د. طنوس شلهوب
لا يمكن مقاربة الأحداث التي شهدتها مدن مثل شيكاغو ومينيابوليس بوصفها مجرد وقائع أمنية معزولة، ولا باعتبارها في الوقت نفسه مؤشراً حاسماً على دخول الولايات المتحدة مرحلة انهيار داخلي أو «حرب أهلية» بالمعنى التاريخي. ما نشهده هو تعبير مركّب عن أزمة سياسية داخل الطبقة الحاكمة الأميركية، تتخذ شكل صراع حاد حول أساليب إدارة الدولة، لا حول طبيعة النظام ذاته.
إن لجوء إدارة ترامب إلى استخدام أجهزة فيدرالية كـ ICE في مواجهة اضطرابات داخلية يعكس مأزقاً في أدوات الضبط التقليدية، لكنه لا يدل على فقدان الدولة قدرتها على التحكم أو على تآكل جوهري في بنيتها. فالانسحاب أو إعادة التموضع في مينيابوليس لا يمثل هزيمة استراتيجية بقدر ما يكشف حدود المقاربة الشعبوية–الأمنية التي انتهجها ترامب في التعامل مع تناقضات اجتماعية عميقة لا يمكن حسمها بالقوة وحدها.
في هذا السياق، لا يبدو أن ما حققه الديمقراطيون في مينيسوتا يشكّل «هجوماً مضاداً» بالمعنى الحاسم، بل هو نجاح سياسي ظرفي ضمن صراع أوسع بين أجنحة البرجوازية الأميركية حول كيفية إعادة ضبط الاستقرار الداخلي. فالديمقراطيون لا يطرحون قطيعة مع السياسات الإمبريالية أو مع منطق السيطرة الرأسمالية، بل يسعون إلى إدارتها بأساليب أكثر مؤسساتية وانضباطاً، بعد أن باتت فجاجة ترامب تشكل عبئاً على صورة النظام وقدرته على قيادة تحالفاته.
تكمن خطورة اللحظة الحالية، ليس في قوة الشارع بحد ذاته، بل في اتساع فجوة التمثيل السياسي، بما في ذلك داخل القاعدة الاجتماعية التي أوصلت ترامب إلى السلطة. فخيبة الأمل المتنامية داخل أوساطه لا تعني بالضرورة انهيار موقعه فوراً، لكنها تضعه في موقع رئيس مُثقل، قابل للتحول إلى عبء إذا ما قررت مراكز القرار الفعلية أن كلفته السياسية باتت أعلى من فائدته. ومع ذلك، فإن تحويل ترامب إلى «بطة عرجاء» لا يعني اهتزاز النظام، بل يعكس إحدى آليات النظام نفسه في احتواء الظواهر الشعبوية عندما تتجاوز حدودها الوظيفية.
أما على الصعيد الخارجي، فإن التصدعات التي تظهر في علاقة الولايات المتحدة بحلفائها لا ينبغي قراءتها كعلامات انهيار وشيك للمنظومة الإمبريالية. فالحروب التجارية، والتصرفات غير المتوقعة، دفعت دولاً مثل كندا أو الهند أو حتى شركاء أوروبيين إلى البحث عن هوامش مناورة أوسع، سواء عبر اتفاقات مع الصين أو عبر ترتيبات تجارية جديدة. غير أن هذه التحركات تجري داخل بنية الاقتصاد العالمي الذي ما زال يتمحور حول الدولار، وسلاسل القيمة العابرة للقوميات، والمؤسسات المالية التي تشكل الولايات المتحدة مركز ثقلها الأساسي.
من هنا، فإن الحديث عن «استبدال أميركا» أو فقدانها موقعها القيادي يتجاهل الطابع البنيوي للهيمنة، ويختزلها في سياسات إدارة بعينها. التراجع هنا نسبي، تكتيكي، ويهدف في كثير من الأحيان إلى إعادة التفاوض على شروط العلاقة، لا إلى الخروج من المدار الأميركي.
وفي ما يتعلق بالملف الأوكراني، فإن الرهان على قدرة ترامب على فرض تسوية أو تقديم ضمانات مستقرة يبدو وهماً سياسياً. ليس لأن ترامب شخصية غير موثوقة فحسب، بل لأن السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا ليست نتاج إرادة فردية، بل تعبير عن خيار استراتيجي للنظام ككل، يقوم على إدارة الصراع مع روسيا ضمن منطق الاستنزاف الطويل. قد تختلف اللهجة، وقد تتبدل الأدوات، لكن جوهر السياسة يبقى ثابتاً، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض.
بناءً على ذلك، فإن عدم جدوى الثقة بتعهدات ترامب لا يعود إلى ضعفه الشخصي وحده، بل إلى طبيعة الدولة الإمبريالية نفسها، التي لا تقدم التزامات خارج إطار مصلحتها المتغيرة. هذا ما تدركه مختلف الأطراف الدولية، التي تتعامل مع الولايات المتحدة ببراغماتية متزايدة، من دون أوهام حول الثبات أو الاستمرارية.
في المحصلة، ما يجري داخل الولايات المتحدة ليس مسار تفكك أو انفجار داخلي، بل عملية إعادة توازن عنيفة داخل نظام لا يزال يمتلك أدوات السيطرة وإعادة الإنتاج. الصراع محتدم، والانقسام حاد، لكنهما يجريان داخل سقف البنية القائمة، لا خارجها. وأي قراءة تتعامل مع هذه الوقائع بوصفها بداية نهاية النظام الأميركي تقع في فخ التمنّي السياسي، تماماً كما تقع القراءات التبريرية في فخ إنكار عمق الأزمة.
لا يمكن مقاربة الأحداث التي شهدتها مدن مثل شيكاغو ومينيابوليس بوصفها مجرد وقائع أمنية معزولة، ولا باعتبارها في الوقت نفسه مؤشراً حاسماً على دخول الولايات المتحدة مرحلة انهيار داخلي أو «حرب أهلية» بالمعنى التاريخي. ما نشهده هو تعبير مركّب عن أزمة سياسية داخل الطبقة الحاكمة الأميركية، تتخذ شكل صراع حاد حول أساليب إدارة الدولة، لا حول طبيعة النظام ذاته.
إن لجوء إدارة ترامب إلى استخدام أجهزة فيدرالية كـ ICE في مواجهة اضطرابات داخلية يعكس مأزقاً في أدوات الضبط التقليدية، لكنه لا يدل على فقدان الدولة قدرتها على التحكم أو على تآكل جوهري في بنيتها. فالانسحاب أو إعادة التموضع في مينيابوليس لا يمثل هزيمة استراتيجية بقدر ما يكشف حدود المقاربة الشعبوية–الأمنية التي انتهجها ترامب في التعامل مع تناقضات اجتماعية عميقة لا يمكن حسمها بالقوة وحدها.
في هذا السياق، لا يبدو أن ما حققه الديمقراطيون في مينيسوتا يشكّل «هجوماً مضاداً» بالمعنى الحاسم، بل هو نجاح سياسي ظرفي ضمن صراع أوسع بين أجنحة البرجوازية الأميركية حول كيفية إعادة ضبط الاستقرار الداخلي. فالديمقراطيون لا يطرحون قطيعة مع السياسات الإمبريالية أو مع منطق السيطرة الرأسمالية، بل يسعون إلى إدارتها بأساليب أكثر مؤسساتية وانضباطاً، بعد أن باتت فجاجة ترامب تشكل عبئاً على صورة النظام وقدرته على قيادة تحالفاته.
تكمن خطورة اللحظة الحالية، ليس في قوة الشارع بحد ذاته، بل في اتساع فجوة التمثيل السياسي، بما في ذلك داخل القاعدة الاجتماعية التي أوصلت ترامب إلى السلطة. فخيبة الأمل المتنامية داخل أوساطه لا تعني بالضرورة انهيار موقعه فوراً، لكنها تضعه في موقع رئيس مُثقل، قابل للتحول إلى عبء إذا ما قررت مراكز القرار الفعلية أن كلفته السياسية باتت أعلى من فائدته. ومع ذلك، فإن تحويل ترامب إلى «بطة عرجاء» لا يعني اهتزاز النظام، بل يعكس إحدى آليات النظام نفسه في احتواء الظواهر الشعبوية عندما تتجاوز حدودها الوظيفية.
أما على الصعيد الخارجي، فإن التصدعات التي تظهر في علاقة الولايات المتحدة بحلفائها لا ينبغي قراءتها كعلامات انهيار وشيك للمنظومة الإمبريالية. فالحروب التجارية، والتصرفات غير المتوقعة، دفعت دولاً مثل كندا أو الهند أو حتى شركاء أوروبيين إلى البحث عن هوامش مناورة أوسع، سواء عبر اتفاقات مع الصين أو عبر ترتيبات تجارية جديدة. غير أن هذه التحركات تجري داخل بنية الاقتصاد العالمي الذي ما زال يتمحور حول الدولار، وسلاسل القيمة العابرة للقوميات، والمؤسسات المالية التي تشكل الولايات المتحدة مركز ثقلها الأساسي.
من هنا، فإن الحديث عن «استبدال أميركا» أو فقدانها موقعها القيادي يتجاهل الطابع البنيوي للهيمنة، ويختزلها في سياسات إدارة بعينها. التراجع هنا نسبي، تكتيكي، ويهدف في كثير من الأحيان إلى إعادة التفاوض على شروط العلاقة، لا إلى الخروج من المدار الأميركي.
وفي ما يتعلق بالملف الأوكراني، فإن الرهان على قدرة ترامب على فرض تسوية أو تقديم ضمانات مستقرة يبدو وهماً سياسياً. ليس لأن ترامب شخصية غير موثوقة فحسب، بل لأن السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا ليست نتاج إرادة فردية، بل تعبير عن خيار استراتيجي للنظام ككل، يقوم على إدارة الصراع مع روسيا ضمن منطق الاستنزاف الطويل. قد تختلف اللهجة، وقد تتبدل الأدوات، لكن جوهر السياسة يبقى ثابتاً، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض.
بناءً على ذلك، فإن عدم جدوى الثقة بتعهدات ترامب لا يعود إلى ضعفه الشخصي وحده، بل إلى طبيعة الدولة الإمبريالية نفسها، التي لا تقدم التزامات خارج إطار مصلحتها المتغيرة. هذا ما تدركه مختلف الأطراف الدولية، التي تتعامل مع الولايات المتحدة ببراغماتية متزايدة، من دون أوهام حول الثبات أو الاستمرارية.
في المحصلة، ما يجري داخل الولايات المتحدة ليس مسار تفكك أو انفجار داخلي، بل عملية إعادة توازن عنيفة داخل نظام لا يزال يمتلك أدوات السيطرة وإعادة الإنتاج. الصراع محتدم، والانقسام حاد، لكنهما يجريان داخل سقف البنية القائمة، لا خارجها. وأي قراءة تتعامل مع هذه الوقائع بوصفها بداية نهاية النظام الأميركي تقع في فخ التمنّي السياسي، تماماً كما تقع القراءات التبريرية في فخ إنكار عمق الأزمة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire