معًا.
قبل مواصلة هذا الاستطراد من خلال الكلمات، والذي بالكاد بدأ، أدركتُ أن بعضها، سواء اخترته أو فَرَضَ نفسه علي، بدءاً بالكلمة التي أدت إلى هذا الاستطراد، نوار؛ الترتيبَ الذي جاءت عليه، واستدعاءَها كلمات أخرى كما تنادي أولى الطيور المهاجرة على بقية السرب؛ الخيوط السرية التي أخذت تنسجها في ما بينها؛ المشاعرَ المضطربة التي يثيرها بعضها، أو يحييها، في قلبي (وجسدي)، أدركتُ أن كل هذا يوقظ فيَّ شعورًا غامضًا، ولكنه قوي ومفرح. وهو ما يعني أن القالب الذي تجسدت فيه هذه القصة التي سأرويها وبنيانَها قد تشكلا بالفعل، تقريباً من دون علمي. ولم يبقَ لي سوى أن أنهي هذه الجولة مع الكلمات، كما يذهب المرء إلى نهاية نفق أو ليل.
لأنكم يجب أن تكونوا قد خمنتم أن فُتُوّات شبان رائعين، القوادين، هم الذين وسموا الفتيات-الأزهار، الفتيات-السِّيكاتْريسْ.
فهل أستطيع من هذا العنف، من هذه الليلة، من بضع كلمات غامضة ومصفوفة: أزهار، بنات، قرحة، حبوب اللقاح، وسوم؛ من بعض الأسماء الفاتنة: ياسمين، زمردة، استلهام نشيد؟ استخلاص نظام شعري؟
النظام الوحيد المقبول.
2.
رُوزْ، هل من حاجة إلى أن أشرح للقارئ ما يوحي به تلقائياً هذا الاسم، وردة، والذي يشير إلى امرأة؟
فوردة، فتاة في زهرة العمر، وردة في كامل رونقها.
لقد تغنى بها الكثير من الشعراء، ومن أوائلهم الشاعر الإغريقي الذي أنشد «الفجر ذو الأصابع الوردية»، فهل أقول ببساطة إن وردة شَفَقِيَّة؟ هي التي تنام طوال النهار ولا تبدأ قداسها — فهي مومس في حانة — حتى ساعة منتصف الليل المصيرية؟
في ساعة تعاقب النهار و الليل هذه، منذ آلاف السنين، والفاصلة بين الواقع و الحلم، تولد وردة و تتربع على عرش ملكوتها مثل شمس منتصف الليل.
إذا كانت وردة شفقية، فإن الإشعاع المنبعث من أعلى صِدارِها الدِّكولْتِي وهي تنحني على الزبون، سيكون إشعاعاً شفق قطبيٍّ، سهلًا فنلنديًا أبيض، قطيعًا من الأيائل اللامرئية الذي عليه أن يتدافع عند ظهوره، في خمارة شبه سرية حيث يُشغّلها قوادها.
استعملت عن قصد كلمة خمارة troquet الشعبية الشائعة في فرنسا. فهي كلمة ساحرة بالنسبة إليّ، لأنّ تعرّفي إليها تزامن مع لقائي بحب حياتي. فهل أقحمتها في هذه القصص الليلية القاسية والجميلة بدافع المازوشية؟
أو بالأحرى، لأعبر على عطفي على هؤلاء الفتيات-السِّكاتْريسْ اللائي رغم كونهن حقيقيات جدًا، إلا أنهن على ما يبدو لي بنات أفكاري، وُلِدْنَ بالأحرى من سخطي وحبي؟
في الخمارة نفسها تشتغل أيضًا مسك الليل، صديقة وردة. تعمل هي التي تحمل اسم ليلة عطرة، مسكية الرائحة، خلال النهار. إنها مفترسة وفريسة (مفترِسة-فريسة) نهارية.
تَصْغُر صديقتَها وردة بسنة، وهي أم لطفل و تعمل أيضًا لصالح قواد. القواد السابق الذي كانت متزوجة منه مات. عندما تأتي على ذكره، وهو ما يحدث نادرًا، تقول المرحوم بكل بساطة.
وردة ومسك الليل تقبّلان بعضهما على الخدين، فيما يتصافح قواداهما بفحولة، في صمت. مسك الليل يقودها نَخَّاسها إلى بيتها، وفي الطريق سيجردها من القسط الأكبر من غنيمتها، غنيمة حربها، تلك التي امتصتها، كنحلة في حالة نشوة متزايدة، وجنون متصاعد، خلال النهار.
من جهته، يجلس قواد وردة على مقعد المُوليسْكين الأحمر ويتسلم عمله حارسًا ليليًا مهيبًا. يشعل سيجارًا. ولَّاعتُه الذهبية، خاتمُه الذهب، الذي نُقش على فصه حرف واحد هو السِّين، يلمعان في الوقت نفسه. وكأنهن تعرضن لانْتِحاء ضوئي مفاجئ وغريب، تأتي الفتيات-السكاتريس، كسرب من الفراشات المذعورة، للجلوس (أليحترقن؟) حول القواد.
القبلة العفيفة التي تبادلتها الصديقتان، كلمات التواطؤ اللطيفة التي همستا بها في مسامع بعضهما؛ المصافحة الفحلة الصامتة لقواديهما، في صمت، تبادل الأدوار التي قامتا بها: النوم بالنسبة إلى مسك الليل، مواصلةُ الطقوس التي كانت تحييها صديقتها وردة؛ أما القوادان، فأحدهما يعيد النعجة إلى الحظيرة، فيما يراقب الآخر التي توشك أن تُطلق وسط الوحوش؛ كل هذه الأحداث مرت تقريبًا في لمح البصر، كما لو أنها وقعت خارج الزمن. زمن لا واقعي. حدث ذلك دون أن يثير الانتباه كما لا يلحظ أحد دوران الأرض حول الشمس.
نظام صارم غير قابل للتغيير، مثل الذي ينظم حركة الكواكب، عليه أن يستمر في تنظيم سير الخمارة، في هذه المدينة النوميدية البيضاء، في الكون الفسيح. فإذا كفت مسك الليل عن العمل في النهار، أو صارت وردة تنام ليلًا- أي إنها لم تعد شفقًا قطبيًا — سيكون ذلك بمثابة خلل في النظام الذي يفصل الطيور الجارحة عن فرائسها، والنهارية عن الليلية، اضطراباً في نظام الطيور والأزهار والكواكب.
عاهرتان ما تزالا في سن المدرسة مثل قواديهما، تحملان على أكتافهما، في فرجيهما، وصدريهما، وسكاكينهما، حقيبتيهما — حقيبة مسك الليل من جلد التمساح، وعندما تتحدث عنها، تقول طبعاً، بفخر: «إنها من جلد تمساح»! — تحملان ثقل نظام العالم.
(*) Leftah Mohamed. Demoiselles de Numidie, Paris, La différence. Coll. Minos, 2006.
محمد لفتح
ترجمة: خالد الشبيهي
ظلت تراودني ترجمة هذه الرواية الشعرية الحارقة والعنيفة لسنوات طويلة دون أن أتغلب على ترددي لأسباب قد يعرفها القارئ المطلع والنبيه. وها أنا أخوض التجربة اليوم بيد ترتعش.
صدرت الرواية أول مرة سنة 1992 عن منشورات لُوبْ، وهي دار نشر فرنسية صغيرة، ولم توزع كما ينبغي إلى أن أعاد اكتشافها سليم الجاي، لتصدر من جديد عن دار لاديفيرونس بباريس. تلتها بعد ذلك أعمال أخرى تباعاً، ليكتشف القراء والدارسون كاتباً استثنائياً متوارياً كاد أن يطويه النسيان.
فمحمد لفتح (1947-2008) كاتب وروائي وناقد أدبي مغربي، كان يكتبُ باللّغة الفرنسية، ونادرًا بالعربيّة. نشر عشر روايات، واشتهر أكثر بفضل عمله في الصحافة المغربية الناطقة بالفرنسية. دَرَسَ بكازابلانكا، ثم التحق بمدرسة الأشغال العمومية للمهندسين بباريس. وعاد إلى المغرب وأصبح عالم كمبيوتر ثم اشتغل بالصحافة الثقافية. عاد بحلول 1990 إلى فرنسا وبدأ حياته المهنية في كتابة الروايات. وبحلول عام 2000، انتقل إلى القاهرة بمصر، حيث توفي في 2008. نشارك القارئ هنا ترجمة للفصلين الأولين من روايته الأشهر.
المترجم.
1.
نُوَّار، جمع نوارة، هو الاسم الذي يطلق على مرض الزُّهَري، في أرض نوميديا القديمة هذه، وهو مرض دائمًا ما سكن جسد الرجال وعشَّش في مخيلتهم.
فهل يمكن تفسير هذا الاسم الغريب والشعري بكون عدد من أسماء النساء في اللغة النوميدية أيضًا أسماء أزهار؟ نساء-أزهار يُخَلِّفْنَ لعشاقهن، بعد زهرة الحب العابرة، بتلات موشومة في الجسد، شارة مجد ووصمة عار في الوقت ذاته: نوار، أزهار مرض الزهري، السِّفِلِسْ؟
لاحظوا الصفير الذي تبدأ به وتنتهي هذه الكلمة الأخيرة؛ مثل مرور خاطف لأفعى مجلجلة (تلتف فجأة حول نفسها). بينما تشير كلمة نوار إلى روضة أزهار، بستان تتعرض شجرته الأكثر إزهارًا، أو العضو الجنسي للبستان للإصابة بقرحة؛ قرحة الزهري.
إذا افترضنا أن نساء-أزهارًا هن المسؤولات عن الزُّهري، فبعضهن يشهدن على أجسادهن في المقابل — على الخدين غالبًا، وأحيانًا على الجبين، ونادرًا على الأعضاء الحيوية، النهدين أو الفرج — على تفتح زهرة أخرى غريبة تصير أكثر روعة ومأساوية، ليست أقل تعظيمًا وإذلالًا في الوقت نفسه: سِيكاترِيسْ. (نوع من الانتقام، أي نظير لمرض الزهري عند الذكور، عندما تكون السِّيكاتْريسْ وسما على فرج المرأة).
من بين الكلمات: جرح، ندبة، فتحة، علامة، سِيكاتْريسْ، لم أتردد طويلاً، وسنرى لماذا، في اختبار الكلمة الأخيرة، لكن هذه الكلمة المثقلة بالوصوم هي التي كان علي التفكير فيها في البداية، على ما يبدو لي. الوصوم الخارقة التي كانت تظهر على أيدي القديسين وكذلك التي توسم بها، بالحديد الحامي، أجساد المحكومين بالأشغال الشاقة؛ وصوم الهستيريا. الوصوم التي نحدد بها فتحات بعض الحشرات وتلك الموجودة كذلك في مَيْسم الأزهار.
هذه الكلمة الرنانة والمتعددة المعاني، التي تحوي بداخلها القيح، حبوب اللقاح، النسغ والدم، والذبول والإعجاز، هي التي كانت الأنسب ربما لتسمية الندبة التي تزين أجساد الفتيات-الأزهار، التي لم تتفتح بعد، واللواتي هن مُسوِّغ هذه الرواية وبطلاتها.
إذا كنت قد آثرت الاحتفاظ بكلمة سِكاتْريسْ، فذلك لأنها، مع احتفاظها بمعناها المتمثل في الأثر الذي يخلفه جرح في الجسد، قد صارت في أرض نوميديا، تصف أيضًا حالة، وضعًا أو نظامًا ما.
فإذا سمعتم أحدًا يتلفظ بأسماء الفتيات-الأزهار، مسك الليل، ياسمين، وردة، زهرة، متبوعة، مثل صفة أو حرف بكلمة ندبة (وردة سِيكاتْريسْ على سبيل المثال)، فاعلموا أن وردة مومس. بغي. عاهرة تعمل لدى قواد.
والسِيكاتْريسْ التي تزين جسد وردة، (وكذلك اسمها)، هي علامة (إذ يقال أيضًا إنه تم وسم هؤلاء الفتيات) وضعِها المرئية والمسموعة معًا.
قبل مواصلة هذا الاستطراد من خلال الكلمات، والذي بالكاد بدأ، أدركتُ أن بعضها، سواء اخترته أو فَرَضَ نفسه علي، بدءاً بالكلمة التي أدت إلى هذا الاستطراد، نوار؛ الترتيبَ الذي جاءت عليه، واستدعاءَها كلمات أخرى كما تنادي أولى الطيور المهاجرة على بقية السرب؛ الخيوط السرية التي أخذت تنسجها في ما بينها؛ المشاعرَ المضطربة التي يثيرها بعضها، أو يحييها، في قلبي (وجسدي)، أدركتُ أن كل هذا يوقظ فيَّ شعورًا غامضًا، ولكنه قوي ومفرح. وهو ما يعني أن القالب الذي تجسدت فيه هذه القصة التي سأرويها وبنيانَها قد تشكلا بالفعل، تقريباً من دون علمي. ولم يبقَ لي سوى أن أنهي هذه الجولة مع الكلمات، كما يذهب المرء إلى نهاية نفق أو ليل.
لأنكم يجب أن تكونوا قد خمنتم أن فُتُوّات شبان رائعين، القوادين، هم الذين وسموا الفتيات-الأزهار، الفتيات-السِّيكاتْريسْ.
فهل أستطيع من هذا العنف، من هذه الليلة، من بضع كلمات غامضة ومصفوفة: أزهار، بنات، قرحة، حبوب اللقاح، وسوم؛ من بعض الأسماء الفاتنة: ياسمين، زمردة، استلهام نشيد؟ استخلاص نظام شعري؟
النظام الوحيد المقبول.
2.
رُوزْ، هل من حاجة إلى أن أشرح للقارئ ما يوحي به تلقائياً هذا الاسم، وردة، والذي يشير إلى امرأة؟
فوردة، فتاة في زهرة العمر، وردة في كامل رونقها.
لقد تغنى بها الكثير من الشعراء، ومن أوائلهم الشاعر الإغريقي الذي أنشد «الفجر ذو الأصابع الوردية»، فهل أقول ببساطة إن وردة شَفَقِيَّة؟ هي التي تنام طوال النهار ولا تبدأ قداسها — فهي مومس في حانة — حتى ساعة منتصف الليل المصيرية؟
في ساعة تعاقب النهار و الليل هذه، منذ آلاف السنين، والفاصلة بين الواقع و الحلم، تولد وردة و تتربع على عرش ملكوتها مثل شمس منتصف الليل.
إذا كانت وردة شفقية، فإن الإشعاع المنبعث من أعلى صِدارِها الدِّكولْتِي وهي تنحني على الزبون، سيكون إشعاعاً شفق قطبيٍّ، سهلًا فنلنديًا أبيض، قطيعًا من الأيائل اللامرئية الذي عليه أن يتدافع عند ظهوره، في خمارة شبه سرية حيث يُشغّلها قوادها.
استعملت عن قصد كلمة خمارة troquet الشعبية الشائعة في فرنسا. فهي كلمة ساحرة بالنسبة إليّ، لأنّ تعرّفي إليها تزامن مع لقائي بحب حياتي. فهل أقحمتها في هذه القصص الليلية القاسية والجميلة بدافع المازوشية؟
أو بالأحرى، لأعبر على عطفي على هؤلاء الفتيات-السِّكاتْريسْ اللائي رغم كونهن حقيقيات جدًا، إلا أنهن على ما يبدو لي بنات أفكاري، وُلِدْنَ بالأحرى من سخطي وحبي؟
في الخمارة نفسها تشتغل أيضًا مسك الليل، صديقة وردة. تعمل هي التي تحمل اسم ليلة عطرة، مسكية الرائحة، خلال النهار. إنها مفترسة وفريسة (مفترِسة-فريسة) نهارية.
تَصْغُر صديقتَها وردة بسنة، وهي أم لطفل و تعمل أيضًا لصالح قواد. القواد السابق الذي كانت متزوجة منه مات. عندما تأتي على ذكره، وهو ما يحدث نادرًا، تقول المرحوم بكل بساطة.
وردة ومسك الليل تقبّلان بعضهما على الخدين، فيما يتصافح قواداهما بفحولة، في صمت. مسك الليل يقودها نَخَّاسها إلى بيتها، وفي الطريق سيجردها من القسط الأكبر من غنيمتها، غنيمة حربها، تلك التي امتصتها، كنحلة في حالة نشوة متزايدة، وجنون متصاعد، خلال النهار.
من جهته، يجلس قواد وردة على مقعد المُوليسْكين الأحمر ويتسلم عمله حارسًا ليليًا مهيبًا. يشعل سيجارًا. ولَّاعتُه الذهبية، خاتمُه الذهب، الذي نُقش على فصه حرف واحد هو السِّين، يلمعان في الوقت نفسه. وكأنهن تعرضن لانْتِحاء ضوئي مفاجئ وغريب، تأتي الفتيات-السكاتريس، كسرب من الفراشات المذعورة، للجلوس (أليحترقن؟) حول القواد.
القبلة العفيفة التي تبادلتها الصديقتان، كلمات التواطؤ اللطيفة التي همستا بها في مسامع بعضهما؛ المصافحة الفحلة الصامتة لقواديهما، في صمت، تبادل الأدوار التي قامتا بها: النوم بالنسبة إلى مسك الليل، مواصلةُ الطقوس التي كانت تحييها صديقتها وردة؛ أما القوادان، فأحدهما يعيد النعجة إلى الحظيرة، فيما يراقب الآخر التي توشك أن تُطلق وسط الوحوش؛ كل هذه الأحداث مرت تقريبًا في لمح البصر، كما لو أنها وقعت خارج الزمن. زمن لا واقعي. حدث ذلك دون أن يثير الانتباه كما لا يلحظ أحد دوران الأرض حول الشمس.
نظام صارم غير قابل للتغيير، مثل الذي ينظم حركة الكواكب، عليه أن يستمر في تنظيم سير الخمارة، في هذه المدينة النوميدية البيضاء، في الكون الفسيح. فإذا كفت مسك الليل عن العمل في النهار، أو صارت وردة تنام ليلًا- أي إنها لم تعد شفقًا قطبيًا — سيكون ذلك بمثابة خلل في النظام الذي يفصل الطيور الجارحة عن فرائسها، والنهارية عن الليلية، اضطراباً في نظام الطيور والأزهار والكواكب.
عاهرتان ما تزالا في سن المدرسة مثل قواديهما، تحملان على أكتافهما، في فرجيهما، وصدريهما، وسكاكينهما، حقيبتيهما — حقيبة مسك الليل من جلد التمساح، وعندما تتحدث عنها، تقول طبعاً، بفخر: «إنها من جلد تمساح»! — تحملان ثقل نظام العالم.
(*) Leftah Mohamed. Demoiselles de Numidie, Paris, La différence. Coll. Minos, 2006.
الوراء المُرتبك (*)
فاطما خضر
1. مديحُ المسافة
الشّوكُ الذي
صنعته المسافةُ
بين فَمي ولساني
أحياناً أقتلعُهُ من قلبي
وأحياناً يقتلِعُ قلبي من مكانِهِ
■ ■ ■
إذن لأكتبَ عن
المسافة بيننا
قبل أن تفقِدَ المعنى
■ ■ ■
يبكي الغيمُ
لأنّه يُغطّي سماءً بعيدةً
عنهُ
■ ■ ■
البكاءُ
مُرادفُ المسافة
أنتَ مرادفٌ للسّماء
وقلبي بحرٌ ليس بوسعِهِ
أن يصبحَ غيمةً
■ ■ ■
أُعيدُ كِتابتَك
مرّةً تلو الأخرى
لأنّ الكتابةَ مرآةُ الغياب
■ ■ ■
أيُّ حوارٍ
بين زهرةٍ ونجمةٍ
بين عصفورٍ وسَمكةٍ
أو بين عاشقٍ ودربِ سفرٍ
واللغةُ حمّالةُ الوهمِ؟
■ ■ ■
أخلعُ الكلامَ كمعطفٍ
أتعرّى من الكتفين حتّى القدمين
ثمّ أبكي لأنّه ليس بوسعي
أن أُمطر
2. ساتانٌ موشَّى بالرَّغبة
منذُ مدّةٍ
بعينينِ نِصفِ مُغمضتينِ
سألتُكَ عن مقدارِ المسافةِ
بينَ القمرِ والأرض
■ ■ ■
ليلَتها
طَلَعَ الصّبحُ
وأنتَ تعيدُ محاولةَ
قياسِ المسافةِ بينَ
عظمِ ترقوتي وشحمةِ أُذني
بشَفتيكَ
■ ■ ■
لتُجيبَ بثقةٍ:
المسافةُ هُنا أشهى!
■ ■ ■
هكذا إذن
ثمّةَ بيننا فروقاتٌ فلسفيّةٌ
فَأنا أُجيدُ السّؤالَ
وأنتَ بِخِفّةٍ تجيدُ
الهربَ من
الإجابة
■ ■ ■
لكنّي مثلُك
أُقوّي مهارةَ الحسابِ
قُبيلَ النّوم
■ ■ ■
أُحصي
أنفاسَكَ البطيئةَ
الحارّةَ على جلدي
تُحصي بلسانِكَ
عددَ شاماتي
ثُمَّ نَغفو
■ ■ ■
وأنا أيضاً كأنتَ
أفتحُ عينَيَّ أثناءَ نومي
أتفحّصُ بأنفي خلايايَ
لأتأكّدَ أنّها ما تزال ممتلئةً برائحتِكَ
أبتسمُ لها، ثُمَّ للحُلمِ أعودُ
بكاملِ النّشوةِ
■ ■ ■
في الأمسِ ظننتُ أنَّ الشّمسَ
قد نزلَتْ وافترشَتْ جسدي
حتّى صارَ دافئاً على هذا النّحوِ
لكنّها أصابعُكَ... كانت تلعبُ لعبةَ الاختباء
تحتَ ساتانِ ملابسي
ثُمَّ ضاعت
في نَفق
■ ■ ■
يحدُثُ أحياناً
أنْ أتّخذَ النّومَ حُجّةً للبكاء
أزرعُ وجهي في المِخدّةِ
أصحو وقد نبتَتْ بساتينُ
ما بينَ خدّي وصدرِكَ
سقيتُها طوالَ الليلِ
ولها كنتَ
حارساً
3. بين نَحْرٍ وصَدرٍ
على عتبةِ عناقِنا
الوقتُ شجرةٌ
تمتدّ جذورها في جلدي
يجري نسْغها مع النّبضِ
تُزهر أطرافُ
أصابعِكَ
■ ■ ■
الجدرانُ حولَنا
كتبٌ
■ ■ ■
الضّوءُ المُنكسرُ
من شقِّ ستارٍ
تفاحةُ الشّهوة
■ ■ ■
يدي النّاعسةُ
حكايةُ أميرةٍ أيقظتها
قُبلةٌ
■ ■ ■
حنانُكَ
دفءُ شمسِ الشّتاء
■ ■ ■
بين
نَحْرٍ وصَدرٍ
كرجَت ضحكتي
صارَت وهجاً
■ ■ ■
فُستاني
فراشةٌ طارَت بخفّةٍ
عانَقَت بَلاطاً
يَبتسمُ
■ ■ ■
أهدابُنا
ستائرُ مُسدَلَةٌ
■ ■ ■
أنفاسُنا
صوتُ الحياة
■ ■ ■
السّقفُ
سماءٌ بقمرٍ
يُغنّي الآه
■ ■ ■
النّافذةُ
شاهدٌ على النّدى
■ ■ ■
ما بوسعي قولُهُ
سوى أنّ الحبَّ استراحةٌ
من الموت
■ ■ ■
دَعْني الآن
أكسرُ الموتَ إلى الأبد
وأغفو على ركبتيك
4. ليالٍ في مهبِّ العمر
ليالٍ في مهبِّ العمر
■ ■ ■
عمرٌ تنقصُهُ استعارة
■ ■ ■
استعارةٌ
تكسو جَسدَين
من لحمٍ ودموع
■ ■ ■
إذن...
لِمَ لا تُفاجئني
وتُحرك مقبضَ الباب
فقلبي، فزجاجةَ النّبيذ
فأسطوانةً لأغنيةٍ فرنسيّةٍ
ثُمّ برهافةٍ أكثر...
جسدي؟
■ ■ ■
ليالي يناير
تنقصُها ملامحُ ألفةٍ
تبتسمُ لوجهِ الحبِّ
حتّى الصّباح
■ ■ ■
إذن...
لِمَ لا تأتي
لحظةً ناعسةً
وتختبئ بين جَفنَيّ
أو تحت لحافي؟
■ ■ ■
ليالٍ
في مهبِّ العمر
■ ■ ■
عمرٌ لهُ من الحبّ
حظُّ عودِ ثقاب
5. الوردُ أعتى من الرّيح
رسمْنا حُبّاً
رسَمَنا وَهمٌ
■ ■ ■
كلامُكَ الجمرُ
أذنايَ ثلجٌ
■ ■ ■
كان بوسعِكَ إنقاذُنا
لو مدَدتَ يدَكَ
مسافةَ ظِلٍّ
■ ■ ■
ظِلٌّ ظَلَّ
على الرّصيفِ
يبكي
■ ■ ■
لو الرّصيفُ ورقٌ
مَزّقتُهُ
■ ■ ■
لو أنّه قَشٌّ
حرقتُهُ
■ ■ ■
بارتباكٍ مشيْتَ
والنّدُم ظلُّكَ واثقُ الخُطى
■ ■ ■
بعضُ ما مضى انتحَرَ
والباقي مفقودٌ
■ ■ ■
تُربكني صيغةُ الماضي
لذا أطوي اسمَكَ تحت لساني
بِفِعلِ الاحتكاك يزرعُ نُدبةً
■ ■ ■
ما النّدبةُ مُقارنةً
بقلبٍ مشروخ!
■ ■ ■
يَشيخُ الحُبُّ
يُقوِّسُ ظهرَهُ ثِقَلُ الخيبة
يُبيّضُ عينيهِ فرطُ العتاب
■ ■ ■
يا حبيبي
هذا وجهي بعد العاصفة
الوردُ أعتى من الرّيح
6. لُعبةُ الكذب
«سنلعبُ الليلةَ لُعبةً
تُعدّينَ شوقاً على نارِ الانتظار
وأنا لا آتي
■ ■ ■
صباحاً
سأعتذرُ بقبلتين
على عُنقِك كما تُحبّين»
■ ■ ■
ما آلمني صباحاً
ليسَ نسيانُك عُنقي الحزين
إنّما إكليلُ شوكٍ طوّق شفتَيّ
وخذلانٌ نَما فوقَ أصابعي
حرمني وجبةَ الإفطار
■ ■ ■
هكذا
منطقُ الأطفال
كلُّ مَا يدركونَهُ
أنّك قطعْتَ وعداً
والوعود إنْ كُسرَت
تتكسّرُ فوقَ قلوبهم الزّجاجيةِ تُصبحانِ هَشيماً
■ ■ ■
«سنلعبُ الليلةَ لُعبةً:
تكتبينَ قصيدةً...
أُعيدُ صياغتَها»
■ ■ ■
ها هي الحروفُ
تصطفُّ بِخفّةٍ أمامي
بينما يمنعُني الكسلُ
أن أحركَها
■ ■ ■
إذن...
سيكونُ ليلٌ
يتيمَ القصيدةِ
بلعبةٍ مكسورةِ الخاطر
■ ■ ■
سنلعبُ الليلةَ لُعبةً
ألعبُ فيها دورَ الصّمت
بينما تُحدّثُ النّجومَ
وترسمُ افتراضاتٍ
فوق الغيم
■ ■ ■
ها نحنُ
في الليلةِ الرّابعة
فقدنا شهيّةَ اللعبِ
(*) مقتطفات شعرية من ديوان بالعنوان نفسه، صدر حديثاً للشاعرة والمترجمة السُّورية، عن «دار النهضة العربية» في بيروت.
فاطما خضر
1. مديحُ المسافة
الشّوكُ الذي
صنعته المسافةُ
بين فَمي ولساني
أحياناً أقتلعُهُ من قلبي
وأحياناً يقتلِعُ قلبي من مكانِهِ
■ ■ ■
إذن لأكتبَ عن
المسافة بيننا
قبل أن تفقِدَ المعنى
■ ■ ■
يبكي الغيمُ
لأنّه يُغطّي سماءً بعيدةً
عنهُ
■ ■ ■
البكاءُ
مُرادفُ المسافة
أنتَ مرادفٌ للسّماء
وقلبي بحرٌ ليس بوسعِهِ
أن يصبحَ غيمةً
■ ■ ■
أُعيدُ كِتابتَك
مرّةً تلو الأخرى
لأنّ الكتابةَ مرآةُ الغياب
■ ■ ■
أيُّ حوارٍ
بين زهرةٍ ونجمةٍ
بين عصفورٍ وسَمكةٍ
أو بين عاشقٍ ودربِ سفرٍ
واللغةُ حمّالةُ الوهمِ؟
■ ■ ■
أخلعُ الكلامَ كمعطفٍ
أتعرّى من الكتفين حتّى القدمين
ثمّ أبكي لأنّه ليس بوسعي
أن أُمطر
2. ساتانٌ موشَّى بالرَّغبة
منذُ مدّةٍ
بعينينِ نِصفِ مُغمضتينِ
سألتُكَ عن مقدارِ المسافةِ
بينَ القمرِ والأرض
■ ■ ■
ليلَتها
طَلَعَ الصّبحُ
وأنتَ تعيدُ محاولةَ
قياسِ المسافةِ بينَ
عظمِ ترقوتي وشحمةِ أُذني
بشَفتيكَ
■ ■ ■
لتُجيبَ بثقةٍ:
المسافةُ هُنا أشهى!
■ ■ ■
هكذا إذن
ثمّةَ بيننا فروقاتٌ فلسفيّةٌ
فَأنا أُجيدُ السّؤالَ
وأنتَ بِخِفّةٍ تجيدُ
الهربَ من
الإجابة
■ ■ ■
لكنّي مثلُك
أُقوّي مهارةَ الحسابِ
قُبيلَ النّوم
■ ■ ■
أُحصي
أنفاسَكَ البطيئةَ
الحارّةَ على جلدي
تُحصي بلسانِكَ
عددَ شاماتي
ثُمَّ نَغفو
■ ■ ■
وأنا أيضاً كأنتَ
أفتحُ عينَيَّ أثناءَ نومي
أتفحّصُ بأنفي خلايايَ
لأتأكّدَ أنّها ما تزال ممتلئةً برائحتِكَ
أبتسمُ لها، ثُمَّ للحُلمِ أعودُ
بكاملِ النّشوةِ
■ ■ ■
في الأمسِ ظننتُ أنَّ الشّمسَ
قد نزلَتْ وافترشَتْ جسدي
حتّى صارَ دافئاً على هذا النّحوِ
لكنّها أصابعُكَ... كانت تلعبُ لعبةَ الاختباء
تحتَ ساتانِ ملابسي
ثُمَّ ضاعت
في نَفق
■ ■ ■
يحدُثُ أحياناً
أنْ أتّخذَ النّومَ حُجّةً للبكاء
أزرعُ وجهي في المِخدّةِ
أصحو وقد نبتَتْ بساتينُ
ما بينَ خدّي وصدرِكَ
سقيتُها طوالَ الليلِ
ولها كنتَ
حارساً
3. بين نَحْرٍ وصَدرٍ
على عتبةِ عناقِنا
الوقتُ شجرةٌ
تمتدّ جذورها في جلدي
يجري نسْغها مع النّبضِ
تُزهر أطرافُ
أصابعِكَ
■ ■ ■
الجدرانُ حولَنا
كتبٌ
■ ■ ■
الضّوءُ المُنكسرُ
من شقِّ ستارٍ
تفاحةُ الشّهوة
■ ■ ■
يدي النّاعسةُ
حكايةُ أميرةٍ أيقظتها
قُبلةٌ
■ ■ ■
حنانُكَ
دفءُ شمسِ الشّتاء
■ ■ ■
بين
نَحْرٍ وصَدرٍ
كرجَت ضحكتي
صارَت وهجاً
■ ■ ■
فُستاني
فراشةٌ طارَت بخفّةٍ
عانَقَت بَلاطاً
يَبتسمُ
■ ■ ■
أهدابُنا
ستائرُ مُسدَلَةٌ
■ ■ ■
أنفاسُنا
صوتُ الحياة
■ ■ ■
السّقفُ
سماءٌ بقمرٍ
يُغنّي الآه
■ ■ ■
النّافذةُ
شاهدٌ على النّدى
■ ■ ■
ما بوسعي قولُهُ
سوى أنّ الحبَّ استراحةٌ
من الموت
■ ■ ■
دَعْني الآن
أكسرُ الموتَ إلى الأبد
وأغفو على ركبتيك
4. ليالٍ في مهبِّ العمر
ليالٍ في مهبِّ العمر
■ ■ ■
عمرٌ تنقصُهُ استعارة
■ ■ ■
استعارةٌ
تكسو جَسدَين
من لحمٍ ودموع
■ ■ ■
إذن...
لِمَ لا تُفاجئني
وتُحرك مقبضَ الباب
فقلبي، فزجاجةَ النّبيذ
فأسطوانةً لأغنيةٍ فرنسيّةٍ
ثُمّ برهافةٍ أكثر...
جسدي؟
■ ■ ■
ليالي يناير
تنقصُها ملامحُ ألفةٍ
تبتسمُ لوجهِ الحبِّ
حتّى الصّباح
■ ■ ■
إذن...
لِمَ لا تأتي
لحظةً ناعسةً
وتختبئ بين جَفنَيّ
أو تحت لحافي؟
■ ■ ■
ليالٍ
في مهبِّ العمر
■ ■ ■
عمرٌ لهُ من الحبّ
حظُّ عودِ ثقاب
5. الوردُ أعتى من الرّيح
رسمْنا حُبّاً
رسَمَنا وَهمٌ
■ ■ ■
كلامُكَ الجمرُ
أذنايَ ثلجٌ
■ ■ ■
كان بوسعِكَ إنقاذُنا
لو مدَدتَ يدَكَ
مسافةَ ظِلٍّ
■ ■ ■
ظِلٌّ ظَلَّ
على الرّصيفِ
يبكي
■ ■ ■
لو الرّصيفُ ورقٌ
مَزّقتُهُ
■ ■ ■
لو أنّه قَشٌّ
حرقتُهُ
■ ■ ■
بارتباكٍ مشيْتَ
والنّدُم ظلُّكَ واثقُ الخُطى
■ ■ ■
بعضُ ما مضى انتحَرَ
والباقي مفقودٌ
■ ■ ■
تُربكني صيغةُ الماضي
لذا أطوي اسمَكَ تحت لساني
بِفِعلِ الاحتكاك يزرعُ نُدبةً
■ ■ ■
ما النّدبةُ مُقارنةً
بقلبٍ مشروخ!
■ ■ ■
يَشيخُ الحُبُّ
يُقوِّسُ ظهرَهُ ثِقَلُ الخيبة
يُبيّضُ عينيهِ فرطُ العتاب
■ ■ ■
يا حبيبي
هذا وجهي بعد العاصفة
الوردُ أعتى من الرّيح
6. لُعبةُ الكذب
«سنلعبُ الليلةَ لُعبةً
تُعدّينَ شوقاً على نارِ الانتظار
وأنا لا آتي
■ ■ ■
صباحاً
سأعتذرُ بقبلتين
على عُنقِك كما تُحبّين»
■ ■ ■
ما آلمني صباحاً
ليسَ نسيانُك عُنقي الحزين
إنّما إكليلُ شوكٍ طوّق شفتَيّ
وخذلانٌ نَما فوقَ أصابعي
حرمني وجبةَ الإفطار
■ ■ ■
هكذا
منطقُ الأطفال
كلُّ مَا يدركونَهُ
أنّك قطعْتَ وعداً
والوعود إنْ كُسرَت
تتكسّرُ فوقَ قلوبهم الزّجاجيةِ تُصبحانِ هَشيماً
■ ■ ■
«سنلعبُ الليلةَ لُعبةً:
تكتبينَ قصيدةً...
أُعيدُ صياغتَها»
■ ■ ■
ها هي الحروفُ
تصطفُّ بِخفّةٍ أمامي
بينما يمنعُني الكسلُ
أن أحركَها
■ ■ ■
إذن...
سيكونُ ليلٌ
يتيمَ القصيدةِ
بلعبةٍ مكسورةِ الخاطر
■ ■ ■
سنلعبُ الليلةَ لُعبةً
ألعبُ فيها دورَ الصّمت
بينما تُحدّثُ النّجومَ
وترسمُ افتراضاتٍ
فوق الغيم
■ ■ ■
ها نحنُ
في الليلةِ الرّابعة
فقدنا شهيّةَ اللعبِ
(*) مقتطفات شعرية من ديوان بالعنوان نفسه، صدر حديثاً للشاعرة والمترجمة السُّورية، عن «دار النهضة العربية» في بيروت.
هكذا فرّغت الـ CIA الماركسية من مضمونها الثوري
سعيد محمد
يكشف غابرييل روكهيل في كتابه الجديد كيف هندست الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) «الماركسية الغربية» لعزلها عن الممارسة الثورية. يبرهن المؤلف أنّ تحويل الماركسية إلى ترف أكاديمي يركز على الهوية واللغة كان مشروعاً إمبريالياً لتفريغ الصراع الطبقي من مضمونه المادي، وتدجين المثقفين ليكونوا حراس حدود أيديولوجيين يخدمون المركز الإمبراطوري
يُعد كتاب غابرييل روكهيل «مَن دفع لأصحاب المزامير في الماركسية الغربية؟» (Who Paid the Pipers of Western Marxism? ــــ دار ذا مانثلي ريفيو برس ـ 2025) استكمالاً فلسفياً وسياسياً للوثيقة التاريخية التي وضعتها فرانسيس ستونور سوندرز في «مَن دفع للزمار» (1999)، وأهم منجز تقني يتوافر لدينا لتفكيك البنية التحتية لأيديولوجيا يسار المركز الإمبراطوري.
تتجاوز أطروحة الكتاب نقد الأفكار لتصل إلى تشريح الاقتصاد السياسي لإنتاج النظرية، لتبرهن أنّ «الماركسية الغربية» لم تكن يوماً تطوراً معرفياً عضوياً، بل نتاج مشروع استراتيجي إمبريالي تمّت هندسته لضمان عزل الفكر الماركسي عن الممارسة الثورية المادية.
الاشتراكية والرأسمالية في كفة واحدة؟
ينطلق روكهيل من منهج مادي متماسك يفترض أنّ الأفكار منتجات اجتماعية تتطلّب بنيةً تحتيةً للتمويل والترويج، ويكشف من هذا المنطلق وعبر بحث أرشيفي مثير للإعجاب والدهشة معاً كيف أنّ «وكالة الاستخبارات المركزية» (CIA) وواجهاتها (مثل روكفلر وفورد) أدارت عملية إحلال منهجي، استهدفت استبدال المادية التاريخية والجدلية بنماذج نظرية غامضة تركز على الثقافة واللغة.
هذا اليسار الخانع صُمِّم ليكون راديكالياً في الشكل وظهيراً للإمبريالية في الجوهر، عبر تبنّي نقد شمولي يضع الاشتراكية والرأسمالية في كفة واحدة، ما يخدم المصالح الجيوسياسية للمركز الإمبراطوري.
اعتمدت هذه الصناعة على تايلورية فكرية – نسبة إلى فريدريك تايلور - جزأت الوعي الماركسي الشامل إلى تخصصات أكاديمية مفتتة (سوسيولوجيا، جماليات، فلسفة)، ما حال دون إنتاج علم ثوري موحّد، وتم استخدام نظام المنح الدراسية والزمالات البحثية لترويض العقول الثورية وتحويلها إلى تروس في الماكينة الأكاديمية، حيث تُمنح الأولوية للأبحاث المرتبطة بالذاتية والهوية وتُهمش الأبحاث المرتبطة بعلاقات الإنتاج.
تفريغ الماركسية من مضمونها
يحدّد الكتاب أربعة مسارات تقاطعت على تفريغ الماركسية من مضمونها الثوري:
1. الانسحاب من الطبقة: تحويل التركيز من الموقع المادي للبروليتاريا وعلاقات الإنتاج إلى مسائل الهوية وعلم النفس، ما أدى إلى تذويب الصراع الطبقي في مهاترات ثقافية ثانوية لا تهدد بأي شكل الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، أساس النظام الرأسمالي.
2. الانسحاب من نقد الإمبريالية: تبني رؤية مركزية أوروبية تجاهلت النهب المنظم للجنوب العالمي. اعتبر هذا التيار الثورات الاشتراكية في الصين وفيتنام وكوبا وكوريا انحرافات استبدادية، ما جعل المثقف الغربي يصطف موضوعياً مع السياسة الخارجية لبلاده تحت ذريعة الدفاع عن «الديموقراطية» ويصفق لإسقاط الأنظمة المعادية للهيمنة.
3. الانسحاب من المادية العلمية: استبدال المادية الجدلية بتيارات ظاهراتية ومثالية. حوّل هذا الانزياح الماركسية من أداة لتغيير الواقع إلى تمرين ذهني في التأويل، ما أفقدها صفتها كعلم للثورة والتغيير الاجتماعي.
4. الانسحاب من العقل والحقيقة: التمهيد لسيادة ما بعد الحداثة والعدمية الفكرية من خلال تصوير «الحقيقة» كمحض أداة للسلطة، على نحو جرّد الطبقة العاملة من إمكانية بناء بديل عقلاني شامل للنظام القائم.
عن «الأرستقراطية الفكرية»
يقدم روكهيل إدانةً قطعيةً لطبقة المثقفين في المركز الإمبراطوري، واصفاً إياهم بـ «الأرستقراطية الفكرية» التي تقتات على فائض القيمة المستخرج من الجنوب العالمي.
لعب هؤلاء المثقفون دور «حرس الحدود» الأيديولوجي. هناك مثلاً حالة المفكر اليهودي الألماني هربرت ماركوزه كنموذج لذلك المثقف الوظيفي؛ إذ أثبتت السجلات عمله المباشر مع أجهزة الاستخبارات الأميركية (OSS) في إعداد تقارير تهدف إلى تقويض المدّ الشيوعي العالمي. لقد كانت وظيفة هؤلاء المثقفين هي «الاحتواء الأيديولوجي»؛ أي امتصاص الاندفاع الثوري، وتحويله إلى نقد جمالي وثقافي معقد بعيد من ميادين الصراع المادي.
إنّ «فندق الهاوية» الذي انتقده المفكر الماركسي المجري جورج لوكاش صار مؤسسةً أكاديمية عالمية تروج للهزيمة التاريخية وتعتبرها حتمية نظرية. وعزز هذا التوجه «الماركسية الفرويدية» كأداة لتحطيم التنظيم الجماعي، عبر تحويل الثورة من فعل جماعي لتغيير نمط الإنتاج إلى رحلة بحث فردية عن التحرر من الكبت، ما يخدم غايات الرأسمالية الاستهلاكية تماماً.
تقويض التضامن الطبقي العالمي
يتوسع الكتاب في كشف آليات السيطرة عبر استغلال «النظرية» الفرنسية وكيف دعمت الاستخبارات الأميركية تيارات مثل الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية لكسر هيمنة الفكر الماركسي اللينيني في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه النظريات التي احتفت بالتشظي، ورفضت «السرديات الكبرى» كانت أداة مثالية لتقويض التضامن الطبقي العالمي.
إنّ إدارة فكر العالم تتم من خلال التحكم بـ«من يكتب» و «من يُنشر» و «من يُدعى للمؤتمرات». والهيمنة هنا تعمل كفلتر أيديولوجي يستبعد كلّ من يتمسك بالتحليل المادي الصارم أو التنظيم السياسي الثوري، ويرفع شأن من يغرق في التجريد اللغوي.
لقد تم تحويل الماركسية إلى سلعة فكرية ذات مضمون ثوري فارغ، على نحو يضمن بقاء السخط الجماهيري داخل أطر أكاديمية مسيطر عليها بالكامل. ولم يكن التمويل السخي للمجلات الراديكالية والمؤتمرات الفلسفية في باريس وبرلين ونيويورك في حقيقته إلا استثماراً في «الهزيمة الدائمة» لليسار.
يثبت روكهيل بما لا يدع مجالاً للشك بأن الإمبراطورية تهيمن عبر تكامل بين القوة الصلبة (الجيوش) والقوة الناعمة (الأكاديميا وصناعة الثقافة والإعلام)، ويشير إلى دور الرقابة الأكاديمية المؤسسية التي لا تعتمد على المنع الفج، بل على معايير مزعومة لـ «الإنتاجية العلمية» التي تمنح الأولوية للأبحاث النظرية المحضة وتهمش الأبحاث المرتبطة بالاقتصاد السياسي الميداني، على نحو يضمن استمرارية «الماركسية التي ترضى عنها الإمبراطورية» أنموذجاً مسيطراً.
تفكيك آليات عمل الهيمنة
ينتهي روكهيل إلى ضرورة استعادة «الماركسية العالمية» التي تلتحم بنضالات الشعوب في الصين، وكوبا، وفيتنام، وأفريقيا: ماركسية تعترف بالبناء المادي للقوة وبضرورة الدولة الاشتراكية لمواجهة التوحش الإمبريالي، ما يتطلب بالضرورة استدعاء متحرراً لمادية إنجلز وجدلية الطبيعة لإعادة ربط الماركسية بالعلوم الطبيعية والواقع المادي، بعيداً من الخواء وشيزوفرينيا الأكاديميا الغربية.
«مَن دفع لأصحاب المزامير في الماركسية الغربيّة؟» وثيقة تاريخية تقضي بشكل نهائي على أسطورة استقلالية الفكر الأكاديمي الغربي وموضوعيته المزعومة.
إن تحرر العقل الثوري اليوم يتطلب تفكيك كل هذه «الأصنام» الفكرية وتبني المادية التاريخية كعلم للصراع الطبقي العالمي. فالماركسية إما أن تكون علماً ثورياً يستهدف تحطيم البنية المادية للإمبريالية، أو تظل مجرد أداة تجميلية في خدمة النظام نفسه.
إن أطروحة روكهيل قراءة إجبارية مستحقة لتفكيك آليات عمل الهيمنة وإطلاق مهمة تحرير الماركسية من الخواء. استعادة تمرّ حتماً عبر تعرية أولئك السماسرة والجواسيس الذين قبضوا أثمان تزييف الوعي الثوري.
وكم نحن، في العالم العربي، بحاجة إلى تحقيق مهني موازٍ لتفكيك الدور المشبوه الذي لعبه مثقفون عرب مرتزقة ومنظمات مدنية ممولة خليجياً وغربياً في صناعة ما سمي بـ «ربيع العرب» المشؤوم. ذلك الحراك الذي جرى إطلاقه وتوجيهه عبر هندسة اجتماعية دقيقة، استبدلت المطالب الجذرية المحقة للشعوب بشعارات ليبرالية جوفاء، وصنعت «نجوماً» من وكلاء للهيمنة بلسانٍ عربي تولوا تجهيز المناخات المواتية لإسقاط الجمهوريات العربيّة في العراق وليبيا وسوريا لمصلحة فوضى الأصوليات القروسطية.
سعيد محمد
يكشف غابرييل روكهيل في كتابه الجديد كيف هندست الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) «الماركسية الغربية» لعزلها عن الممارسة الثورية. يبرهن المؤلف أنّ تحويل الماركسية إلى ترف أكاديمي يركز على الهوية واللغة كان مشروعاً إمبريالياً لتفريغ الصراع الطبقي من مضمونه المادي، وتدجين المثقفين ليكونوا حراس حدود أيديولوجيين يخدمون المركز الإمبراطوري
يُعد كتاب غابرييل روكهيل «مَن دفع لأصحاب المزامير في الماركسية الغربية؟» (Who Paid the Pipers of Western Marxism? ــــ دار ذا مانثلي ريفيو برس ـ 2025) استكمالاً فلسفياً وسياسياً للوثيقة التاريخية التي وضعتها فرانسيس ستونور سوندرز في «مَن دفع للزمار» (1999)، وأهم منجز تقني يتوافر لدينا لتفكيك البنية التحتية لأيديولوجيا يسار المركز الإمبراطوري.
تتجاوز أطروحة الكتاب نقد الأفكار لتصل إلى تشريح الاقتصاد السياسي لإنتاج النظرية، لتبرهن أنّ «الماركسية الغربية» لم تكن يوماً تطوراً معرفياً عضوياً، بل نتاج مشروع استراتيجي إمبريالي تمّت هندسته لضمان عزل الفكر الماركسي عن الممارسة الثورية المادية.
الاشتراكية والرأسمالية في كفة واحدة؟
ينطلق روكهيل من منهج مادي متماسك يفترض أنّ الأفكار منتجات اجتماعية تتطلّب بنيةً تحتيةً للتمويل والترويج، ويكشف من هذا المنطلق وعبر بحث أرشيفي مثير للإعجاب والدهشة معاً كيف أنّ «وكالة الاستخبارات المركزية» (CIA) وواجهاتها (مثل روكفلر وفورد) أدارت عملية إحلال منهجي، استهدفت استبدال المادية التاريخية والجدلية بنماذج نظرية غامضة تركز على الثقافة واللغة.
هذا اليسار الخانع صُمِّم ليكون راديكالياً في الشكل وظهيراً للإمبريالية في الجوهر، عبر تبنّي نقد شمولي يضع الاشتراكية والرأسمالية في كفة واحدة، ما يخدم المصالح الجيوسياسية للمركز الإمبراطوري.
اعتمدت هذه الصناعة على تايلورية فكرية – نسبة إلى فريدريك تايلور - جزأت الوعي الماركسي الشامل إلى تخصصات أكاديمية مفتتة (سوسيولوجيا، جماليات، فلسفة)، ما حال دون إنتاج علم ثوري موحّد، وتم استخدام نظام المنح الدراسية والزمالات البحثية لترويض العقول الثورية وتحويلها إلى تروس في الماكينة الأكاديمية، حيث تُمنح الأولوية للأبحاث المرتبطة بالذاتية والهوية وتُهمش الأبحاث المرتبطة بعلاقات الإنتاج.
تفريغ الماركسية من مضمونها
يحدّد الكتاب أربعة مسارات تقاطعت على تفريغ الماركسية من مضمونها الثوري:
1. الانسحاب من الطبقة: تحويل التركيز من الموقع المادي للبروليتاريا وعلاقات الإنتاج إلى مسائل الهوية وعلم النفس، ما أدى إلى تذويب الصراع الطبقي في مهاترات ثقافية ثانوية لا تهدد بأي شكل الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، أساس النظام الرأسمالي.
2. الانسحاب من نقد الإمبريالية: تبني رؤية مركزية أوروبية تجاهلت النهب المنظم للجنوب العالمي. اعتبر هذا التيار الثورات الاشتراكية في الصين وفيتنام وكوبا وكوريا انحرافات استبدادية، ما جعل المثقف الغربي يصطف موضوعياً مع السياسة الخارجية لبلاده تحت ذريعة الدفاع عن «الديموقراطية» ويصفق لإسقاط الأنظمة المعادية للهيمنة.
3. الانسحاب من المادية العلمية: استبدال المادية الجدلية بتيارات ظاهراتية ومثالية. حوّل هذا الانزياح الماركسية من أداة لتغيير الواقع إلى تمرين ذهني في التأويل، ما أفقدها صفتها كعلم للثورة والتغيير الاجتماعي.
4. الانسحاب من العقل والحقيقة: التمهيد لسيادة ما بعد الحداثة والعدمية الفكرية من خلال تصوير «الحقيقة» كمحض أداة للسلطة، على نحو جرّد الطبقة العاملة من إمكانية بناء بديل عقلاني شامل للنظام القائم.
عن «الأرستقراطية الفكرية»
يقدم روكهيل إدانةً قطعيةً لطبقة المثقفين في المركز الإمبراطوري، واصفاً إياهم بـ «الأرستقراطية الفكرية» التي تقتات على فائض القيمة المستخرج من الجنوب العالمي.
لعب هؤلاء المثقفون دور «حرس الحدود» الأيديولوجي. هناك مثلاً حالة المفكر اليهودي الألماني هربرت ماركوزه كنموذج لذلك المثقف الوظيفي؛ إذ أثبتت السجلات عمله المباشر مع أجهزة الاستخبارات الأميركية (OSS) في إعداد تقارير تهدف إلى تقويض المدّ الشيوعي العالمي. لقد كانت وظيفة هؤلاء المثقفين هي «الاحتواء الأيديولوجي»؛ أي امتصاص الاندفاع الثوري، وتحويله إلى نقد جمالي وثقافي معقد بعيد من ميادين الصراع المادي.
إنّ «فندق الهاوية» الذي انتقده المفكر الماركسي المجري جورج لوكاش صار مؤسسةً أكاديمية عالمية تروج للهزيمة التاريخية وتعتبرها حتمية نظرية. وعزز هذا التوجه «الماركسية الفرويدية» كأداة لتحطيم التنظيم الجماعي، عبر تحويل الثورة من فعل جماعي لتغيير نمط الإنتاج إلى رحلة بحث فردية عن التحرر من الكبت، ما يخدم غايات الرأسمالية الاستهلاكية تماماً.
تقويض التضامن الطبقي العالمي
يتوسع الكتاب في كشف آليات السيطرة عبر استغلال «النظرية» الفرنسية وكيف دعمت الاستخبارات الأميركية تيارات مثل الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية لكسر هيمنة الفكر الماركسي اللينيني في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه النظريات التي احتفت بالتشظي، ورفضت «السرديات الكبرى» كانت أداة مثالية لتقويض التضامن الطبقي العالمي.
إنّ إدارة فكر العالم تتم من خلال التحكم بـ«من يكتب» و «من يُنشر» و «من يُدعى للمؤتمرات». والهيمنة هنا تعمل كفلتر أيديولوجي يستبعد كلّ من يتمسك بالتحليل المادي الصارم أو التنظيم السياسي الثوري، ويرفع شأن من يغرق في التجريد اللغوي.
لقد تم تحويل الماركسية إلى سلعة فكرية ذات مضمون ثوري فارغ، على نحو يضمن بقاء السخط الجماهيري داخل أطر أكاديمية مسيطر عليها بالكامل. ولم يكن التمويل السخي للمجلات الراديكالية والمؤتمرات الفلسفية في باريس وبرلين ونيويورك في حقيقته إلا استثماراً في «الهزيمة الدائمة» لليسار.
يثبت روكهيل بما لا يدع مجالاً للشك بأن الإمبراطورية تهيمن عبر تكامل بين القوة الصلبة (الجيوش) والقوة الناعمة (الأكاديميا وصناعة الثقافة والإعلام)، ويشير إلى دور الرقابة الأكاديمية المؤسسية التي لا تعتمد على المنع الفج، بل على معايير مزعومة لـ «الإنتاجية العلمية» التي تمنح الأولوية للأبحاث النظرية المحضة وتهمش الأبحاث المرتبطة بالاقتصاد السياسي الميداني، على نحو يضمن استمرارية «الماركسية التي ترضى عنها الإمبراطورية» أنموذجاً مسيطراً.
تفكيك آليات عمل الهيمنة
ينتهي روكهيل إلى ضرورة استعادة «الماركسية العالمية» التي تلتحم بنضالات الشعوب في الصين، وكوبا، وفيتنام، وأفريقيا: ماركسية تعترف بالبناء المادي للقوة وبضرورة الدولة الاشتراكية لمواجهة التوحش الإمبريالي، ما يتطلب بالضرورة استدعاء متحرراً لمادية إنجلز وجدلية الطبيعة لإعادة ربط الماركسية بالعلوم الطبيعية والواقع المادي، بعيداً من الخواء وشيزوفرينيا الأكاديميا الغربية.
«مَن دفع لأصحاب المزامير في الماركسية الغربيّة؟» وثيقة تاريخية تقضي بشكل نهائي على أسطورة استقلالية الفكر الأكاديمي الغربي وموضوعيته المزعومة.
إن تحرر العقل الثوري اليوم يتطلب تفكيك كل هذه «الأصنام» الفكرية وتبني المادية التاريخية كعلم للصراع الطبقي العالمي. فالماركسية إما أن تكون علماً ثورياً يستهدف تحطيم البنية المادية للإمبريالية، أو تظل مجرد أداة تجميلية في خدمة النظام نفسه.
إن أطروحة روكهيل قراءة إجبارية مستحقة لتفكيك آليات عمل الهيمنة وإطلاق مهمة تحرير الماركسية من الخواء. استعادة تمرّ حتماً عبر تعرية أولئك السماسرة والجواسيس الذين قبضوا أثمان تزييف الوعي الثوري.
وكم نحن، في العالم العربي، بحاجة إلى تحقيق مهني موازٍ لتفكيك الدور المشبوه الذي لعبه مثقفون عرب مرتزقة ومنظمات مدنية ممولة خليجياً وغربياً في صناعة ما سمي بـ «ربيع العرب» المشؤوم. ذلك الحراك الذي جرى إطلاقه وتوجيهه عبر هندسة اجتماعية دقيقة، استبدلت المطالب الجذرية المحقة للشعوب بشعارات ليبرالية جوفاء، وصنعت «نجوماً» من وكلاء للهيمنة بلسانٍ عربي تولوا تجهيز المناخات المواتية لإسقاط الجمهوريات العربيّة في العراق وليبيا وسوريا لمصلحة فوضى الأصوليات القروسطية.
دونالد ترامب: حفلة التفاهة (اللغوية)
بول مخلوف
تتناول الفيلسوفة الفرنسية باربرا كاسان اللغة بوصفها قوةً تصنع العالم لا وسيلة تعبير بريئة. تُظهر كيف تتحوّل الضحالة المعجمية والتكرار والتبسيط إلى أدوات شعبوية فعّالة، ويُفرَّغ الكلام من معناه ليُستخدم في إنتاج الهيمنة والعنف. هكذا تكشف الركاكة اللغوية عن منطق سياسي يحكم عبر التفاهة، ويحوّل الخطاب إلى سلاح يومي
تتحفّظ الفيلسوفة الفرنسية باربرا كاسان (1947) على إضفاء أي طابعٍ أنطولوجي أو ميتافيزيقي على اللغة. هي لا ترى فيها وظيفةً كشفية للوجود كما في التصور الهيدغري، ولا تعتبرها كياناً لا تاريخياً أو بنية مقدسة وبريئة.
اللغة عندها ممارسة بشرية تاريخية، ومجالٌ للاختلاف والتنازع كما أنها إمكانية للقاء والتفاهم. إنها ليست «منزلاً للكينونة» (هيدغر) إنّما مصنع لإنتاج العلاقات والمعاني والأحداث.
من هذا المنظور، ترى باربارا كاسان أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن «شيء» بل قوّة قادرة على صناعة «شيء»، ولها في هذا الصدد مقولة شهيرة: «الكلام يمكن أن يحوِّل ما يقال إلى شيء موجود».
ميدان للسلطة والهيمنة
ترفض كاسان إذن، اختزال اللغة في كونها مجرد وسيط تواصلي، أو أداة لتمثيل العالم. اللغة ميدان للسلطة والهيمنة والمقاومة، فالكلمات قد تقصي وتهيمن وتضلل، مثلما بإمكانها أن تكون مجالاً للتفاوض والاعتراف والاقتراب.
إنها تخلق معاني، وتنسج علاقات، وهي شرطٌ أساسيٌّ لظهور الإنسان. ذاك أنّ الإنسان لا يدخل الى العالم إلا عبر الكلام. هو ـــ بحسب كاسان ـــ كائن يصاغ لغوياً ضمن شبكة من العلاقات. لا هوية ثابتة هنا بل ذات تتشكّل باستمرار. الانسان كائن «علائقيّ» يتحدّد موقعه من خلال شبكة من الخطابات، والتسميات، وأفعال الكلام.
كأنّ العالم عجينة واللغة هي الخبّاز. على هذا النحو، بوسع اللغة أن تخبز العالم وتحضره كعكةً متصلّبة أو قالب حلوى. العالم، في تصورها، يُفهم ويُعاش من خلال الممارسات اللغوية، أي في القول وفي كيفية أدائه، وليس من خلال تصوّرات جاهزة أو ادعاءات حول «أصالة» معيّنة.
لذلك، تراها تلاحق أثر اللغة أي ما تفعله وما تتركه وراءها. فالفيلسوفة اللغوية المدافعة عن الاختلاف اللغوي، وعن التوتّر الناجم عن سوء الفهم، وعن لغة التداول حيث تستمد المعاني من الاستعمال لا من القواميس، تطارد الخبازين الذين يمعنون في الإخلال بالعجينة بخشونة أياديهم. لذلك، تجد اهتمامها في محاضراتها ومقابلاتها التلفزيونية مصبوباً على الكشف عن السموم التي تفرزها تلك الأيادي، أي على تقويض خطاب الديكتاتوريين وفضح آلياته.
ثرثرة الفاشيين
باربارا كاسان التي تولي أهمية كبرى للسفسطائيين لأنهم أدركوا باكراً قوّة الكلام وآمنوا بفاعليته، ترصد عن كثب، مثل مدقق لغوي يقظ، ما تفعله الكلمات في المجال السياسيّ. في النهاية، يتردد صوت الخطاب السياسي في الصدى المسموع في العالم.
الفيلسوفة القائلة «نحن لا نعبّر عن العلاقة، نحن نصنعها لغوياً» تؤمن بقدرة اللغة على التوليد، بمعنى إنتاج وقائع إجتماعية وسياسية: من بناء علاقات، إلى إشعال حروب، إلى ممارسة الإقصاء والهيمنة.
وعليه، فهي تصرّ في إطلالاتها الأخيرة على اقتفاء أثر خبازيّ العالم المعاصر، أي خطاب الساسة حكّام العالم، من ماكرون الى ساركوزي مروراً ببوتين ووصولاً إلى ترامب. ما نخاله ترّهاتٍ وحماقاتٍ يتفوهون بها تجده باربارا كاسان خطاباً فاسداً وخطيراً. خطاب يصنع وقائع تضع الكرة الأرضية على صفيح ساخن. وفي سياق هذه الحماقات، تضرب كاسان مثلاً بالأخطاء الإملائية (حمقاء) التي وردت في نصٍّ للرئيس السابق نيكولا ساركوزي نشر على الموقع الرسمي للرئاسة الفرنسية.
لا تمر الثرثرة، ثرثرة الفاشيين، عند «فيلسوفة الكلمة» بلا إعراب. العالم مع هؤلاء الشعبويين الثرثارين، بات بالوناً منتفخاً قابلاً للانفجار في أي وقت، وكاسان تمسك بإبرةٍ صغيرة تثقب فيها الانتفاخ اللغوي قبل انفجار البالون ووقوع الكارثة. تقف باربرا كاسان عند عتبة اللسانيات لتستقبل ترامب، وترحب به قائلة: «يمتلك دونالد ترامب معجماً دلالياً لمراهق في الرابعة عشرة من عمره».
ترامب ظاهرة لغوية عنيفة بقدر ما هو ظاهرة سياسية عنيفة. بهذه السيرة الذاتية الموجزة تختصره. الفيلسوفة التي ترى «أنّ الكلام يفعل» توضح كيف يشن ترامب الحروب بالكلام، ويغتال رمزياً، ويمارس التضخيم بوصفه استراتيجية سياسية، وهو لا يكذب فحسب، إنما يفرّغ كل الكلام من دلالاته. ترامب بهذا المعنى مفسّد لغوي، وهو لذلك مفسّد أرضيّ.
بلاهة تحكم العالم
باربارا كاسان تفكك دونالد ترامب تفكيكاً لغوياً: «يفتقر إلى معجم لغوي، يكرر الكلمات ذاتها، عاجز بلاغياً، وهو ضعيف في قواعد لغته». هذا ليس اتهاماً عشوائياً بل استنتاج على أثر تحليل خطاب الفظ، وتعرية أسلوبه الفج. ما يبدو لنا ابتذالاً مسرفاً هو ما يدفع كاسان إلى التساؤل بكل جدية: كيف يمكن لمن لا يجيد اللغة أن يكون مؤثراً بهذا الحجم؟ كيف «تمر» مثل هذه الشخصية؟
إنّ «الشعبوية موجودة» تنوّه، وتشرح آليات عملها: تفترض الشعبوية أنّ «الآخر عديم القيمة. من ثم كلما اعتُبر الآخر عديم القيمة، كلما صار الخطاب الشعبوي قابلاً للمرور» وبالتالي، ازدادت قدرة صاحبه على التأثير.
قد يشير هذا الفقر اللغوي المقرون بسلطة مفرطة إلى مفارقة خطيرة، غير أن كاسان توضح أنه تقنية ناجحاً تمكّن الخطاب من الانتشار. حين تفقد الكلمات علاقتها مع الأشياء، وتصير معانيها مجوّفة، تصبح أكثر قابلية للتداول وأشدّ قدرة على التعبئة. وهذا هو المرعب بعينه بنظر كاسان: نجاح هذه النماذج اللغوية وسيادتها.
إنّ «الشعبوية مخيفة»، تشدد باربارا كاسان. فما يبدو لنا مبتذلاً ليس تفاهة وثرثرة عابرة بل طريقة تفكير وجهاز لغوي يقوم على ممارسة التبسيط المفرط، والتتفيه والتسطيح لإنتاج وقائع سياسية واجتماعية واقتصادية. الشعبوية مخيفة حقاً، وهي من داخل الأطر اللغوية ترسم عالماً غروتيسكياً، وإذ بالشعبويّ يسعى إلى فرضه كواقع معاش.
مع باربارا كاسان، ننتبه إلى أنّ الضحالة اللغوية، والركاكة في التعبير، وضعف الصياغة التي يمتاز بها حكام العالم، ليست تفاصيل عرضية إنّما مؤشر حقيقيّ إلى بلاهة مقلقة تحكم العالم، وقرائن تؤكد لماذا لغة هؤلاء (الهشة) هي لغة قتل.
بول مخلوف
تتناول الفيلسوفة الفرنسية باربرا كاسان اللغة بوصفها قوةً تصنع العالم لا وسيلة تعبير بريئة. تُظهر كيف تتحوّل الضحالة المعجمية والتكرار والتبسيط إلى أدوات شعبوية فعّالة، ويُفرَّغ الكلام من معناه ليُستخدم في إنتاج الهيمنة والعنف. هكذا تكشف الركاكة اللغوية عن منطق سياسي يحكم عبر التفاهة، ويحوّل الخطاب إلى سلاح يومي
تتحفّظ الفيلسوفة الفرنسية باربرا كاسان (1947) على إضفاء أي طابعٍ أنطولوجي أو ميتافيزيقي على اللغة. هي لا ترى فيها وظيفةً كشفية للوجود كما في التصور الهيدغري، ولا تعتبرها كياناً لا تاريخياً أو بنية مقدسة وبريئة.
اللغة عندها ممارسة بشرية تاريخية، ومجالٌ للاختلاف والتنازع كما أنها إمكانية للقاء والتفاهم. إنها ليست «منزلاً للكينونة» (هيدغر) إنّما مصنع لإنتاج العلاقات والمعاني والأحداث.
من هذا المنظور، ترى باربارا كاسان أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن «شيء» بل قوّة قادرة على صناعة «شيء»، ولها في هذا الصدد مقولة شهيرة: «الكلام يمكن أن يحوِّل ما يقال إلى شيء موجود».
ميدان للسلطة والهيمنة
ترفض كاسان إذن، اختزال اللغة في كونها مجرد وسيط تواصلي، أو أداة لتمثيل العالم. اللغة ميدان للسلطة والهيمنة والمقاومة، فالكلمات قد تقصي وتهيمن وتضلل، مثلما بإمكانها أن تكون مجالاً للتفاوض والاعتراف والاقتراب.
إنها تخلق معاني، وتنسج علاقات، وهي شرطٌ أساسيٌّ لظهور الإنسان. ذاك أنّ الإنسان لا يدخل الى العالم إلا عبر الكلام. هو ـــ بحسب كاسان ـــ كائن يصاغ لغوياً ضمن شبكة من العلاقات. لا هوية ثابتة هنا بل ذات تتشكّل باستمرار. الانسان كائن «علائقيّ» يتحدّد موقعه من خلال شبكة من الخطابات، والتسميات، وأفعال الكلام.
كأنّ العالم عجينة واللغة هي الخبّاز. على هذا النحو، بوسع اللغة أن تخبز العالم وتحضره كعكةً متصلّبة أو قالب حلوى. العالم، في تصورها، يُفهم ويُعاش من خلال الممارسات اللغوية، أي في القول وفي كيفية أدائه، وليس من خلال تصوّرات جاهزة أو ادعاءات حول «أصالة» معيّنة.
لذلك، تراها تلاحق أثر اللغة أي ما تفعله وما تتركه وراءها. فالفيلسوفة اللغوية المدافعة عن الاختلاف اللغوي، وعن التوتّر الناجم عن سوء الفهم، وعن لغة التداول حيث تستمد المعاني من الاستعمال لا من القواميس، تطارد الخبازين الذين يمعنون في الإخلال بالعجينة بخشونة أياديهم. لذلك، تجد اهتمامها في محاضراتها ومقابلاتها التلفزيونية مصبوباً على الكشف عن السموم التي تفرزها تلك الأيادي، أي على تقويض خطاب الديكتاتوريين وفضح آلياته.
ثرثرة الفاشيين
باربارا كاسان التي تولي أهمية كبرى للسفسطائيين لأنهم أدركوا باكراً قوّة الكلام وآمنوا بفاعليته، ترصد عن كثب، مثل مدقق لغوي يقظ، ما تفعله الكلمات في المجال السياسيّ. في النهاية، يتردد صوت الخطاب السياسي في الصدى المسموع في العالم.
الفيلسوفة القائلة «نحن لا نعبّر عن العلاقة، نحن نصنعها لغوياً» تؤمن بقدرة اللغة على التوليد، بمعنى إنتاج وقائع إجتماعية وسياسية: من بناء علاقات، إلى إشعال حروب، إلى ممارسة الإقصاء والهيمنة.
وعليه، فهي تصرّ في إطلالاتها الأخيرة على اقتفاء أثر خبازيّ العالم المعاصر، أي خطاب الساسة حكّام العالم، من ماكرون الى ساركوزي مروراً ببوتين ووصولاً إلى ترامب. ما نخاله ترّهاتٍ وحماقاتٍ يتفوهون بها تجده باربارا كاسان خطاباً فاسداً وخطيراً. خطاب يصنع وقائع تضع الكرة الأرضية على صفيح ساخن. وفي سياق هذه الحماقات، تضرب كاسان مثلاً بالأخطاء الإملائية (حمقاء) التي وردت في نصٍّ للرئيس السابق نيكولا ساركوزي نشر على الموقع الرسمي للرئاسة الفرنسية.
لا تمر الثرثرة، ثرثرة الفاشيين، عند «فيلسوفة الكلمة» بلا إعراب. العالم مع هؤلاء الشعبويين الثرثارين، بات بالوناً منتفخاً قابلاً للانفجار في أي وقت، وكاسان تمسك بإبرةٍ صغيرة تثقب فيها الانتفاخ اللغوي قبل انفجار البالون ووقوع الكارثة. تقف باربرا كاسان عند عتبة اللسانيات لتستقبل ترامب، وترحب به قائلة: «يمتلك دونالد ترامب معجماً دلالياً لمراهق في الرابعة عشرة من عمره».
ترامب ظاهرة لغوية عنيفة بقدر ما هو ظاهرة سياسية عنيفة. بهذه السيرة الذاتية الموجزة تختصره. الفيلسوفة التي ترى «أنّ الكلام يفعل» توضح كيف يشن ترامب الحروب بالكلام، ويغتال رمزياً، ويمارس التضخيم بوصفه استراتيجية سياسية، وهو لا يكذب فحسب، إنما يفرّغ كل الكلام من دلالاته. ترامب بهذا المعنى مفسّد لغوي، وهو لذلك مفسّد أرضيّ.
بلاهة تحكم العالم
باربارا كاسان تفكك دونالد ترامب تفكيكاً لغوياً: «يفتقر إلى معجم لغوي، يكرر الكلمات ذاتها، عاجز بلاغياً، وهو ضعيف في قواعد لغته». هذا ليس اتهاماً عشوائياً بل استنتاج على أثر تحليل خطاب الفظ، وتعرية أسلوبه الفج. ما يبدو لنا ابتذالاً مسرفاً هو ما يدفع كاسان إلى التساؤل بكل جدية: كيف يمكن لمن لا يجيد اللغة أن يكون مؤثراً بهذا الحجم؟ كيف «تمر» مثل هذه الشخصية؟
إنّ «الشعبوية موجودة» تنوّه، وتشرح آليات عملها: تفترض الشعبوية أنّ «الآخر عديم القيمة. من ثم كلما اعتُبر الآخر عديم القيمة، كلما صار الخطاب الشعبوي قابلاً للمرور» وبالتالي، ازدادت قدرة صاحبه على التأثير.
قد يشير هذا الفقر اللغوي المقرون بسلطة مفرطة إلى مفارقة خطيرة، غير أن كاسان توضح أنه تقنية ناجحاً تمكّن الخطاب من الانتشار. حين تفقد الكلمات علاقتها مع الأشياء، وتصير معانيها مجوّفة، تصبح أكثر قابلية للتداول وأشدّ قدرة على التعبئة. وهذا هو المرعب بعينه بنظر كاسان: نجاح هذه النماذج اللغوية وسيادتها.
إنّ «الشعبوية مخيفة»، تشدد باربارا كاسان. فما يبدو لنا مبتذلاً ليس تفاهة وثرثرة عابرة بل طريقة تفكير وجهاز لغوي يقوم على ممارسة التبسيط المفرط، والتتفيه والتسطيح لإنتاج وقائع سياسية واجتماعية واقتصادية. الشعبوية مخيفة حقاً، وهي من داخل الأطر اللغوية ترسم عالماً غروتيسكياً، وإذ بالشعبويّ يسعى إلى فرضه كواقع معاش.
مع باربارا كاسان، ننتبه إلى أنّ الضحالة اللغوية، والركاكة في التعبير، وضعف الصياغة التي يمتاز بها حكام العالم، ليست تفاصيل عرضية إنّما مؤشر حقيقيّ إلى بلاهة مقلقة تحكم العالم، وقرائن تؤكد لماذا لغة هؤلاء (الهشة) هي لغة قتل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire