نهلة كامل أحبّت أنسي الحاج

 

تقدّم الكاتبة السورية نهلة كامل في روايتها «أحببتُ أنسي الحاج» (دار التكوين) نصاً إشكالياً يتجاوز التصنيف المألوف، إذ تتقاطع فيه السيرة الذاتية مع السرد، والحب مع الفكر، والمرض مع الكتابة. كما إنّ كامل لا تعمد إلى بناء حبكة تقليدية قائمة على تطور الأحداث، بل ينصب جُلّ اهتمامها على تأسيس فضاء تأملي تقدّم فيه الشخصيات بوصفها حالات وعي، لا مجرد مكوِّنات سردية. وهذا ما يفرض التعامل مع هذه الرواية كنصّ يراهن على تفكيك التجربة الإنسانية، لا إعادة تمثيلها حكائياً.
تتمحور الرواية حول صوت الراوية إيفا التي لا تقدّم نفسها كشخصية مكتملة أو مستقرة، على العكس هي ذات قلقة، تكتب لتفهم ما يحدث داخلها. فالكتابة عندها تبتعد عن كونها فعل تَذَكُّر بريئاً، بل ممارسة معرفية مؤلمة، تتشكّل في تماسّ مباشر مع الحب، المرض، الفقد، والوعي بالزمن، في محاولة حثيثة للبحث عن الذات، وتقليص المسافة بين التخييل والواقع قدر الإمكان.
نهلة هنا تعمل على تفكيك التجربة الإنسانية لا تزيينها، وراويتها إيفا مثلها لا تسعى إلى تبرير اختياراتها، ولا إلى استدرار التعاطف، بل إلى مساءلة ذاتها باستمرار. ولذلك فهي شخصية تتحرّك داخل النص عبر الأسئلة، لا عبر الأفعال، ما يجعلها أقرب إلى «ذات كاتبة» منها إلى بطلة روائية بالمعنى التقليدي للكلمة.

حضور جمالي
لا يظهر أنسي الحاج في الرواية كشخصية تؤدي أفعالاً أو تمرّ بتحولات درامية، بل كحضور فكري وجمالي كثيف، يتشكّل عبر الذاكرة، والحوار، والانطباع. إنه بطل غائب حاضر، يُبنى عبر أثره في الراوية أكثر مما يُبنى من خلال سلوكه. وهو هنا كائن فردي يصرّ على خصوصيته وتمرّده على الأطر الجاهزة، وعلى كونه إنساناً حافَظَ على نقائه في زمن غير نقي على الإطلاق، ولا سيما أنه رفض التسييس والوظيفية.
والجميل في الرواية أن العلاقة التي جمعت إيفا بأنسي لم تقم على التَّملُّك أو الاكتمال العاطفيين، بل على المسافة، فالحب الذي أخَّرَت الراوية الإعلان عنه حتى الفصل الأخير، لا يُقدَّم كحلّ، بل بمنزلة توتر دائم، وحالة قلق منتجة للكتابة ودافعة للبحث. بهذا المعنى، تتحوّل المسافة إلى عنصر بنيوي في الرواية، لا إلى عائق. إنها المسافة التي تتيح التفكير، وتحول دون الاستهلاك العاطفي، وتمنح العلاقة طابعها المميز، ليس كتجربة رومانسية بل كرحلة وعي.

التَّمرُّد دائم
تنافس أنسي في الرواية شخصية نبيل الكاتب والمنظِّر المسرحي الذي آمن بأن الثورة مؤقتة والتمرد دائم، وبأننا محكومون باليأس وبفرح الزوال، رغم إعلانه عكس ذلك في بياناته ولقاءاته وكلماته، لنكون بذلك أمام سعد الله ونوس من دون الإعلان عن ذلك صراحةً.
ورغم أن الرواية تصوّر الحاج ونبيل كَنِدَّين فكريين، إلا أنهما أسهما في تعزيز وعي إيفا، منذ بداية علاقة نبيل بها وإهدائه إياها قصائد لأنسي الحاج، تعبيراً عن تماثل في الجوهر رغم اختلاف التجربة بين الشخصيتين، فلكل منهما بيانه الخاص، وأسلوبيته في مواجهة الهزائم والخراب العميم، إلى درجة أنّ نبيل كان كمرآة لأسئلة فكرية مستدامة لدى إيفا تتعلق بالالتزام، والحرية، والثقافة، ما ساعدها على تأمل حدود الإبداع وعلاقته بالسياسة، من دون وصفة نهائية، بل مع شكوك متزايدة بكل ما يتعلق بمعنى الوجود وآليات مجابهته.
شخصيات أخرى في الرواية جاءت كمُحرِّضات للمعرفة والتساؤل الدائم عن الذات، منها الأستاذ أحمد الذي يهجو كل شيء، ولم يتخلَّ عن سخريته المريرة من القادة والأحزاب والكتل السياسية وعُهر الثقافة... بل واظب على حُرِّيته في القول، وقدرته على مقارعة الأفكار بقصائد ناقدة وبنَّاءة. ومع ذلك بقي منسياً لم يجد من يتبنَّى شعره وينشره إلا أيام مجلة «الكلب» لمؤسسها صدقي إسماعيل.
وهناك عزيز الذي اختار الابتعاد بعد تهديدات من ضابط أمن له بعدم الاقتراب من إيفا لكونه من طائفة مختلفة، فآثر أن يحدد مصيره في منفى اختياري يواجه فيه عالمه القاسي وحيداً، ويسعى إلى تفكيك منظومة الخراب السياسية التي تنخر البلاد. ومع ذلك لا تُقدِّمه نهلة كشخصية مأساوية بقدر كونه إمكانية وجودية أخرى، تُجبر إيفا على التفكير في معنى البقاء، وفي العلاقة بين النجاة الفردية والخسارة الجماعية.

ماض انفعالي
أما شخصية سوزان صديقة طفولة إيفا وشبابها، فجاءت كانعكاس للذاكرة وما تفرضه من حساسية على الحاضر، بوصفها مرتبطة بماضي الراوية الانفعالي، وعلاقتها بتجارب الجسد والكتابة عن الحب والجمال. وتتعزز مكانتها في النص بوصفها متمردة على التقاليد، تزوجت من حبيبها يوسف الذي هربت معه «خطيفة» لأنه لا ينتمي إلى طائفتها. وبعد ذلك تأتي الحرب على حُبِّها، فبعد مجابهة من يحاول اغتصابها لأنها ارتضت عدم الرضوخ للتقاليد، يُدافع عنها حبيبها فيُرديه المُغتصِب برصاصة، الذي ينتهي ميّتاً هو الآخر بعدما ضربته سوزان بمزهرية نحاسية على رأسه. ولمزيد من التراجيديا، يموت ابنها الذي يعمل مهرّباً على خط دمشق لبنان، فتهاجر إلى السويد حيث ابنها البكر وهناك تموت بمرض عضال.
هذه التراجيديا التي عاشتها سوزان، جعلتها تنتقل من كونها كاتبة سريالية بامتياز إلى جزء صميمي من السريالية بعدما تفوقت الأحداث المرعبة التي عايشتها على خيالها الغرائبي، ولا سيما بعدما قُصِف منزلها. وأمام اشتباكات الموت والبقاء، دمَّرت الحرب أحلام سوزان وجعلتها تؤثر الهرب.
في المقابل، فإنّ حُسام الذي تزوَّجته إيفا، آثر حياته السياسية على حياته معها. ومع مرور الزمن، استثمرته السلطة لإقناع الناس بصوابية قراراتها، فابتعد عن كينونته السابقة كمدافع عن حقوق المستضعفين إلى شخصية أخرى كل همّها الارتقاء في سلم السلطة بعيداً من أي تفكير إنساني آخر.
المميز في تلك الشخصيات أنها لم ترتبط بأحداث ضمن الرواية، ولم تؤد أدواراً وظيفية تقليدية في الحبكة، بل تظهر بوصفها نقاط تماس إنسانية وأدوات تفكير، تُستخدم لتوسيع أفق النص وتعقيد أسئلته الوجودية.

رابطة خفية
يأتي مرض السرطان بوصفه رابطة خفيّة بين إيفا ونبيل وأنسي، إذ خلق نوعاً من التفاهم الصامت، حيث لا تقوم العلاقات على الاعتراف المباشر أو التعاطف المعلن، بل على إدراك مشترك للهشاشة ولحدود الجسد والزمن. يكتسب شفاء إيفا أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يمنحها موقع الشاهدة لا الضحية، ويحوّل علاقتها بالآخرين من علاقة تشارك في الألم إلى علاقة تأمّل في أثره. فالشفاء لا يُلغي رابطة المرض، بل يعيد صياغتها، بحيث تصبح الذاكرة المشتركة أساس العلاقة، لا الحاجة المتبادلة، ويتحوّل المرض من عنصر تراجيدي إلى بنية خفيّة تنظّم العلاقات داخل الرواية، وتفسّر اقتصادها العاطفي، وهدوءها، وابتعادها الواعي عن الميلودراما.

رواية قاتلة
تعتمد الرواية بناءً غير خطي، يقوم على التداعي، والذاكرة، والمقاطع التأملية. فالأحداث لا تُرتَّب وفقاً لتسلسل زمني صارم، بل تُستدعى بحسب كثافتها الشعورية.
هذه الكتابة الحرة والتفكيك الواعي اللذان قامت بهما نهلة كامل للحبكة التقليدية، جعلا روايتها أقرب إلى نصّ تفكيري. تصبح الفكرة أهم من العقدة والحل، ويأتي الحب، سواء لأنسي الحاج أو لنبيل أو لعزيز أو لسلوى... باعتباره تجربة وعي، يعزّز الكتابة باعتبارها فعل مقاومة للفقد والزمن. وهو ما يجعل من هذه الرواية تجربة لا تُروى، بل تُفكَّك.
إدوارد سعيد يعود في زمن ما بعد «الطوفان»
مروة جردي

بعد نحو أربعة عقود على صدوره الأول، يعود «بعد السماء الأخيرة» لإدوارد سعيد في طبعة «دار الساقي» الجديدة، كاختبار حيّ لسؤال التمثيل الفلسطيني بعد «طوفان الأقصى». يزاوج الكتاب نصوصاً تأملية بصور جان مور، ويرسم بانوراما ليوميّات الفلسطيني: عائلات تربي أطفالها، وجوه تعمل وتتعلّم وتحلم، فرحٌ عابر وألمٌ مقيم، حنينٌ وتيه، وبقاءٌ يتكئ على الذاكرة. لا يقدّم الفلسطيني كضحية صامتة ولا كهوية مكتملة، بل كذات تواجه السرديات المهيمنة
بعد مرور نحو أربعة عقود على صدوره للمرة الأولى، يعود كتاب «بعد السماء الأخيرة» لإدوارد سعيد (1935 ــ 2003) ليقدّم الفلسطيني مرة أخرى في زمن مرتبك، إذ تأتي إعادة تداوله وقراءته اليوم بعد مرور أكثر من عامين على «طوفان الأقصى»، وفي لحظة تتجدد فيها أسئلة التمثيل، والصورة، ومعنى الوجود الفلسطيني في الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي.

«الساقي» تصدر طبعةً جديدة
«كيف تُروى حكاية شعب سُرقت أرضه؟» جاءت هذه العبارة على غلاف الطبعة الجديدة التي أصدرتها «دار الساقي» أخيراً لكتاب «بعد السّماء الأخيرة - حيوات فلسطينية» للكاتب والمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، (ترجمة أحمد دياب).
في هذا العمل الاستثنائيّ، وعبر عدسة المصوّر السويسري جان مور، يمزج إدوارد سعيد في نصوصه بين الكلمة والصورة ليُعيد رسم ملامح الفلسطينيين كأفراد يعيشون تفاصيل الفرح والألم، الحنين والتيه، البقاء والغياب.
يقدّم الكتاب بانوراما زاخرة بتفاصيل الحياة اليومية بين أناس يربّون أطفالهم، يتعلّمون، يحلمون، ويتشبّثون بمعنى الذات والوجود. وهكذا يمكن اعتبار «بعد السّماء الأخيرة» أكثر من شهادة عن المعاناة. إنه احتفاء بتفاصيل الحياة الفلسطينية، وبالفلسطيني كإنسان يتزوّج ويوثّق حكايته بالتطريز والقدرة المتجددة على النجاة بالذاكرة في وجه العدم.
نشرت «دار الساقي» طبعة جديدة من الكتاب الذي صدر للمرة الأولى بالإنكليزية تحت شعار «حيوات فلسطينية» عام 1986، ضمن عمل فكري ــــ تصويري تجريبي، اعتمد على النص والصور الفوتوغرافية لمور. أما الطبعة الأخيرة التي نشرت في نهاية 2025، فتأتي ترجمة عربية معاصرة تراعي الذائقة القرائية العربية، مع تقديمات توضيحية للصور والنص، وإعادة ترتيب عناصر النص والصورة بما يسهّل التفاعل مع القارئ.
لم يطرأ تغيير جوهري على محتوى النص نفسه، إلا أنّ الإصدار اللبناني يُعيد قراءة الكتاب في سياق فلسطين المعاصر، خصوصاً بعد الطوفان الأخير، ويجعل تجربة سعيد النقدية أكثر قرباً للقراء العرب، من حيث اللغة والإخراج وطبيعة التعاطي مع الصور.
نشر الكتاب بطبعات وترجمات عدة منذ 1986 وحتى الآن. ويمكن القول إن الطبعة الأخيرة تعكس جهداً لإعادة السياق التاريخي والسياسي للنص، مع الحفاظ على أبعاده الإنسانية والتمثيلية، مقارنة بالطبعة الأولى التي بقيت أكثر تركيزاً على الصياغة النقدية الأكاديمية.

الأرشيف المضاد وسؤال التمثيل الفلسطيني
في سياق دراسات ما بعد الكولونيالية، يمكن قراءة كتاب «بعد السماء الأخيرة» بوصفه ممارسةً واعيةً لما يُعرف بـ«الأرشيف المضاد»، أي تفكيك السردية الاستعمارية المهيمنة من داخلها بدل استبدالها بسردية جاهزة. في هذا الإطار، رأى باحثون أمثال تيموثي برينان وأعجاز أحمد أن إدوارد سعيد يعمل على كسر الثنائية الغربية التي اختزلت الفلسطيني طويلاً بين صورتين نمطيتين، هما «اللاجئ الأبدي» أو «الإرهابي الغائب عن الحداثة».
في كتابه، لا يقدم سعيد الفلسطيني كضحية صامتة، بل كذات مفكرة تعيش تناقضاتها اليومية. بهذا المعنى، يشتغل الكتاب على تفكيك فكرة الفلسطيني كحالة استثنائية خارج التاريخ، وهي فكرة مركزية في الخطاب الكولونيالي، عبر إعادة إدخال الفلسطيني إلى الزمن الإنساني العادي بكل هشاشته وتعقيداته.
يتعزّز هذا التفكيك عبر العلاقة المركّبة بين النص والصورة في تعاون سعيد مع المصوّر جان مور. علاقة توقفت عندها دراسات بصرية عدة، من بينها أعمال أرييلا أزولاي، التي نبّهت إلى تاريخ الكاميرا بوصفها أداة سيطرة استعمارية. في هذا الكتاب، لا تعمل الصورة على شرح النص أو تزيينه، بل قد تناقضه أحياناً لتجبر القارئ على التخلي عن القراءة الشفقيّة الاستشراقية، في ما يمكن تسميته تعطيلاً للاستهلاك الأخلاقي للصورة.

مراجعات بعد القراءة الأخيرة
على موقعها الإلكتروني، نشرت «جامعة كولومبيا» اقتباسات ومراجعات للكتاب وردت في الصحف والمواقع الأميركية، وفي مقدمتها «لوس أنجليس تايمز» التي اعتبرت الكتاب أساسياً لفهم الحرب بين إسرائيل و«حماس». فيما أشارتThe Nation إلى أنّه عندما يعرض سعيد التجربة الفلسطينية «من الداخل»، فهو لا يقصد الداخل الجغرافي، بل الداخل الذهني. فلسطين تصبح حالة ذهنية، وهذا ما يجعل الكتاب استثنائياً. إنه رحلة ممتدة عبر ذهن المنفى.
بدورها، كتبت صحيفة «جوروزاليم بوست» إنّ «القوة والسحر في البيان الجماعي لسعيد ومور يكمنان في أنّه مهما كان المرء مشرداً أو محروماً، تظل هناك حدود فاصلة حاسمة بين المواطن الأصلي والسائح». وهو في عمقه ردّ على المقولات الاستعمارية التي تقول إنّ الغرب المتحضّر له حق في أراض وموارد لا يستحقها شعب أقل عرقياً وثقافياً.
في المقابل، يجد بعضهم النص أكاديمياً ومشتتاً حيث لا يبدو بشكل واضح أين يبدأ تعليق سعيد على الصورة وكيف يقرأ تفاصيلها وأين ينتقل إلى صورة أخرى أو تحليل غير مرتبط بأي جزء مرئي في الكتاب، إضافة إلى أنّ نصوص سعيد تحتوي على إشارات ثقافية وأدبية كثيرة لا تخدم القارئ العادي أو الشكل الذي اعتمده في هذا الكتاب، وهو قراءة تفترض أنّ العمل يقدم تأملاً في الحالة الفلسطينية، وليس قصة تقليدية أو سرداً تاريخياً متسلسلاً، ما يجعل القراءة عملية مجهدة ومربكة، خصوصاً لمن ينتظر إجابات مباشرة.

جزء من سردية أهل «الطوفان»
الكتاب جزء من مشروع سعيد لتجاوز الصور النمطية الغربية عن الشرق والشرق أوسط، بتركيز على الإنسان الفلسطيني كموضوع معرفي وثقافي، وليس كحالة صراع حصراً. في الكتاب، يبدو سعيد أحياناً مغرقاً في نقده للأعمال المقاومة وأكثر التزاماً بمصطلحات الغرب عن قضايا المنطقة، وغالباً ما يعود ذلك إلى رغبته في مخاطبة الغرب بلغته، ربما لأنه يأتي في لحظة انهيار السرديات الكبرى وتحوّل الفلسطيني في الخطاب الدولي إلى «مشكلة إدارية».
من هنا، يمكن قراءة «بعد السماء الأخيرة» أيضاً كنقد داخلي للهوية الفلسطينية ذاتها، إذ لا يقدّم نصاً تعبوياً أو بطولياً، بل نصاً قلقاً يرفض الهوية المغلقة، واضعاً العمل ضمن أفق ما بعد القومية، حيث الفلسطيني متعب، متناقض، وأحياناً ساخر من ذاته، بعيداً من صورة الهوية المكتملة والنهائية.
«وارثة المفاتيح»: من مفاتيح الذات إلى تشظّي البيت
تغريد عبد العال

يقول الشاعر جلال الدين الرومي: «أتعرف أين تلك المفاتيح التي تفتح كل الأبواب؟ إنها معلقة على صدر العشق»، هكذا يمثل له الحلّ كمتصوّف لكل ما يغلق أبواب الروح والحياة. وفي ديوانه «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، يقول الشاعر العراقي سركون بولص: «يمكنك أن ترمي مفتاحك في البحر، طالما القفل ليس في الباب، ولا الباب في البيت ولا البيت هناك».
في رواية «وارثة المفاتيح» (منشورات الربيع)، لا يبدو المفتاح مجرد أداة عبور أو حلٍّ جاهزٍ لبوابة مغلقة، بل يتحوّل إلى استعارة مركزية لعالمٍ داخلي متشظٍ، تتعدد أبوابه ولا تقود بالضرورة إلى وطنٍ واحد. منذ الصفحات الأولى، توحي الرواية بأن فكرة الحلّ نفسها قد تكون وهماً، وأن العوالم التي نظنها قابلة للالتقاء داخل مفهوم الوطن، قد تكون في حقيقتها عوالم متنافرة، متجاورة فقط، لا يجمعها سوى الإحساس العميق بالفقد.

بين الذاتي والجماعي
تطرح سوسن جميل حسن سرداً يغامر في المسافة الرمادية بين الذاتي والجماعي، بين الخاص والعام. لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً طارئاً أو انفجاراً مفاجئاً، بل بوصفها خلاصة لمسار طويل من الصراعات الداخلية، ومعركة لم تُحسم مع التشظي. كأن الحرب، بهذا المعنى، ليست سوى الامتداد العنيف لفشل سابق في الانتصار على تصدّع الأرواح، وعلى انقسام البيوت من الداخل، قبل أن تنقسم الجغرافيا.
تذهب الرواية إلى حكاية عائلة سورية، لكنها لا تقدّمها بوصفها نموذجاً تمثيلياً مباشراً، بل كعالم مصغّر يعكس بنية عالم أكبر وأكثر رعباً. الراوية، بصوت الراوي العليم، تعلي من شأن التفاصيل اليومية والهامشية، لا لأنها صغيرة، بل لأنها المكان الحقيقي الذي تتكوّن فيه المآسي الكبرى.
في هذا العالم، تمرّ «القضية الكبرى » – السياسة، الحرب، القمع – وكأنها مرادف غير معلن لمعاني الالتزام والأخلاق، وتنعكس في الخيارات الفردية وفي المواقف الشخصية، لا في الشعارات والخطب. شخصية «فرضية » تقف في قلب هذا التوتر.
امرأة تحلم بالثراء، بعالم المال والجسد والرجل، في بيئة يحكمها منطق الأمن والشرطة. حلمها ليس شاذاً بحد ذاته، لكنه يتحول إلى مأزق أخلاقي وإنساني حين يصبح المال غاية تبرّر أي وسيلة، ولو كان الثمن الجسد ذاته. تدفع فرضية ثمن هذا الخيار لاحقاً، لا فقط على المستوى الشخصي، بل في علاقتها بحفيدها الذي يُقبض عليه، كأن الرواية تقول إن الأسئلة التي لم تُجب عنها الحياة، تعود لاحقاً في صورة عقاب قاسٍ أو مواجهة مؤجلة. لا أحد في هذه العائلة يخرج من السرد دون أن يعثر – أو يفشل في العثور – على «مفتاح » قدره الخاص.
غيداء، التي تقطع مع الماضي بشكل نهائي وترفض التواصل مع أختها، تمثل خيار القطيعة الجذرية. مرضها في بلدها ليس مجرد حالة جسدية، بل تعبير عن صدمة أخلاقية عميقة، بعد اكتشافها علاقة أمها برجل آخر، وكأن الجسد هنا أيضاً يتحول إلى ساحة صراع للمعنى والخيانة والفقد. في المقابل، تأتي سمرا بوصفها النقيض: الشخصية التي تحافظ على خيوط التواصل مع الجميع، والتي ستغدو لاحقاً «وارثة المفاتيح» ليس لأنها تملك الحل، بل لأنها الوحيدة التي لم تكسر الجسور بالكامل.
أما بقية أفراد العائلة، فتتوزع مصائرهم بين الانتحار، والخطف، والجنون. رضية، التي ينتهي بها المطاف إلى الجنون، تبدو كأنها التجسيد الأكثر مأساوية لعجز الفرد عن مقاومة الوحوش المتعددة: وحش السلطة المتمثل بـ «الباشا»، ووحش الحرب الذي يأتي لاحقاً ليكمل ما بدأه الأول. رضية خُدعت، كما خُدع كثيرون من سكان البلاد المهمشة والمهملة، في عالمٍ يبيع كل شيء، من الأحلام إلى الأجساد.
في عالم سوسن جميل حسن الفني، لا تُمحى السياسة، لكنها لا تُقدَّم أيضاً في صورتها الخطابية المباشرة. الحرب السورية لا تُشرح، ولا تُفصَّل، بل تُستكشف جذورها الخفية: سياسة البيت، العلاقات المشروخة، التربية القائمة على القمع أو الصمت، والعجز عن خلق تناغم داخلي.
كأن الرواية تقول إن السياسة التي تقود إلى العتمة الكبرى، تبدأ من الداخل، من بيوت لم تُدر بعدالة، ومن ذوات لم تُصالح نفسها.
يحضر الفن في الرواية حضوراً لافتاً: أسماء الفنانين، الموديلات التي يُرسم بها الجسد، والماركات العالمية مثل «كوكو شانيل» و«كريستيان ديور ». هذا الحضور ليس ترفاً جمالياً، بل إشارة نقدية إلى عالم حديث صُمّم ليُباع، حيث تتحول الجماليات نفسها إلى سلعة، ويغدو الجسد جزءاً من اقتصاد عالمي لا يعترف إلا بالقيمة السوقية. هنا، يتقاطع عالم الفن مع عالم التجارة، ومع منطق الاستهلاك الذي يطال البشر قبل الأشياء.

بعيداً عن الوعظ
ومع ذلك، لا تسقط الرواية في فخ الإدانة المباشرة أو الوعظ. إنها تقترح، بهدوء مؤلم، العودة إلى العوالم الداخلية، إلى تفكيك مفاتيحها، لا لقطع الصلة معها، بل لفهمها. في الوقت نفسه، لا تتخلى عن القضية الجماعية، بل تعيد تعريفها: الفرد، في النهاية، ليس هامشاً في التاريخ، بل عازف أساسي في سمفونية الكون الكبرى.
ومن دون تناغم هذا العازف مع ذاته، ستظل الموسيقى مختلة، مهما عظمت الشعارات، ومهما كثرت المفاتيح. وهكذا تقدم الرواية نوعاً من الاقتراح، وهو الاستماع إلى السردية نفسها وهي تجري في مكان آخر، ولكنه مصغّر يحدث للجميع، وفي أي بيت حين تتدمر الجهود ويكبر ذلك الشرخ الذي كان صغيراً ليصبح بمثابة واد عميق بين الأجيال، وتحاول التوغل أكثر عبره لفهمه ومعرفة أسبابه.
فردوس الكُتُب وجحيمُها
كريستيان بوبان

ترجمة: نجيب مبارِك
قرأتُ كتباً أكثر مما عب السكير من زجاجات. لا أستطيع أن أبتعد عن الكتب ولو ليوم واحد. إن لإيقاعاتها البطيئة مفعول العلاج. لقد قضيت صيوفاً في معابدها الظليلة، المنحوتة على بياض جرف الصمت الجميل.

أسحب من البوفيه أعمال الشاعر، الذي رسم بيوت الجنة والجحيم، وقد بدت عليها مسحة الأيقونة. فتحت بشكل عشوائي الحياة الجديدة وأطلقت سراح طفلين، نفضت عن لباسهما الغبار قبل أن أسمح لهما بالركض في الضوء. كان دانتي ينزل إلى الجحيم كما ينزل شخص إلى القبو بحثاً عن قنينة شراب جيد. وكنت أُرافقه، أمرُّ بجواره على مكانٍ أو قبور تحترق، عندما سمعت استغاثات تأتي من قلب الحديقة.

في البداية ظننتها هلوسة. في المرة الثانية، دنوت من النافذة وفهمت أن الأمر يتعلق بصيادين ينادون على كلابهم الضالة. أنا أعرف هذه الكلاب. واحد منها اقترب من بيتي ذات أَحد. بشَعر قصير، ووجه عابس، مكتئباً مثل شيطان أسير في رواية منحوتة، يتدلى من عنقه طوق به أجراس تشبه دموعاً متحجرة. رميت له قطعة كعك.

أسعدته هذه الهدية كثيراً، لأنه بدا متعوداً — كما في الفردوس الوحيد الذي يعرف — على سوء معاملة سيده. عيناه بريئتان من كل أمل، لم يكن سوى آلة للقتل جديرة بالتعاطف. لقد عاد من جحيم دانتي بسبب خطأ في إحدى أغانيه. توقف الصيادون عن مناداته. إذ عثروا على كلابهم وكدّسوها في أقفاص سياراتهم. وعلى ضفّة نهر يحترق، اكتشف دانتي أولئك الناس الذين لم يعملوا في حياتهم خيراً ولا شراً. أولئك «الذين لم ينفعوا إلا أنفسهم»، ولم تقبلهم السماء ولفظهم الجحيم. عاقبتهم بالجري عراة، مطارَدين من آلاف النحل.

أقفلت الكتاب، وعدت إلى العالم حيث يتحرك الشياطين المساكين ذاتهم كما في القصيدة. «رجوعاً من أوتان». على طرف لساني اسم المرأة التي ستشاركني هذا الطريق، منذ عشرين عاماً. كانت الأشجار التي تذكرت ضحكتها قد أمطرت على شبحها بقعاً من ألوان دافئة.

وبزغت مدرسة من منعرج يشبه حزناً بوجه قناص. وجلست مقبرة تتأمل وسط الأبقار. وصعدت رائحة من الأرض بعد مطر يقنع بالعيش بلا قلق لعشرة آلاف سنة مقبلة. «صيد يجري الآن».

شخص متفرد بشَعر أسود كالإسفلت يقتحم الطريق بخمسة أمتار إلى الأمام. فتتقاطع حياتنا. يخاطر بجلده بينما أفكر في القراءات السعيدة التي تنتظرني. يتوغل الإله المذعور في الغابة. ويفقد المؤمنون المسلحون أثره. أنا لا أفهم جيداً هذه الحياة حيث يسمع البعض، في الوقت نفسه، طنين النحل منذ وفاتهم إلى معابدهم، بينما آخرون يستعذبون حوزة الأبد أمامهم من أجل قراءة أشياء لطيفة جداً. نحن نتقدم في الحياة بأيد حمراء ملطخة بالإجرام. وطوفان موتنا سيُبيّضها.

٭ كريستيان بوبان: كاتب وشاعر فرنسي (1951- 2022). اشتهر بأسلوبه الأدبي الراصد للأشياء البسيطة في الحياة اليومية، فضَّل الكتابة المركزة التي تمزج بين الملاحظات المختصرة والرؤى الشعرية المكثفة، متناولاً موضوعات شاملة مثل الحب والكآبة والغياب. من أبرز كتبه: «على قيد الحياة» و«اللَّامأمول».
ستة أسرى من قيادات الجبهة الشعبية يواجهون أوضاعًا صحية خطيرة
– قال مكتب إعلام الأسرى إن ستة أسرى من قيادات وكوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ما زالوا معتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2002، ومحكومين بالسجن المؤبد على خلفية اغتيال الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي عام 2001، مؤكدًا أن الاحتلال يواصل استثنائهم من جميع صفقات التبادل حتى اليوم.
وأوضح المكتب، في بيان صحفي اليوم السبت، أن الأسرى الستة هم: الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعادات، وعاهد أبو غلمة، وحمدي قرعان، ومجدي الريماوي، ومحمد الريماوي، وباسل الأسمر.
ولفت إلى أنّ سلطات الاحتلال انتهجت بحقهم سياسات قمعية ممنهجة شملت التفريق بين السجون، وفرض العزل الانفرادي، والتنقلات العقابية المتكررة، إلى جانب سياسات التجويع والإهمال الطبي المتعمد.
وأشار البيان إلى أنّ الأوضاع الصحية للأسرى الستة تدهورت بشكل خطير خلال الفترة الماضية، حيث فقد عدد منهم عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم، في ظل انتشار أمراض مزمنة وجلدية، وحرمان متواصل من تلقي العلاج اللازم، لا سيما بعد السابع من أكتوبر، مع تصاعد الإجراءات الانتقامية داخل السجون.
وأكد مكتب إعلام الأسرى أنّ الاحتلال يستخدم استمرار اعتقال هؤلاء القادة خارج صفقات التبادل كأداة للانتقام السياسي وكسر الرمزية النضالية التي يمثلونها، بالتوازي مع تصعيد غير مسبوق في سياساته القمعية داخل السجون، وسن تشريعات عنصرية، أبرزها الدفع نحو ما يسمى بـ“قانون إعدام الأسرى”.
وحذر المكتب من خطورة استمرار هذه السياسات على حياة الأسرى، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي تدهور إضافي قد يطرأ على أوضاعهم الصحية، وداعيًا المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية إلى التدخل العاجل لوقف الجرائم المرتكبة بحقهم، والعمل على ضمان الإفراج عنهم وإنهاء سياسة الاستثناء والانتقام.
أحمد سعدات… حين تتحوّل الزنزانة إلى منبر ويُحاكَم الاحتلال أمام التاريخ
في الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، مرّت سبعة عشر عاماً على الحكم الجائر وغير الشرعي الذي أصدرته محكمة الاحتلال العسكرية بالسجن ثلاثين عاماً بحق الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القائد الوطني الكبير الرفيق أحمد سعدات "أبو غسان"، بذريعة "قيادة تنظيم محظور" وممارسة النشاط السياسي.
جاء هذا الحكم ضمن منظومة قمع متكاملة انتهجها الاحتلال عبر سنوات طويلة لتجريم النضال الفلسطيني، وتحويل الحق الطبيعي في المقاومة إلى تهمة، والانتماء الوطني إلى جريمة، والعمل السياسي المشروع إلى فعلٍ يُعاقب عليه.
القوة التي ظنت أنها تستطيع إخضاع الشعب الفلسطيني بهذا الحكم، تجاهلت حقيقة أساسية: من يرفع رأسه لن ينكسر، وأن الزنزانة مهما علت أسوارها لا تستطيع إسكات إرادة الحرية.
 القائد سعدات يعرف هذا جيداً، وجعل من قاعة المحكمة منصة صرخة سياسية، ومنبر دفاع عن شعب بأكمله. كما قال بنفسه: "في البداية أنا لا أقف لأدافع عن نفسي أمام محكمتكم فقد سبق وأكدت أنني لا أعترف بشرعية هذه المحكمة باعتبارها امتداداً للاحتلال غير الشرعي وفق القانون الدولي إضافة لمشروعية حق شعبنا في مقاومة الاحتلال، وهذا الموقف أعيد التأكيد عليه".
يضع القائد سعدات في مداخلته التاريخية قضية فلسطين كلها في قلب الخطاب، مؤكداً أن مقاومة الاحتلال مشروعة لا تحتاج إلى إذن من محاكم الظلم، وأن ما يفعله الاحتلال عبر هذه المحاكم هو محاولة لتغطية عجزه عن مواجهة إرادة شعب مصمم على الحرية.
وليؤكد أن القضية أكبر من أي شخص، وأن الحق الفلسطيني ثابت عند قوله: "أنا أقف لأدافع عن شعبي وحقه المشروع في الاستقلال الوطني وحق تقرير المصير والعودة… هذا الحق كفلته الشرعية الدولية والقوانين الإنسانية ومثبت بقرارات صادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة، وآخرها توصيات محكمة لاهاي بشأن الجدار".
هذه الكلمات تُظهر أن النضال الفلسطيني هو حق تاريخي وإنساني، وأن الاحتلال عاجز عن إلغاء هذا الحق بالقوانين المزيفة أو السجون الطويلة.
ويكشف سعدات كذلك هشاشة محاكم الاحتلال عندما يقول: "هذه المحكمة التي أقف أمامها مجدداً اليوم كأحد أدوات قمع شعبنا وقهره وكسر مقاومته مثال لعجز الاحتلال وسياساته عن فرض الأمر الواقع على الشعوب… وستبقى في وجهه مقاومة شعبنا ما دام الاحتلال قائماً".
هنا يصبح واضحاً أن الهدف من هذه المحاكم هو القمع والتهديد النفسي للشعب الفلسطيني، وأنها أحد أشد أدوات الاستعمار الصهيوني الكولنيالي إجراماً. ويظن الاحتلال أنه يستطيع تحويل الصمود الأسطوري للأسرى إلى خضوع، لكن الحقيقة أن كل اعتقال وكل حكم قاسٍ يزيد من قوة الإرادة ويعمّق جذور المقاومة.
يضيف القائد سعدات تأكيداً على أن القوة وحدها لن تخلق الأمن: "إن السياسة القائمة على الاحتلال ومنطق فرض الأمر بالقوة لن تحقق الأمن لإسرائيل أو لغيرها من دول الاحتلال… المدخل الرئيسي لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام هو إنهاء الاحتلال وتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية".
إن هذه الكلمات ترسم مسار التحرير الحتمي تحت مظلة الحق التاريخي، محطمةً غطرسة القوة وأوهام الاحتلال؛ وليعلم العالم أن شلال الدم لن يتوقف، وبركان الغضب لن يهدأ، إلا باقتلاع هذا الكيان الغاصب من جذوره واستعادة كامل الحقوق المغتصبة بحدّ الإرادة الشعبية.
كما عبّر القائد عن عزيمته الشخصية وصلابة موقفه رغم كل الصعوبات في قوله: "ورغم أي حكم يمكن أن تصدروه وتستطيعون تنفيذه لامتلاككم القوة، لكنكم لن تستطيعوا وقف نضالي إلى جانب أبناء شعبي مهما ضيقتم علي مساحات الحركة".
تُظهر هذه العبارة أن الأسرى والقيادات الوطنية هم رموز صمود ومقاتلون من أجل الحرية، لا يمكن لأي حكم أو سجن أن يوقفهم.
اليوم، وبعد سبعة عشر عاماً، يظل صوت "أبو غسان" حيّاً في الزنازين والميادين، في غزة والضفة و القدس وفي كامل ربوع الوطن المحتل، حيث تستمر حرب الإبادة واستهداف الوجود الفلسطيني في أبشع صورها؛ ففي غزة المكلومة، لا يتوقف القصف الذي يحيل البيوت ركاماً فوق رؤوس ساكنيها، وتستمر مجازر القتل الممنهج التي لا تستثني طفلاً أو امرأة أو شيخاً. هناك، حيث يواجه أهلنا حياة النزوح وعذاباتها المُرّة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في ظل فصل الشتاء ببرده القارس الذي ينهش أجساد الأطفال النازحين في خيام مهترئة غرقاً بالطين والماء، وفي ظل حصارٍ يمنع حتى قطرة الدواء. وفي الضفة الصامدة، تُستباح المدن والمخيمات بالاقتحامات اليومية وجرائم عصابات المستوطنين، وتُقطع أوصال الأرض بالحواجز والجدران، وتنال الحركة الأسيرة النصيب الأكبر من القمع والتجويع، والإهمال الطبي، والاعتقالات الإدارية، والتنكيل الجسدي المتكرر، خاصة للرموز الوطنية مثل القادة سعدات، ومروان البرغوثي، وحسن سلامة، وعاهد أبو غلمى وأسرى غزة وقائمة طويلة من الأسرى.
كل هذه الانتهاكات تهدف إلى كسر الروح. وكما نطقت شواهد المرافعة، تظل إرادة الفلسطيني هي المتغير الوحيد الذي لا يمكن للاحتلال احتواؤه. هي نبضٌ يرفض التوقف، وعنادٌ مقدس ينمو فوق الأنقاض. ولقد أثبت الفلسطيني أن اللجوء لم يورثه الانكسار، وأن الحصار لم يورثه الاستسلام، بل إن كل محاولة لإخضاعه كانت وقوداً جديداً لشعلة المقاومة التي ترفض الانطفاء حتى استرداد آخر ذرة تراب.
سبعة عشر عاماً مرت، ولم تنتهِ المرافعة؛ بل تَحولّت من خطاب قانوني سياسي إلى نهجٍ ثوري عابر للزمن. أحمد سعدات ما زال في الزنزانة، يقبض على جمر المبدأ، لكن صوته هدم الجدران ليكون حاضراً في كل خندق، وفكرته صارت مناراً للأجيال، ومعركته مستمرة لا تهدأ.
 إننا اليوم، وأمام هذا الصمود الأسطوري، مدعوون ومطالبون أكثر من أي وقت مضى إلى الانتصار للقائد سعدات ولكافة أسرانا البواسل، عبر تعزيز كل أشكال الإسناد الشعبي والكفاحي، وتصعيد العمل النضالي والسياسي والميداني لكسر القيد عن معاصمهم؛ فالزنازين مهما طال ليلها هي عابرة وزائلة، ولن يكون إلا الحرية مصيراً حتمياً لهم؛ لأن الحرية حقيقة لا تُسجن، ولأن إرادة من نذروا حياتهم للوطن أقوى من قضبان السجان.
 إن الوفاء لهؤلاء القادة لا يكون إلا باستكمال مسيرتهم، والإيمان بأن فجر الخلاص آتٍ لا محالة مهما عظمت التضحيات، وأن القيد الذي أرادوه سجناً سيكون بإرادتنا جسراً نحو التحرير الشامل.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire