!الخيار النووي الروسي.. من التهديد الى التنفيذ

 


د. طنوس شلهوب

سرغي كاراغانوف ليس شخصية هامشية في المشهد الروسي. فهو أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية في روسيا، ورئيس المجلس الروسي للشؤون الخارجية والدفاعية، ويُعد من العقول القريبة من دوائر القرار في الكرملين، لا بصفته موظفًا رسميًا فحسب، بل بوصفه صانع أفكار يشتغل على بلورة الإطار النظري لما تسميه موسكو «النظام الدولي الجديد». لذلك، فإن ظهوره في مقابلة مطوّلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون لا يمكن التعامل معه كحدث إعلامي عابر، بل كرسالة سياسية محسوبة وموجّهة.
في هذه المقابلة، قدّم كاراغانوف رؤية شديدة الوضوح والحدّة للصراع مع الغرب، وخصوصًا للحرب في أوكرانيا، متجاوزًا اللغة الدبلوماسية التقليدية إلى خطاب يقوم على التهديد الصريح، وفي مقدمته التهديد باستخدام السلاح النووي. جوهر ما قاله يقوم على فرضية أساسية: روسيا لا يمكن أن تُهزم، وأي محاولة لدفعها إلى الهزيمة ستقود إلى كسر المحظور النووي.
كاراغانوف اعتبر أن النخب الأوروبية تعيش حالة إنكار استراتيجي، وأنها لا تدرك طبيعة الصراع الدائر، ولا مستوى المخاطر التي تلعب عند حافتها. من وجهة نظره، لم تعد الحرب في أوكرانيا حربًا إقليمية، بل صراعًا وجوديًا بين روسيا والغرب الجماعي، هدفه النهائي – بحسب توصيفه – إخراج روسيا من موقعها كقوة كبرى وإخضاعها سياسيًا واستراتيجيًا. وهذا، برأيه، خط أحمر لا يمكن لموسكو القبول به.
الأخطر في حديثه لم يكن مجرد التلويح بالسلاح النووي، بل محاولة إعطائه شرعية عقلانية وأخلاقية. فقد طرح كاراغانوف فكرة أن الاستخدام المحدود والمدروس للسلاح النووي قد يكون «أداة ردع تربوية» لإجبار أوروبا على التراجع، معتبرًا أن صدمة من هذا النوع قد تنقذ العالم من حرب كبرى طويلة، بدل أن تقوده إلى هاوية استنزاف شامل. هنا لا يتحدث الرجل عن انفعال أو تهديد انفعالي، بل عن تصور استراتيجي متكامل يعيد إدخال النووي إلى صلب أدوات السياسة.
وفي سياق موازٍ، وجّه كاراغانوف انتقادات مبطنة للقيادة الروسية نفسها، معتبرًا أنها كانت «صَبورة أكثر مما ينبغي» في تعاملها مع الغرب، وأن تأخير توجيه رسائل ردع قاسية شجّع أوروبا والولايات المتحدة على التمادي في دعم أوكرانيا.
كما شدد على أن أوروبا، لا الولايات المتحدة، هي الحلقة الأضعف في هذا الصراع، وهي التي ستدفع الثمن الأكبر في حال التصعيد، سواء اقتصاديًا أو أمنيًا أو وجوديًا. فواشنطن، بحسب منطقه، تستطيع إدارة الحروب عن بعد، بينما أوروبا هي ساحة النار المحتملة.
مقابلة كاراغانوف مع تاكر كارلسون لا يمكن قراءتها كمجرد رأي شخصي، بل كجزء من حرب نفسية وسياسية تستهدف إعادة تعريف حدود المقبول والمحرّم في الصراع الدولي. إنها محاولة لزرع الشك والخوف داخل المجتمعات الأوروبية، ودفعها إلى الضغط على حكوماتها للتراجع عن دعم أوكرانيا، عبر التلويح بأقصى السيناريوهات الممكنة.
في المحصلة، ما قاله كاراغانوف يكشف تحوّلًا عميقًا في الخطاب الروسي: من الردع الصامت إلى الردع المعلن، ومن الغموض النووي إلى التطبيع مع فكرة استخدامه. السؤال هل سيلتقط الاوروبيون هذه الرسالة ويغيرون من سياساتهم العدائية تجاه روسيا؟

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire