غادة حداد
عند رحيل الموسيقي عاصي الرحباني، كتب الشاعر طلال حيدر قصيدة بعنوان «عاصي الرحباني» عام 1987، ختمها بجملة موجعة وجّهها إلى السيدة فيروز، قال فيها:
«وأنتِ / وحيدةٌ بين النساء/ من أين نأتي لكِ بهذه الأحزان مرةً ثانية…».
جملة بدت يومها كأنها نبوءة مؤجّلة، أو سؤالاً بلا جواب، سؤالاً كان ينتظر وقته فقط.
هذه القصيدة تُهدى أيضاً لليال، ولزياد، واليوم لهلي. تُهدى لسلسلة طويلة من الخسارات التي وُضعت كلّها في قلب امرأة واحدة. كل هذه الأحزان أُعطيت لفيروز، أو لنهاد حداد، المرأة، الأم، الإنسانة التي وُضعت دائماً في موقع الرمز، ثم طُلب منها أن تتحمّل وحدها كلفة هذا الرمز. وإلى جانبها ريما، الابنة التي لم تُعفَ يوماً من السخرية والهجوم، يوم طالبت، فقط، بحق والديها، وبحماية اسمٍ ظنّ الجميع أنه لا يحتاج إلى حماية.
«ملاك» بيت الرحباني
رحل «ملاك» بيت الرحباني بصمت. بصمت كامل، يشبه حياته، ويشبه حضوره، ويشبه طريقته في الوجود. عاش هلي الرحباني ثمانيةً وستين عاماً بعيداً من الضوء، من دون ضجيج، ومن دون محاولة للوقوف في الصفوف الأمامية، وحتى وداعه جاء مطابقاً لهذه السيرة، هادئاً، متقشّفاً، بلا استعراض.
يوم السبت الفائت، عند الساعة الحادية عشرة ظهراً، وصلت السيدة فيروز إلى «كنيسة سيدة الرقاد» في المحيدثة (بكفيا ـ جبل لبنان)، لوداع ابنها الثاني هلي. وكما في وداع زياد، وصلت فيروز برفقة ابنتها ريما ونائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب.
المشهد بدا مألوفاً، لكن كل شيء آخر كان مختلفاً. لم يكن الحضور كبيراً. حضرت عائلة الرحباني، وعدد محدود من أصدقاء زياد المقرّبين. غابت الحشود التي ملأت باحة الكنيسة في وداع زياد قبل أشهر، وغاب معها الصخب، والفضول، والكاميرات المتزاحمة.
لكن على عكس زياد، كان وداع هلي هادئاً تماماً. لا هتاف، لا ازدحام، لا اندفاع. وحدها حركة فيروز كانت تصنع الإيقاع.
«جارة القمر» أنكتها الخسارات
«وصلت السيدة»، «دخلت الكنيسة»، «خرجت السيدة». يوم السبت، لم تكن فيروز بالصلابة نفسها التي ظهرت بها في وداع زياد. بدا التعب واضحاً، والانكسار أكثر حضوراً. بكت مرات عدة، بلا محاولة لإخفاء دموعها، وحتى ريما بدت أكثر إنهاكاً وحزناً، كأنها تحمل وجعاً تراكمياً لا ينتهي.
لم تتوافد الحشود لتعزية السيدة، ولم يرتفع صخبها إلى حدّ السماء. ربما لأن الناس رأوا فيروز بعد طول غياب في دفن زياد، وربما لأن صورة العزاء الأولى استُهلكت بالكامل هناك، أو لأنّ صخب تلك اللحظة تلاشى ولم يعد قابلاً للاستعادة. وربما لأن البرد والمطر لعبا دورهما، أو لأن غياب النقل المباشر جعل المشهد أقل إغراءً.
أياً تكن الأسباب، لم يكن هناك دافع كافٍ لقدوم أحد لتعزية فيروز هذه المرّة. حكماً، العلاقة مع فيروز الإنسانة، والأم، علاقة شائكة. فيروز ليست فقط فنانة، وليست فقط صوتاً وطنياً، بل امرأة دفنت أبناءها الثلاثة.
صحيح أنّ فيروز خسرت ليال وزياد وهلي، لكن الواقع أكثر قسوة، فنهاد حداد هي التي دفنت أبناءها الثلاثة، واحداً بعد الآخر، في فعلٍ يناقض أبسط قوانين العدالة الطبيعية. وجع لا تُرمّمه الكلمات، ولا تعالجه الطقوس، ولا تخفّفه أي صورة.
صلاة وكلمة
مَن ذهب للتعزية في زياد، ذهب في جزء كبير منه من أجل فيروز الفنانة، لا الأم. من أجل اللحظة، من أجل الصورة، من أجل تسجيل الحضور في حدث استثنائي.
وهذا تحديداً ما غاب في وداع هلي. لم يكن هناك حدث، بل فقدان. لم تكن هناك لحظة جامعة، بل حزن خاص، مغلق، لا يقبل الفرجة. تلا الصلاة على روح الفقيد مطرانا جبل لبنان وبيروت للروم الأرثوذكس، سلوان موسى وإلياس عودة.
وفي كلمته، وجّه المطران موسى التحية إلى السيدة فيروز باسمه وباسم سلفه المطران جورج خضر، مؤكداً على أنّ هلي ملاك في السماء، يستقبله عاصي، ويتذكّر زياد.
وقال موسى إنّ هلي أتى إلى عالمنا مثل كثير من الأطفال الشهداء والملائكة، لا يعرفون نوع هذا العالم ولا معاناته، لكننا نحن نشهد على معاناتهم، ونشهد أيضاً على أولئك الذين يرافقونهم بمحبة وحنان وعطف، وببذل يومي لا يُحصى، في كل ساعة، وعلى حساب راحتهم، ليكونوا موجودين بأفضل ما يمكن أن يقدّمه إنسان من عطاء. هذه ـــ قال ـــ أعظم قربانة.
ولفيروز، توجّه موسى متحدثاً عن عظمة الأم، قائلاً: «نحن نُقدّركِ جداً، سيدة فيروز، لأنكِ أم. هكذا رأيتكِ في انتقال المرحوم زياد، واليوم أقول: ما أجمل أن يزفّ الأهل أطفالهم إلى ربهم. وأنكِ، في هذه الشيخوخة، تتمكنين من تقديم هلي، ليؤهله الملائكة في السماء، مع كل أهل السماء، ومع عاصي وزياد، ليقولوا له: أهلاً بهلي». وأضاف أنّ فيروز أعطت البلد كل ما تعرف، وأعطت هلي كل ما يريد، وكل طاقتها، حتى آخر ما تبقّى منها.
بعيدٌ من الضجيج... قريب من القلب
استمر العزاء ومراسم الدفن أربع ساعات فقط. وعند الساعة الرابعة إلا دقائق، خرج التابوت من الكنيسة متجهاً نحو المدفن. استقلت فيروز وريما سيارة النائب إلياس بو صعب، وغادرتا مباشرة نحو المدافن، من دون العودة لتقبّل التعازي. خلال دقائق، فرغت الكنيسة وباحتها من المعزّين والإعلام. هناك، في هذا الفراغ الهادئ، بقي الحزن وحده، نقياً، بلا شهود، وبقي وداع هلي كما عاش، بعيداً من الضجيج، قريباً من القلب.
عند رحيل الموسيقي عاصي الرحباني، كتب الشاعر طلال حيدر قصيدة بعنوان «عاصي الرحباني» عام 1987، ختمها بجملة موجعة وجّهها إلى السيدة فيروز، قال فيها:
«وأنتِ / وحيدةٌ بين النساء/ من أين نأتي لكِ بهذه الأحزان مرةً ثانية…».
جملة بدت يومها كأنها نبوءة مؤجّلة، أو سؤالاً بلا جواب، سؤالاً كان ينتظر وقته فقط.
هذه القصيدة تُهدى أيضاً لليال، ولزياد، واليوم لهلي. تُهدى لسلسلة طويلة من الخسارات التي وُضعت كلّها في قلب امرأة واحدة. كل هذه الأحزان أُعطيت لفيروز، أو لنهاد حداد، المرأة، الأم، الإنسانة التي وُضعت دائماً في موقع الرمز، ثم طُلب منها أن تتحمّل وحدها كلفة هذا الرمز. وإلى جانبها ريما، الابنة التي لم تُعفَ يوماً من السخرية والهجوم، يوم طالبت، فقط، بحق والديها، وبحماية اسمٍ ظنّ الجميع أنه لا يحتاج إلى حماية.
«ملاك» بيت الرحباني
رحل «ملاك» بيت الرحباني بصمت. بصمت كامل، يشبه حياته، ويشبه حضوره، ويشبه طريقته في الوجود. عاش هلي الرحباني ثمانيةً وستين عاماً بعيداً من الضوء، من دون ضجيج، ومن دون محاولة للوقوف في الصفوف الأمامية، وحتى وداعه جاء مطابقاً لهذه السيرة، هادئاً، متقشّفاً، بلا استعراض.
يوم السبت الفائت، عند الساعة الحادية عشرة ظهراً، وصلت السيدة فيروز إلى «كنيسة سيدة الرقاد» في المحيدثة (بكفيا ـ جبل لبنان)، لوداع ابنها الثاني هلي. وكما في وداع زياد، وصلت فيروز برفقة ابنتها ريما ونائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب.
المشهد بدا مألوفاً، لكن كل شيء آخر كان مختلفاً. لم يكن الحضور كبيراً. حضرت عائلة الرحباني، وعدد محدود من أصدقاء زياد المقرّبين. غابت الحشود التي ملأت باحة الكنيسة في وداع زياد قبل أشهر، وغاب معها الصخب، والفضول، والكاميرات المتزاحمة.
لكن على عكس زياد، كان وداع هلي هادئاً تماماً. لا هتاف، لا ازدحام، لا اندفاع. وحدها حركة فيروز كانت تصنع الإيقاع.
«جارة القمر» أنكتها الخسارات
«وصلت السيدة»، «دخلت الكنيسة»، «خرجت السيدة». يوم السبت، لم تكن فيروز بالصلابة نفسها التي ظهرت بها في وداع زياد. بدا التعب واضحاً، والانكسار أكثر حضوراً. بكت مرات عدة، بلا محاولة لإخفاء دموعها، وحتى ريما بدت أكثر إنهاكاً وحزناً، كأنها تحمل وجعاً تراكمياً لا ينتهي.
لم تتوافد الحشود لتعزية السيدة، ولم يرتفع صخبها إلى حدّ السماء. ربما لأن الناس رأوا فيروز بعد طول غياب في دفن زياد، وربما لأن صورة العزاء الأولى استُهلكت بالكامل هناك، أو لأنّ صخب تلك اللحظة تلاشى ولم يعد قابلاً للاستعادة. وربما لأن البرد والمطر لعبا دورهما، أو لأن غياب النقل المباشر جعل المشهد أقل إغراءً.
أياً تكن الأسباب، لم يكن هناك دافع كافٍ لقدوم أحد لتعزية فيروز هذه المرّة. حكماً، العلاقة مع فيروز الإنسانة، والأم، علاقة شائكة. فيروز ليست فقط فنانة، وليست فقط صوتاً وطنياً، بل امرأة دفنت أبناءها الثلاثة.
صحيح أنّ فيروز خسرت ليال وزياد وهلي، لكن الواقع أكثر قسوة، فنهاد حداد هي التي دفنت أبناءها الثلاثة، واحداً بعد الآخر، في فعلٍ يناقض أبسط قوانين العدالة الطبيعية. وجع لا تُرمّمه الكلمات، ولا تعالجه الطقوس، ولا تخفّفه أي صورة.
صلاة وكلمة
مَن ذهب للتعزية في زياد، ذهب في جزء كبير منه من أجل فيروز الفنانة، لا الأم. من أجل اللحظة، من أجل الصورة، من أجل تسجيل الحضور في حدث استثنائي.
وهذا تحديداً ما غاب في وداع هلي. لم يكن هناك حدث، بل فقدان. لم تكن هناك لحظة جامعة، بل حزن خاص، مغلق، لا يقبل الفرجة. تلا الصلاة على روح الفقيد مطرانا جبل لبنان وبيروت للروم الأرثوذكس، سلوان موسى وإلياس عودة.
وفي كلمته، وجّه المطران موسى التحية إلى السيدة فيروز باسمه وباسم سلفه المطران جورج خضر، مؤكداً على أنّ هلي ملاك في السماء، يستقبله عاصي، ويتذكّر زياد.
وقال موسى إنّ هلي أتى إلى عالمنا مثل كثير من الأطفال الشهداء والملائكة، لا يعرفون نوع هذا العالم ولا معاناته، لكننا نحن نشهد على معاناتهم، ونشهد أيضاً على أولئك الذين يرافقونهم بمحبة وحنان وعطف، وببذل يومي لا يُحصى، في كل ساعة، وعلى حساب راحتهم، ليكونوا موجودين بأفضل ما يمكن أن يقدّمه إنسان من عطاء. هذه ـــ قال ـــ أعظم قربانة.
ولفيروز، توجّه موسى متحدثاً عن عظمة الأم، قائلاً: «نحن نُقدّركِ جداً، سيدة فيروز، لأنكِ أم. هكذا رأيتكِ في انتقال المرحوم زياد، واليوم أقول: ما أجمل أن يزفّ الأهل أطفالهم إلى ربهم. وأنكِ، في هذه الشيخوخة، تتمكنين من تقديم هلي، ليؤهله الملائكة في السماء، مع كل أهل السماء، ومع عاصي وزياد، ليقولوا له: أهلاً بهلي». وأضاف أنّ فيروز أعطت البلد كل ما تعرف، وأعطت هلي كل ما يريد، وكل طاقتها، حتى آخر ما تبقّى منها.
بعيدٌ من الضجيج... قريب من القلب
استمر العزاء ومراسم الدفن أربع ساعات فقط. وعند الساعة الرابعة إلا دقائق، خرج التابوت من الكنيسة متجهاً نحو المدفن. استقلت فيروز وريما سيارة النائب إلياس بو صعب، وغادرتا مباشرة نحو المدافن، من دون العودة لتقبّل التعازي. خلال دقائق، فرغت الكنيسة وباحتها من المعزّين والإعلام. هناك، في هذا الفراغ الهادئ، بقي الحزن وحده، نقياً، بلا شهود، وبقي وداع هلي كما عاش، بعيداً من الضجيج، قريباً من القلب.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire