د. طنوس شلهوب
دأب عدد من الذين ينسبون انفسهم الى ماركس على ابراز موقفهم العدائي من الدين، باعتباره المسؤول عن التخلف، وربطه بكل ما هو رجعي ومعادي للتقدم. ومن المفيد هنا العودة الى ماركس، والذي تمظهر موقفه من هذه المسألة في سجاله مع برونو باور، احد ممثلي العيغليين الشباب، الأكثر تشدداً في نقد الدين.
اعتبر باور أن التحرر الإنساني يمرّ حتمًا عبر القضاء على الوعي الديني بوصفه شكلًا من أشكال الوهم والاستلاب. وانطلاقًا من هذا التصور، دعا إلى نزع الطابع الديني عن الدولة والمجتمع، ورأى أن تحرر الإنسان لا يتحقق إلا بتحرر وعيه من الدين.
غير أن هذا الموقف بالذات كان موضوع نقد حاسم من قبل كارل ماركس، ولا سيما في كتابه «المسألة اليهودية».
يرى ماركس أن خطأ باور الجوهري يكمن في اختزال الاغتراب الإنساني في الدين وحده، والتعامل معه بوصفه السبب الأساسي لكل أشكال القهر. فبالنسبة لماركس، الدين ليس أصل الاغتراب بل أحد تعبيراته، إنه نتيجة لشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية ملموسة. وبالتالي، فإن محاربة الدين بوصفه وعيًا زائفًا لا تمسّ جذور المشكلة، بل تظل حركة تدور في مستوى الفكر وحده.
وينتقد ماركس أيضا وهم باور القائل بأن علمنة الدولة كفيلة بتحقيق التحرر الإنساني. فالدولة قد تكون علمانية بالكامل، ومع ذلك يبقى الأفراد خاضعين لأشكال متعددة من الاغتراب في حياتهم اليومية، ولا سيما في المجال الاقتصادي. فالتحرر السياسي، كما يوضح ماركس، لا يساوي التحرر الإنساني الشامل، لأن هذا الأخير يتطلب تغيير العلاقات الاجتماعية التي تحكم الإنتاج والعمل والملكية.
كما يرفض ماركس المنهج الذي يتبناه باور في التعامل مع الدين بوصفه مسألة وعي فردي. فالدين، في نظر ماركس، ليس مجرد اعتقاد شخصي، بل ظاهرة اجتماعية تؤدي وظيفة محددة داخل بنية المجتمع الطبقي، إذ يوفّر تعويضا رمزيا عن البؤس الواقعي. من هنا، فإن نقد الدين لا يكون فعالًا إلا بوصفه جزءا من نقد المجتمع الذي ينتج الحاجة إلى الدين.
خلاصة نقد ماركس لباور أن الأخير بقي أسير نقد نظري راديكالي لكنه عقيم عمليًا. فهو يريد تحرير الإنسان عبر تفكيك أفكاره، بينما يرى ماركس أن الأفكار ذاتها لا تتغير إلا بتغير الشروط المادية التي تولدها. لذلك، لا تُلغى الحاجة إلى الدين بمحاربته، بل بزوال الاغتراب الاجتماعي الذي يجعله ضرورة وجودية.
وبهذا المعنى، يشكّل نقد ماركس لباور خطوة أساسية في انتقاله من نقد الدين بوصفه وهمًا فكريًا إلى نقد المجتمع بوصفه البنية الحقيقية التي تنتج هذا الوهم وتعيد إنتاجه.
دأب عدد من الذين ينسبون انفسهم الى ماركس على ابراز موقفهم العدائي من الدين، باعتباره المسؤول عن التخلف، وربطه بكل ما هو رجعي ومعادي للتقدم. ومن المفيد هنا العودة الى ماركس، والذي تمظهر موقفه من هذه المسألة في سجاله مع برونو باور، احد ممثلي العيغليين الشباب، الأكثر تشدداً في نقد الدين.
اعتبر باور أن التحرر الإنساني يمرّ حتمًا عبر القضاء على الوعي الديني بوصفه شكلًا من أشكال الوهم والاستلاب. وانطلاقًا من هذا التصور، دعا إلى نزع الطابع الديني عن الدولة والمجتمع، ورأى أن تحرر الإنسان لا يتحقق إلا بتحرر وعيه من الدين.
غير أن هذا الموقف بالذات كان موضوع نقد حاسم من قبل كارل ماركس، ولا سيما في كتابه «المسألة اليهودية».
يرى ماركس أن خطأ باور الجوهري يكمن في اختزال الاغتراب الإنساني في الدين وحده، والتعامل معه بوصفه السبب الأساسي لكل أشكال القهر. فبالنسبة لماركس، الدين ليس أصل الاغتراب بل أحد تعبيراته، إنه نتيجة لشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية ملموسة. وبالتالي، فإن محاربة الدين بوصفه وعيًا زائفًا لا تمسّ جذور المشكلة، بل تظل حركة تدور في مستوى الفكر وحده.
وينتقد ماركس أيضا وهم باور القائل بأن علمنة الدولة كفيلة بتحقيق التحرر الإنساني. فالدولة قد تكون علمانية بالكامل، ومع ذلك يبقى الأفراد خاضعين لأشكال متعددة من الاغتراب في حياتهم اليومية، ولا سيما في المجال الاقتصادي. فالتحرر السياسي، كما يوضح ماركس، لا يساوي التحرر الإنساني الشامل، لأن هذا الأخير يتطلب تغيير العلاقات الاجتماعية التي تحكم الإنتاج والعمل والملكية.
كما يرفض ماركس المنهج الذي يتبناه باور في التعامل مع الدين بوصفه مسألة وعي فردي. فالدين، في نظر ماركس، ليس مجرد اعتقاد شخصي، بل ظاهرة اجتماعية تؤدي وظيفة محددة داخل بنية المجتمع الطبقي، إذ يوفّر تعويضا رمزيا عن البؤس الواقعي. من هنا، فإن نقد الدين لا يكون فعالًا إلا بوصفه جزءا من نقد المجتمع الذي ينتج الحاجة إلى الدين.
خلاصة نقد ماركس لباور أن الأخير بقي أسير نقد نظري راديكالي لكنه عقيم عمليًا. فهو يريد تحرير الإنسان عبر تفكيك أفكاره، بينما يرى ماركس أن الأفكار ذاتها لا تتغير إلا بتغير الشروط المادية التي تولدها. لذلك، لا تُلغى الحاجة إلى الدين بمحاربته، بل بزوال الاغتراب الاجتماعي الذي يجعله ضرورة وجودية.
وبهذا المعنى، يشكّل نقد ماركس لباور خطوة أساسية في انتقاله من نقد الدين بوصفه وهمًا فكريًا إلى نقد المجتمع بوصفه البنية الحقيقية التي تنتج هذا الوهم وتعيد إنتاجه.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire