بقلم عابر سبيل
لم تعد "الغرفة رقم 4" تفوح برائحة أقلام التلوين وسندويشات الزعتر المدرسية. أصبحت رائحتها مزيجاً غريباً من الرطوبة، وطبخ "العدس" على الغاز الصغير في الزاوية، وأنفاس ثلاث عائلات تكدست فوق بعضها البعض.
في صدر الغرفة، كان "اللوح الأخضر" يقف شامخاً، لكنه فقد هيبته القديمة. ذلك اللوح الذي كان يرتعد التلاميذ أمامه خوفاً من مسألة رياضيات معقدة، أو إعراب جملة صعبة، تحول اليوم إلى جدار فاصل. دقّ أحدهم مسماراً في إطاره الخشبي، ومسماراً آخر في خزانة الكتب، ومُدّ حبل غسيل طويل. أصبحت قمصان النوم، والجوارب المبللة، ومناشف الأطفال، تتدلى أمام اللوح، تحجب عبارة "قم للمعلّم وفّه التبجيلا" التي لا تزال مكتوبة بخط الرقعة الباهت في الأعلى.
في الساعة الثانية فجراً، وبينما كان الجميع نياماً يفترشون الأرض، استيقظ "كريم" (9 سنوات). تسلل من بين الفرشات المتلاصقة بحذر، قفز فوق ساق رجل غريب ينام قرب الباب، ووصل إلى المنطقة المحرمة: "منطقة اللوح".
أزاح قميصاً مبللاً جانباً، فظهرت بقعة خضراء داكنة فارغة من اللوح. تحسس جيبه، وأخرج قطعة طباشير بيضاء صغيرة كان قد سرقها من العلبة المنسية على طاولة المعلم (التي أصبحت الآن طاولة لتحضير الطعام).
نظر كريم إلى اللوح وهمس له بصوت خافت، كأنه يكلم صديقاً قديماً: "بتتذكرني؟ أنا كنت اقعد بالصف التاني، جنب الشباك. كنت خاف قوم اكتب عليك.. بس اليوم ما بقى خاف".
لم يُجب اللوح، لكن برودته تحت يد كريم كانت مريحة.
رفع كريم الطباشير وبدأ يرسم. لم يرسم دبابة، ولا طائرة، ولا ناراً. رسم مربعاً كبيراً. ثم مثلثاً فوقه. "هيدا البيت"، قال للوح وهو يضغط على الطباشير حتى تفتت قليلاً، "شفت سقف القرميد؟ كان أحمر، بس ما معي غير أبيض.. مشي حالك".
رسم مستطيلاً طويلاً بجانب البيت. "وهيدي شجرة الجوز. كانت توصل لشباك غرفتي. بتعرف؟ كنت خبّي عليها طابتي لما تطلع إمي تعيط عليي".
رسم دوائر صغيرة حول الشجرة. "وهول الزيتونات. أبي قال السنة الموسم رح يروح عالأرض. بس أنا رسمتهم هون كرمال ما ييبسوا".
توقف كريم قليلاً. نظر إلى الغسيل المتدلي حول رسمته. بدا الجورب المبلل وكأنه غيمة سوداء تهدد سقف بيته المرسوم. أزاح الجورب بنزق. "زيح شوي.. بدك تنقّط مي ع البرندا؟".
عاد للرسم. رسم باب البيت. ثم توقف يده في الهواء. تردد. هل يرسم الباب مغلقاً أم مفتوحاً؟ تذكر آخر مرة رأى فيها بابهم الحقيقي. كان مخلوعاً، ملقى على الدرج، والنوافذ فاغرة كأفواه تصرخ. مسح دمعة سريعة بطرف كمه المتسخ، ورسم الباب مغلقاً. ورسم فوقه مفتاحاً كبيراً جداً، أكبر من الباب نفسه.
"يا لوح.."، همس كريم وعيناه تتفحصان الرسمة، "أستاذ الرياضيات كان يقول إنو الأرقام ما بتكذب. بس الأخبار كذابة. قالوا قريتنا تدمرت. بس ليكها.. بعدها هون، خضرا وحلوة".
اقترب بوجهه من اللوح حتى لامس أنفه الغبار الأبيض: "بدي اطلب منك طلب.. فيك تخبيلي ياهن؟ إذا إجت المي محيهم، وإذا إجت القذيفة كسرت الحيط.. خليهم مرسومين بذاكرتك. اتفقنا؟".
رسم كريم وجهاً ضاحكا صغيراً في زاوية اللوح السفلى، ثم نفض الغبار عن يديه. أعاد إسدال القميص المبلل فوق الرسمة، ليخفي بيته عن عيون الغرباء وعن نشرات الأخبار.
عاد كريم إلى فراشه الصغير بين الأجساد النائمة. أغمض عينيه، ولأول مرة منذ أسبوع، نام دون أن يسمع صوت الطائرة المسيرة. كان ينام مطمئناً، لأنه يعرف أن بيته، وشجرة الجوز، ومفتاح الباب، باتوا في أمان الآن.. تحت حماية اللوح الأخضر، وخلف قميص أبيه المبلل.
لم تعد "الغرفة رقم 4" تفوح برائحة أقلام التلوين وسندويشات الزعتر المدرسية. أصبحت رائحتها مزيجاً غريباً من الرطوبة، وطبخ "العدس" على الغاز الصغير في الزاوية، وأنفاس ثلاث عائلات تكدست فوق بعضها البعض.
في صدر الغرفة، كان "اللوح الأخضر" يقف شامخاً، لكنه فقد هيبته القديمة. ذلك اللوح الذي كان يرتعد التلاميذ أمامه خوفاً من مسألة رياضيات معقدة، أو إعراب جملة صعبة، تحول اليوم إلى جدار فاصل. دقّ أحدهم مسماراً في إطاره الخشبي، ومسماراً آخر في خزانة الكتب، ومُدّ حبل غسيل طويل. أصبحت قمصان النوم، والجوارب المبللة، ومناشف الأطفال، تتدلى أمام اللوح، تحجب عبارة "قم للمعلّم وفّه التبجيلا" التي لا تزال مكتوبة بخط الرقعة الباهت في الأعلى.
في الساعة الثانية فجراً، وبينما كان الجميع نياماً يفترشون الأرض، استيقظ "كريم" (9 سنوات). تسلل من بين الفرشات المتلاصقة بحذر، قفز فوق ساق رجل غريب ينام قرب الباب، ووصل إلى المنطقة المحرمة: "منطقة اللوح".
أزاح قميصاً مبللاً جانباً، فظهرت بقعة خضراء داكنة فارغة من اللوح. تحسس جيبه، وأخرج قطعة طباشير بيضاء صغيرة كان قد سرقها من العلبة المنسية على طاولة المعلم (التي أصبحت الآن طاولة لتحضير الطعام).
نظر كريم إلى اللوح وهمس له بصوت خافت، كأنه يكلم صديقاً قديماً: "بتتذكرني؟ أنا كنت اقعد بالصف التاني، جنب الشباك. كنت خاف قوم اكتب عليك.. بس اليوم ما بقى خاف".
لم يُجب اللوح، لكن برودته تحت يد كريم كانت مريحة.
رفع كريم الطباشير وبدأ يرسم. لم يرسم دبابة، ولا طائرة، ولا ناراً. رسم مربعاً كبيراً. ثم مثلثاً فوقه. "هيدا البيت"، قال للوح وهو يضغط على الطباشير حتى تفتت قليلاً، "شفت سقف القرميد؟ كان أحمر، بس ما معي غير أبيض.. مشي حالك".
رسم مستطيلاً طويلاً بجانب البيت. "وهيدي شجرة الجوز. كانت توصل لشباك غرفتي. بتعرف؟ كنت خبّي عليها طابتي لما تطلع إمي تعيط عليي".
رسم دوائر صغيرة حول الشجرة. "وهول الزيتونات. أبي قال السنة الموسم رح يروح عالأرض. بس أنا رسمتهم هون كرمال ما ييبسوا".
توقف كريم قليلاً. نظر إلى الغسيل المتدلي حول رسمته. بدا الجورب المبلل وكأنه غيمة سوداء تهدد سقف بيته المرسوم. أزاح الجورب بنزق. "زيح شوي.. بدك تنقّط مي ع البرندا؟".
عاد للرسم. رسم باب البيت. ثم توقف يده في الهواء. تردد. هل يرسم الباب مغلقاً أم مفتوحاً؟ تذكر آخر مرة رأى فيها بابهم الحقيقي. كان مخلوعاً، ملقى على الدرج، والنوافذ فاغرة كأفواه تصرخ. مسح دمعة سريعة بطرف كمه المتسخ، ورسم الباب مغلقاً. ورسم فوقه مفتاحاً كبيراً جداً، أكبر من الباب نفسه.
"يا لوح.."، همس كريم وعيناه تتفحصان الرسمة، "أستاذ الرياضيات كان يقول إنو الأرقام ما بتكذب. بس الأخبار كذابة. قالوا قريتنا تدمرت. بس ليكها.. بعدها هون، خضرا وحلوة".
اقترب بوجهه من اللوح حتى لامس أنفه الغبار الأبيض: "بدي اطلب منك طلب.. فيك تخبيلي ياهن؟ إذا إجت المي محيهم، وإذا إجت القذيفة كسرت الحيط.. خليهم مرسومين بذاكرتك. اتفقنا؟".
رسم كريم وجهاً ضاحكا صغيراً في زاوية اللوح السفلى، ثم نفض الغبار عن يديه. أعاد إسدال القميص المبلل فوق الرسمة، ليخفي بيته عن عيون الغرباء وعن نشرات الأخبار.
عاد كريم إلى فراشه الصغير بين الأجساد النائمة. أغمض عينيه، ولأول مرة منذ أسبوع، نام دون أن يسمع صوت الطائرة المسيرة. كان ينام مطمئناً، لأنه يعرف أن بيته، وشجرة الجوز، ومفتاح الباب، باتوا في أمان الآن.. تحت حماية اللوح الأخضر، وخلف قميص أبيه المبلل.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire