! مستوطِنو «البؤر الرعوية»: ضمّ الضفة بـأمر الربّ

 


قاسم س. قاسم

منذ احتلالها إياها عام 1967، تعاملت إسرائيل مع الضفة الغربية المحتلة باعتبارها جزءاً من «أرضها». فالضفة، في الوعي الديني اليهودي، هي «يهودا والسامرة»؛ وفي العقل الأمني، عمق استراتيجي لحماية الأراضي المتاخمة لها، أي تلك المحتلّة عام 1948، ولا سيّما المدن الكبرى حيث تتركّز الصناعات المركزية والاقتصاد والمال. وانطلاقاً من هذين العاملَين، تطوّرت أشكال احتلال الضفة، وأدوات السيطرة عليها باطّراد، بدءاً من مصادرة الأراضي بذريعة «الضرورة العسكرية»، مروراً ببناء مزارع رعوية وخيم صغيرة، وصولاً إلى إعادة إنتاج مشروع الاستيطان بصيغ أكثر فاعلية، وذلك عبر تحويل تلك «المزارع» إلى بؤر استيطانية عشوائية، تبدو وكأنها دولة قائمة بذاتها.
تاريخياً، ومع احتلال الضفة بعد حرب 1967، أقامت إسرائيل مستوطنات ذات طابع أمني. آنذاك، وضع يغال ألون خطة لاستيطان الضفة حملت اسمه، حدّد فيها مناطق المرحلة الأولى من الاستيطان بغور الأردن وشمال البحر الميت وأطراف القدس، فيما تجنّب الجبال المكتظّة بالفلسطينيين في نابلس ورام الله والخليل، على الرغم من «قدسية» هذه المدن في الديانة اليهودية. في تلك المرحلة، دعمت حكومة العدو بناء المستوطنات الزراعية، فأنشأت «كيبوتسات» و«موشافات» في الأغوار - حيث الأرض الخصبة -، وذلك بهدف حماية الحدود الشرقية وتأخير أي تقدّم لقوات أردنية أو عراقية ريثما يصل الجيش الإسرائيلي.

ومع وصول حزب «الليكود» برئاسة مناحيم بيغن إلى الحكم في سبعينيات القرن الماضي، دخل الاستيطان مرحلة جديدة، تحوّل في خلالها من أداة أمنية إلى هوية سياسية ودينية كاملة، مرتبطة بـ«إعادة أرض إسرائيل». وعليه، تسارعت، مذّاك، عمليات مصادرة الأراضي، وتحوّلت البنية الاستيطانية إلى شبكة تقضم الأرض تدريجياً؛ فالمستوطنة تحتاج إلى شقّ طرق، والمستوطنون يحتاجون إلى مدّ شبكات الماء والكهرباء. ومع توفير كلّ هذه المقوّمات، ازداد عدد المستوطنين تدريجياً، الأمر الذي استدعى التخطيط لمستوطنات جديدة.
هكذا، حوصرت المدن الفلسطينية وتحوّلت إلى جزر معزولة، عاجزة عن تشكيل وحدة جغرافية متماسكة. وإبّان مرحلة «أوسلو»، ورغم إعلان الحكومة الإسرائيلية، في 7 كانون الأول 1999، أنها ستقوم بتجميد جميع مشاريع البناء الجديدة في المستوطنات، إلّا أن الالتفاف على ذلك جاء سريعاً عبر ما عُرف بالبؤر الاستيطانية، إذ ظهر، في تلك الفترة، تنظيم «شبيبة التلال» كمجموعة من المستوطنين المؤدلجين، الذين يمارسون العنف المنظّم لطرد الفلسطينيين من أرضهم، فيما وفّر لهم أرييل شارون (كان وزير الخارجية آنذاك في حكومة بنيامين نتنياهو) غطاءً سياسياً واضحاً حين دعاهم إلى «احتلال التلال»، مؤكداً، في خطاب ألقاه في 15 تشرين الثاني 1998، أن «كل ما نحتلّه سيبقى بأيدينا، وكل ما لا نحتلّه سيذهب إلى أيديهم». ومنذ منتصف عقد 2010 - 2020، انتقلت إسرائيل إلى الشكل الأكثر فاعلية للاستيطان، والمتمثّل بالبؤر الرعوية، التي تبدأ بعائلة واحدة وقطيع من الأغنام أو الأبقار وخيمة أو كرافان على تلة، ثم فجأة يتحوّل المكان إلى «مرعى» للأغنام مُغلق بأسلاك، وواقع تحت حراسة ليلية، ومُحاط بقوات لحماية المستوطنين.

ومع عودة نتنياهو إلى رئاسة حكومة الاحتلال، أواخر عام 2022 (في ولايته الثالثة)، وتحالفه مع تيارات الاستيطان الديني المتطرّف، دخلت الضفة الغربية مرحلة الهجوم المفتوح والضمّ غير المُعلن، إذ تسارعت عملية «شرعنة» البؤر، واتّسعت يد الحكومة في تحويل العشوائية منها إلى رسمية، في سياسة توّجها وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بإعلانه أن عام 2025 كان من المُفترض أن يكون «عام بسط السيادة على يهودا والسامرة». ورغم أن الضم لم يحدث بشكل رسمي، إلا أن مشروعه ما فتئ يتقدّم على الأرض، من خلال التغوّل الاستيطاني في الضفة، التي يعدّها الوعي الديني - القومي اليهودي، «ذاكرة» و«هوية» و«وعداً إلهياً».
ولعلّ مما يجدر استحضاره، هنا، الصرخة التي أطلقها الحاخام تسفي يهودا كوك قبيل أسابيع من حرب 1967، والتي بدت أقرب إلى برنامج سياسي كامل؛ إذ جاء فيها: «أين خليلنا… أين شكيمنا… أين أريحونا… هل بأيدينا التنازل عن ملّيمتر واحد؟ حاشا وكلا!»، وذلك في إشارة إلى الخليل التي تعتبرها الرواية اليهودية «مرقد الآباء»، ونابلس التي تقول إنه فيها «ظهرَ الرب» للنبي إبراهيم، ومنحه الأرض (لنسلِك أعطي هذه الأرض)، وأريحا التي تنظر إليها على أنها «بوابة أرض الميعاد».

من هنا، يتضح الفارق بين مستوطنة زراعية في غور الأردن ومستوطنة رعوية قرب مسافر يطا. فالأولى تُقدّم كحاجز أمني وحدود دفاعية، والثانية كفعل «جهاد ديني» على الأرض، و«استعادة» لسيادة يراها المستوطن «أمراً إلهياً»، لا يقيّده في تنفيذه قرار دولة ولا أوامر جيش. وفي هذا السياق، تحفل مجموعات «تيليغرام» التابعة للمستوطنين بمنشورات تحتفي بإنشاء بؤر استيطانية جديدة، وتدعو إلى دعم ساكنيها باعتبارهم «حرّروا» أجزاء من «أرض إسرائيل»، في حين لا يفتأ يزداد توحّش هؤلاء وإرهابهم ضد الفلسطينيين في الضفة، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر 2023. وبحسب معطيات صادرة عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في «جامعة تل أبيب»، فإن «الإرهاب اليهودي» ضدّ الفلسطينيين تصاعد بشكل كبير، ولا سيما في المناطق المُصنّفة «ج».

إلى جانب ذلك، تشير بيانات «قيادة المنطقة الوسطى» في الجيش الإسرائيلي، إلى تسجيل ارتفاع بنحو 27% في ما تصفه المؤسسة الأمنية بـ«الجريمة القومية» خلال عام 2025، مع توثيق نحو 870 جريمة، بينها 120 حادثة «خطيرة»، مقارنة بـ83 حادثة مماثلة في عام 2024. وإذ مرّ هذا العنف بمراحل متعددة: من سياسة «تدفيع الثمن» إلى «فتيان التلال»، ومن رشق الفلسطينيين بالحجارة إلى إحراق العائلات داخل منازلها - كما حدث مع عائلة دوابشة في قرية دوما قرب نابلس عام 2015 -، فإن الشكل الحالي لعنف «فتيان التلال» يتجاوز منطق الانتقام، ويستهدف جعل الحياة الفلسطينية غير محتملة، ودفع السكان إلى الرحيل، خصوصاً من المناطق المُصنّفة «ج».
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» مطلع العام الماضي، فإن «فتيان التلال» - الذين تروّج الحكومة لكون عددهم لا يتجاوز 70 شخصاً في حين تفيد تقديرات غير رسمية ببلاغ عددهم المئات -، معروفون للأجهزة الأمنية، ومشرّدون من هوامش المجتمع الإسرائيلي. كذلك، هم خارجون عن الأطر التعليمية، ويعيشون في بؤر معزولة، وتتجذّر لديهم رؤية دينية - قومية راديكالية عنوانها أن «السيادة اليهودية» على كامل «أرض إسرائيل» أمر «إلهي»، وأن أي انسحاب منها يُعدّ «خيانة». وفيما تؤثّر هذه المجموعة من الفتيان على دائرة أوسع من المستوطنين، الذين باتوا يواجهون الجيش نفسه في حال حاول الحدّ من اعتداءاتهم، وهو ما يثير «قلق» المؤسسة الأمنية.
ومع ذلك، توفّر الحكومة الإسرائيلية غطاءً كاملاً لهذه الاعتداءات من دون اعتقال منفّذيها أو محاسبتهم. لا بل إن وزير الأمن، يسرائيل كاتس، ألغى الاعتقال الإداري بحق اليهود في الضفة الغربية في تشرين الثاني 2024، بذريعة أنه إجراء «قاسٍ» لا ينبغي تطبيقه على المستوطنين، بينما يبقى أداة روتينية ضد الفلسطينيين.
في هذا الوقت، ومع اقتراب شهر رمضان، تحذّر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من «انفجار أمني واسع»، نتيجة تصاعد عنف المستوطنين، وتفاقم الضائقة الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة المحتلة. ولذا، يعمل وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير على تسليح الشبان المتشدّدين، لا لردعهم، بل لمواجهة أصحاب الأرض أنفسهم، إذا ما أرادوا التمرّد على واقعهم.
شهادات الأسرى المحررين تفضح واقع الإبادة والتعذيب بسجون الاحتلال
أكد نادي الأسير الفلسطيني أن الإفراج عن الأسرى من سجون الاحتلال الإسرائيلي لا يضع حدا للجرائم التي تعرضوا لها، مشيرا إلى أن أوضاعهم الصحية والنفسية المتدهورة، وهيئاتهم، وشهاداتهم، تشكل أدلة حية على استمرار سياسات الإبادة والتعذيب الممنهج داخل السجون الإسرائيلية، التي تحولت خلال أكثر من عامين إلى ساحات تعذيب متكاملة الأركان.
وأوضح النادي أن جميع الأسرى المفرج عنهم يعانون من مشاكل صحية ونفسية بدرجات متفاوتة، فيما خرج عدد منهم بأوضاع خطيرة ومعقدة استدعت نقلهم إلى المستشفيات وإخضاعهم لعمليات جراحية عاجلة.
ولفت إلى حالة الصحافي مجاهد مفلح، الذي اعتقل إداريا لنحو سبعة أشهر، ثم أصيب بعد الإفراج عنه بثلاثة أيام بنزيف دماغي حاد، ولا يزال يرقد في العناية المركزة بعد خضوعه لعملية جراحية طارئة.
كما أشار إلى الإفراج عن المعتقل الإداري خالد الصيفي من "عيادة سجن الرملة" وهو في وضع صحي بالغ الخطورة، إذ يعاني من تليف رئوي حاد ولا يقوى على المشي، ويحتاج إلى رعاية طبية مكثفة، مؤكدا أن هذا الاعتقال هو الثاني له خلال فترة الحرب، وقد خرج في المرتين بأوضاع صحية حرجة نتيجة ما تعرض له من تعذيب وإهمال طبي.
وبين نادي الأسير أنه وثق حالات عديدة لأسرى خرجوا وهم يعانون من كسور ورضوض شديدة جراء الضرب المبرح، إضافة إلى انتشار أمراض جلدية خطيرة مثل الجرب، ما استدعى عزلهم صحيا وتلقيهم العلاج.
واعتبر أن هذه الوقائع تعكس حجم الكارثة الإنسانية ومستوى التدمير الجسدي والنفسي الممنهج الذي تمارسه منظومة السجون الإسرائيلية بحق آلاف الأسرى، في إطار سياسات تهدف إلى كسر الإرادة وفرض الردع وصولًا إلى الإعدام البطيء، كما حدث مع عشرات الأسرى منذ بدء حرب الإبادة.
وأشار النادي إلى أن هذه الانتهاكات تتزامن مع مساعٍ إسرائيلية لإقرار قوانين تشرعن إعدام الأسرى، بما في ذلك مشروع لمحاكمة معتقلي غزة يتضمن عقوبة الإعدام، ما يشكل تصعيدًا خطيرًا على المستوى القانوني والإنساني.
وفي ختام بيانه، حمل نادي الأسير المجتمع الدولي مسؤولية الصمت والعجز الذي شجع الاحتلال على الاستمرار في جرائمه، مجددا مطالبته بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة السجون والاطلاع على أوضاع الأسرى، وتمكين عائلاتهم من زيارتهم، والعمل الجاد لمحاسبة قادة الاحتلال وفرض عقوبات رادعة تضع حدا لسياسات التعذيب والإبادة داخل السجون.


«رفح» عنواناً للشدّ والجذب: مصر «ترفض» شروط إسرائيل لفتح المعبر
يواجه رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، تحدّياً خاصاً حول مسألة فتح معبر رفح، نظراً إلى معارضة أعضاء في ائتلافه الحكومي فتح المعبر، رغم ضغوط الولايات المتحدة والوسطاء في هذا الاتجاه. وأكّدت صحيفة «معاريف»، نقلاً عن مصدر إسرائيلي، أن موقف حكومة العدو من هذه المسألة لم يتغيّر، مشدّدة على أن أيّ تغيير يبقى مشروطاً باستعادة رفات الجندي الأسير ران غويلي، مشيرة إلى أنه لم يتمّ التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الأميركي في الخصوص، رغم الضغوط التي تمارسها واشنطن على نتنياهو.
وجاء ذلك في وقت نقلت فيه وسائل إعلام عبرية عن والدة غويلي، قولها بعد لقائها بالمبعوثَيْن الأميركيَّيْن جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إن الأخيرَين مقتنعان بأن «حماس» تبذل أقصى جهدها للعثور على جثة ابنها، وأن «الحركة معنية بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الصفقة»، بينما أعربت شقيقة الأسير، شيرا، عن خشيتها من أن تكون الوعود التي تتلقّاها العائلة «مجرّد مسكّنات»، قائلة: «يقولون لنا إنه حتى لو فُتح معبر رفح، فسيواصلون البحث عن ران، لكن لا أعرف إلى متى سيصمد هذا الكلام». وكانت تحدّثت قناة «كان» العبرية عن تباينات داخل المجلس الوزاري المصغّر «الكابينت» في شأن معبر رفح، مشيرة إلى أن بعض الوزراء يرفضون فتح المعبر قبل استكمال المرحلة الأولى من الاتفاق - والذي يتطلب استعادة الجندي الأخير -، فيما ذكرت «معاريف» أن الأميركيين يضغطون في اتجاه فتح «رفح» خلال اليومين المقبلين، وأن «إسرائيل تتعامل مع هذا الملف كأولوية». كذلك، توقّعت قناة «الكنيست» أن يتمّ هذا الأمر خلال الأيام القليلة المقبلة، بناءً على ضغط أميركي مكثّف، ورغم عدم استعادة جثة الجندي الأسير، متحدّثة عن مخاوف من تنازلات إضافية قد تقدّمها حكومة نتنياهو.
هكذا، يبدو، بحسب «القناة 12»، أن مسألة فتح المعبر تشكّل «اختباراً أولياً لحكومة نتنياهو في مرحلة ما بعد وقف الحرب، خاصة في ظلّ تشكيك بعض الوزراء في نيات رئيسهم، واحتمال عدم طرحه الموضوع للتصويت داخل «الكابينت»، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الأعضاء المعارضين على منع عملية الفتح. وفي حين حذّرت وزيرة الاستيطان، أوريت ستروك، من أن أي خطوة من هذا النوع تعني «تسليم القطاع لرئيس لجنة التكنوقراط علي شعث»، وهدّدت بالانسحاب من الحكومة، اعتبر الوزير دودي أمسالم أن قضية غويلي تمثّل «خطاً أحمر»، مشدّداً على أنه «لن يكون هناك أي تقدّم ما لم يُستعد الجندي». في المقابل، أفاد مسؤول مصري، «الأخبار»، بأن الحركة التي تقودها الولايات المتحدة «تسير بوتيرة أسرع بكثير مما يريده نتنياهو»، وأن الهدف منها «فرض وقائع جديدة، لكن من دون إغضاب إسرائيل». ورغم أن معبر رفح يُفترض أن يُعاد فتحه خلال الأسبوع الجاري في كلا الاتجاهين، بحسب المسؤول نفسه، فقد شهد يوما الجمعة والسبت مناقشات محتدمة إثر طلب العدوّ إنشاء نقطة تفتيش إسرائيلية داخل المعبر تسبق نقطة التفتيش الفلسطينية، وهو ما رفضته القاهرة، مشدّدة على أن المعبر يجب أن يعمل بصفة فلسطينية كاملة، بالتعاون مع بعثة «الاتحاد الأوروبي». كذلك، وبحسب صحيفة «هآرتس»، فقد سعت «إسرائيل إلى نشر قوات أميركية في المعبر، لكنّ الولايات المتحدة رفضت هذا بشدّة».
ووفق مسؤول في الخارجية المصرية تحدّث إلى «الأخبار»، فإن الحديث حالياً مقتصر على فتح معبر رفح في الاتجاهين «كخطوة أولى لتغيير الوضع الحالي»، على أن تبدأ لاحقاً «مفاوضات إدخال قوة الأمن الفلسطينية التي ستساعد على حفظ الأمن»، مشيراً إلى «اجتماعات مكثّفة ستُعقد خلال الأيام المقبلة».
وسبق أن أصدر ويتكوف بياناً قال فيه إن وفداً أميركياً ضمّه وكوشنر وكبار المستشارين في «البيت الأبيض» اجتمع مع نتنياهو (أول من) أمس، وناقش معه ترتيبات المرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترامب، مؤكداً أن «التنسيق بين الطرفين مستمر في جميع الملفات الحيوية». وأتى ذلك في وقت كشفت فيه قناة «i24» العبرية أن الولايات المتحدة أمهلت «حماس» مئة يوم لنزع سلاحها، معتبرة أن هذه «المهلة ليست إنذاراً»، بل «فترة زمنية تريد خلالها رؤية لجنة التكنوقراط تبدأ خطوات فعلية لتجريد غزة من السلاح».
وبالعودة إلى مسألة الجندي الأخير في غزة، أكّد الناطق العسكري باسم «كتائب القسام» أن «الحركة التزمت بشكل كامل بما تمّ الاتفاق عليه في ملف الأسرى»، موضحاً أن «جميع الجثامين والمحتجزين الذين كانت حماس تحتفظ بهم قد سُلّموا عبر الوسطاء دون تأخير، رغم خروقات الاحتلال المتواصلة». وأضاف أن «الحركة حريصة على إنهاء هذا الملف بشكل نهائي»، وأن «الوسطاء أُطلعوا على كامل التفاصيل المتعلقة بجثة الجندي ران غويلي، والدليل على ذلك أن قوات الاحتلال تنفّذ حالياً عمليات بحث في أحد المواقع بناءً على تلك المعلومات».
وفي إثر بيان «القسام»، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن جيش الاحتلال ينفّذ، منذ نهاية الأسبوع، «عملية واسعة النطاق في شمال قطاع غزة، بهدف العثور على الرقيب راني غويلي». وأوضح المكتب أن العملية تُنفّذ «داخل إحدى المقابر في شمال القطاع»، وتشمل عمليات مسح ميدانية موسّعة، تعتمد على «كامل المعلومات الاستخباراتية المتوفّرة» لدى الاحتلال. وأضاف أن هذا الجهد سيستمر «طالما دعت الحاجة».
الجبهة الشعبية في الذكرى الـ18 لرحيل د. جورج حبش: بالوحدة والمقاومة نحمي الوجود ونُجذِّر العودة
أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اليوم الإثنين، بيانًا سياسيًا في الذكرى الثامنة عشرة لرحيل مؤسسها القائد الوطني والقومي الراحل الدكتور جورج حبش ، أكدت فيه أن الوحدة الوطنية وخيار المقاومة يشكّلان الضمانة الحقيقية لحماية الوجود الفلسطيني وترسيخ حق العودة.
وقالت الجبهة في بيانها الصادر اليوم الإثنين: "تحلّ علينا اليوم الذكرى الثامنة عشرة لرحيل حكيم الثورة، القائد الوطني والقومي والأممي الكبير الرفيق الدكتور جورج حبش، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة القوميين العرب، في لحظةٍ تاريخية فارقة تتكشّف فيها طبيعة الصراع في أنصع صورها؛ ففلسطين تخوض اليوم معركة وجود مفتوحة، من غزة الملحمية، إلى الضفة الثائرة؛ ف القدس والداخل المحتل والشتات، وفي داخل باستيلات العدو الصهيوني. إنها حرب إبادة شاملة تمثّل رأس الحربة في مشروع إمبريالي عالمي يستهدف تصفية الوجود الفلسطيني، واقتلاع الإنسان من أرضه وأمله.".
وأضافت: "في هذه المناسبة، نستذكر الحكيم ورؤيته بوصفها مشروعاً فكرياً وكفاحياً متقدّماً ومتقداً؛ فقد قدّم قراءةً مبكرةً لطبيعة الإمبريالية كنظام عالمي للتوحش والنهب، ورأى في الكيان الصهيوني قاعدةً متقدمة لهذا النظام الإجرامي. وما الشراكة العسكرية والسياسية الكاملة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في حرب الإبادة المستمرة إلا برهاناً حياً على نفاذ بصيرته"، مؤكدةً أنّ "الهجمة التي تستهدف شعبنا اليوم هي ذاتها التي تستهدف قوى التحرر في العالم، عبر الحصار والقرصنة والبلطجة، في فنزويلا وكوبا وسواهما، كما وتسعى الإمبريالية، عبر وكلائها وأدواتها، إلى الانقضاض على خيار المقاومة وعزله عن عمقه الشعبي؛ غير أن التجربة التاريخية التي صاغها الحكيم تؤكد أن المقاومة ضرورة وجودية، وأن الشعوب التي ترفض التكيف مع الظلم قد تدفع أثماناً باهظة؛ لكنها لا تُهزم".
وتابعت الجبهة: "لقد جسّد الرفيق الحكيم المبدئية الثورية في أسمى تجلياتها، مؤمناً بأن الإرادة الشعبية المنظمة قادرة على قلب موازين القوى، وربط تحرر فلسطين عضوياً بالتحرر القومي العربي وبالنضال الأممي، كما اعتبر حق العودة جوهر الهوية الوطنية، ومبتدأ نضالنا التحرري ومنتهاه. وفي هذه الذكرى، نؤكد وفاءنا لنهجه، ونُجدّد العهد بأن حق العودة سيظل جوهر الصراع ومسألة وجودية لا تقبل المساومة، وإن ما يجري اليوم من محاولات تهجير لشعبنا في غزة والضفة، والانقضاض على وكالة الأونروا كشاهد حيّ على جريمة النكبة، وتدمير مقومات الحياة، محاولة بائسة لدفن حق العودة؛ لكننا نعلنها بوضوح: العودة التي ناضل من أجلها الحكيم هي العودة إلى كامل التراب الوطني، وهي حق يتعمّد اليوم بدماء الشهداء، وبصمود النازحين والمهجّرين فوق ركام بيوتهم ومخيماتهم، في رفض قاطع لكل مشاريع التهجير القسري أو التوطين.
إننا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي هذه الذكرى، وفي هذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعبنا، نؤكد أن المسؤولية الوطنية تفرض بناء وحدة وطنية حقيقية قائمة على برنامج المقاومة والثوابت، وإسقاط كل مراهنات التسوية التي ثبت عقمها ودمارها، وتصعيد الاشتباك الشامل في كافة الساحات رداً على حرب الإبادة، ودفاعاً عن الأرض والكرامة والوجود، وفي مواجهة مشاريع الوصاية والتهجير والانتداب"، مشددةً على "ضرورة تعميق التحالف الأممي مع كل أحرار العالم الذين ينتفضون اليوم ضد الإجرام الصهيوني والإمبريالي، لترسيخ عزلة هذا الكيان ومن يدعمه، والاستمرار في دعم وإسناد الأسيرات والأسرى في سجون الاحتلال، الذين كان الحكيم يخصّهم دائماً بوصفهم رأس حربة في مقاومة شعبنا".
وأشارت الشعبية إلى أنّ الحكيم كان يقول: "تستطيع طائرات العدو أن تقصف مخيماتنا، وأن تقتل شيوخنا وأطفالنا، وأن تهدم بيوتنا، لكنها لن تستطيع أن تقتل روح النضال فينا". لافتةً إلى أنّ "الفكرة التي حملها الحكيم لا تموت، وأن البوصلة ستبقى تشير إلى فلسطين كاملة، من نهرها إلى بحرها، وأن حلم العودة أقرب من أي وقت مضى، بفضل تضحيات شعبنا، وصمود مقاومينا، وإرادة شعب لا ينكسر".
خروقات متواصلة في غزة: الاحتلال يعلن استعادة جثة آخر أسراه والمرحلة الأولى تكتمل
استعادت إسرائيل جثة آخر أسراها من غزة بعد استكمال التعرف عليها رسميا من قبل معهد الطب العدلي في أبو كبير، وذلك بعد ساعات من إعلان كتائب القسام أنها زودت الاحتلال عبر الوسطاء بمعلومات قام على إثرها بالبحث عن الجثة في أحد الأماكن.
وبذلك تكتمل المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما كانت إسرائيل تتنصل من الاستحقاقات المترتبة عليها بما فيها البروتوكول الإنساني من الاتفاق في ظل أوضاع أهالي غزة الكارثية، وذلك بحجة تسليمها جثة الأسير الأخيرة.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، الإثنين، أن المستشفيات استقبلت خلال الـ24 الماضية ثلاثة شهداء، بينهم شهيدان جديدان وشهيد تم انتشاله من تحت الأنقاض، إضافة إلى 20 إصابة، مع بقاء عدد من الضحايا تحت الركام. وأفادت بأن الحصيلة الإجمالية منذ بدء العدوان الإسرائيلي ارتفعت إلى 71,660 شهيدا و171,419 مصابا، في ظل استمرار عمليات القصف وصعوبة وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إلى جميع المناطق المتضرر.
يأتي ذلك فيما يواصل الجيش الإسرائيلي، خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار، إلى جانب نسف مبان سكنية في عدد من مناطق القطاع.
وفي تطور سياسي مواز، أعلن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ليل الأحد–الاثنين، موافقة إسرائيل على فتح معبر رفح أمام حركة الأشخاص فقط، وتحت "إشراف إسرائيلي كامل"، وذلك في حال استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة.


«السلام» وإدارة الخضوع
رامي الحاج سعيد
صحافي فلسطيني

يشهد الفكر السياسي الدولي المعاصر انزياحاً جوهرياً في تعريف "السلام"، حيث انتقل من كونه مشروعاً لتحقيق العدالة وتفكيك بنى الاستعمار، إلى كونه "تقنية حكم" تهدف إلى إدارة الاستقرار وتأمين المجال الحيوي للقوى المهيمنة.
يتجلّى هذا الانزياح بوضوح في المُقترح المتعلق بـ"مجلس السلام لغزة"، الذي يمثّل مختبراً سياسياً لتحويل القضية الوطنية الفلسطينية من حركة تحرّر وطني تسعى لتقرير المصير، إلى "معضلة إدارية" تتطلّب حلولاً تكنوقراطية وأمنية، وبالتالي فإن هذا النموذج لا يسعى لإنهاء الصراع، بل لإنتاج "استقرار وظيفي" يضمن استدامة السيطرة بأقل التكاليف السياسية والأخلاقية.

الانتقال من الحلّ إلى الإدارة
تتجذّر إشكالية "مجلس السلام" في تبنّيه لمنطق "إدارة النزاع" بدلاً من "حلّه". هذا التوجه يعكس قناعة النيوليبرالية الدولية بأن الجذور السياسية للصراع (كالاحتلال وحق العودة والسيادة) هي عناصر "عصيّة على الحل" في المدى المنظور، ما يستوجب استبدالها بآليات "تقليص الصراع".
وهنا تحديداً، يُعاد تعريف السلام بوصفه "غياب العنف المباشر" لا "حضور العدالة"، وهو ما يُصطلح عليه في الأدبيات السياسية بـ"السلام السلبي".
وفي هذا الإطار، يصبح الفعل الفلسطيني المقاوم "خللاً إدارياً" يعيق تدفّق الخدمات والإعمار، وليس تعبيراً عن إرادة سياسية، ما يؤدّي بالضرورة إلى فشل المجتمع الدولي في إيجاد صيغة تتّسق مع طبيعة الحق الفلسطيني.
وبالتالي فإنّ المجلس، وبغضّ النظر عن نقاط القوة التي يحملها، قد يصبح امتداداً لسياسات "ما بعد الاستعمار" عبر أدوات الحوكمة الفنية، فالتكنوقراطية، التي تُقدّم عادة كوجه محايد وخبير، تُستخدم هنا كأداة لنزع السياسة عن الشأن الفلسطيني، من خلال قلب الهرم المنطقي وجعل "نزع السلاح" مدخلاً للسلام بدلاً من أن يكون نتيجة لتسوية عادلة.
وبهذا يتم تجريد الذات الفلسطينية من حقّها في المقاومة المشروعة، وتحويل السلاح من أداة سياسية إلى "خطر أمني" يهدّد تدفّق المساعدات.
إنّ هذه الرؤية تحصر الهوية الفلسطينية في نمط "المستفيد من الخدمة" أو "المتلقّي للإغاثة"، متجاهلة كينونته كفاعل سياسي يسعى للسيادة وتقرير المصير، وهو ما يعزّز فكرة أن الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يكون بديلاً عن الحرية السياسية.

أزمة الشرعية
يطرح المجلس معضلة حادّة على مستوى القانون الدولي، وتحديداً في ما يتعلق بمسألة الشرعية، فبينما تستند الأمم المتحدة –رغم محدوديتها كفاعل– إلى قرارات تضمن حق تقرير المصير، يميل "مجلس السلام" إلى تجاوز هذه الأطر لصالح شرعية "تحالف الراغبين"، هذه الشرعية لا تُشتقّ من التمثيل الشعبي أو التفويض القانوني، بل من "تثليث القوة": السطوة العسكرية، التمويل المالي، والواقعية السياسية المفروضة.
وبالتالي فإن تجاوز الأمم المتحدة هو قرار استراتيجي يهدف إلى تحرير "عملية السلام الجديدة" من الالتزامات القانونية المتعلّقة بالحقوق التاريخية، واستبدالها بعقود إدارية ومؤشّرات أداء تسيطر عليها الجهات المانحة، حيث يصبح المال صوتاً مقرّراً يحدد أولويات الإعمار بناءً على هواجس المموّل لا احتياجات السكان.

جدلية التبعية وإعادة إنتاج السيطرة
في محاولتنا لقراءة البعد الجيوسياسي لطبيعة الصراع على غزة، يبدو التوتر المُعلن بين واشنطن وتل أبيب للوهلة الأولى وكأنه خلاف حقيقي على الوسائل والأهداف، إلا أن التدقيق البنيوي يكشف أن هذا التوتر لا يرقى إلى مستوى صراع النفوذ، بقدر ما يمثّل آلية توزيع أدوار داخل منظومة هيمنة واحدة.
فالخلاف هنا ليس على جوهر السيطرة، بل على شكل إدارتها، ولا على استمرار الحصار، بل على الطريقة الأكثر كلفة أو الأقل عبئاً سياسياً وأخلاقياً لفرضه.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم التحوّل من "الإدارة الخشنة”" التي تمارسها إسرائيل – عبر القوة العسكرية المباشرة، والحصار الصريح، والعقاب الجماعي – إلى ما تسعى إليه واشنطن من "إدارة ناعمة" للصراع، تُغلّف السيطرة بمنظومات إدارية، ولجان تكنوقراطية، وأطر دولية تحمل أسماء محايدة مثل "الرقابة" و"إعادة الإعمار" و"الاستقرار".
هذا التحوّل لا يمثّل قطيعة مع منطق الهيمنة، بل إعادة صياغته بلغة أقل فجاجة، وأكثر قابلية للتسويق الدولي.
من هذا المنظور، لا يُفهم ما يُسمّى "مجلس السلام" كأداة لإنهاء الصراع، بل كآلية لإعادة تدوير الحصار ضمن صيغة قانونية–إدارية جديدة، فالحصار، الذي كان يُنظر إليه تاريخياً كإجراء استثنائي مُدان، يُعاد تقديمه هنا بوصفه منظومة تنظيمية "ضرورية" لضبط الأمن، وضمان تدفّق المساعدات، ومنع "الانفجار".
وبهذه الطريقة ينتقل الحصار من كونه ممارسة قسرية غير شرعية، إلى كونه سياسة مُدارة، متعدّدة الأطراف، ومحميّة بخطاب إنساني وتقني.
تكمن خطورة هذا التحوّل في أنه يسعى إلى نقل العبء الأخلاقي والقانوني من القوة المحتلة إلى شبكة من الفاعلين الدوليين والإقليميين، بحيث تتلاشى المسؤولية المباشرة، وتُستبدل بمنطق "الإدارة المشتركة".
وبهذا المعنى، لا تحاول واشنطن كبح إسرائيل أو تحييدها، بل تحاول تخفيف الكلفة السياسية لدورها كراعٍ للاحتلال عبر تفويض وظيفي، يسمح باستمرار السيطرة دون تحمّل تبعاتها الكاملة.
غير أن نجاح هذا النموذج الإداري يفترض شرطاً بنيوياً لا غنى عنه وهو غياب الفلسطيني بوصفه فاعلاً سياسياً. فإقصاء الفلسطيني عن "طاولة التصميم" ليس خللاً إجرائياً ولا صدفة بروتوكولية، بل ضرورة هيكلية. فحضور الفلسطيني، ولا سيما بوصفه شعباً يطالب بالسيادة وتقرير المصير، من شأنه أن يعيد طرح الأسئلة الجوهرية التي يحاول النموذج القائم تجاوزها: مَن يملك الأرض؟ مَن يملك القرار؟ ومَن يحدّد شكل السلام ومعناه؟
إن إدخال الإرادة الشعبية الفلسطينية في أي إطار إداري يعني تلقائياً تسييس هذا الإطار، وتحويله من مسألة "حوكمة" إلى مسألة تحرّر.
ولذلك، يُعاد تعريف الفلسطيني داخل هذا النموذج لا كصاحب حق، بل كموضوع إدارة وكمجتمع يجب ضبطه، وإعادة تأهيله، واحتواء سلوكه عبر مزيج من الإغاثة المشروطة والأمن المنضبط.
بهذا المعنى، يصبح غياب التمثيل السياسي الفلسطيني شرطاً لتمرير الحل، لا نتيجة جانبية له.
إلا أن هذا الافتراض يتجاهل معطى مركزياً في التجربة التاريخية الفلسطينية، وفي تجارب حركات التحرّر عموماً.
فالمقايضة بين الأمن والإغاثة من جهة، والحرية من جهة أخرى، هي مقايضة خاسرة بنيوياً، فالفعل الفلسطيني، خصوصاً في غزة، أثبت مراراً أن تحسين شروط الحياة تحت السيطرة لا يُنتِج قبولاً بالهيمنة، بل قد يعمّق الوعي بطبيعتها، فالاستقرار الاقتصادي، حين يُقدَّم كبديل عن الحرية، يُفهم اجتماعياً بوصفه رشوة سياسية، لا حلاً دائماً.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم "مجلس السلام" كنهاية للصراع، بل كمرحلة جديدة في تطوّره، مرحلة يُعاد فيها تعريف أدوات السيطرة، لا أهدافها. وفي المقابل، يُعاد فيها تشكيل أدوات المقاومة، لا دوافعها.
لأن أي نموذج يتجاهل هذه الحقيقة، ويظن أن السلام يمكن أن يُدار دون عدالة، أو أن الاستقرار يمكن أن يُشترى دون حرية، إنما يراكم شروط الانفجار المقبل، ولو تأخّر زمنياً.
خلاصة: إن "مجلس السلام" يمثّل محاولة دولية لهندسة واقع "ما بعد الكارثة" في غزة دون المساس بجوهر المأساة السياسية، إنه مشروع لإنتاج "سلام بلا ذات سياسية"، وإعمار بلا حرية، وإدارة بلا تمثيل.
ولعلّ الخطر الوجودي لهذا النموذج يكمن في قدرته على شرعنة الحصار والاحتلال عبر تحويلهما إلى نظام إداري دولي مستدام.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل يمكن للنجاعة الإدارية أن تطمس الحقوق الوطنية؟ في الحقيقة إن الإجابة تكمن في قدرة المجتمع الفلسطيني على رفض الاختزال الإداري والتمسّك بمركزية السياسي في مواجهة التقني، والتأكيد على أنّ السلام الذي لا يمر عبر تقرير المصير هو مجرّد تسمية مهذّبة لاستمرار الاستعمار.
لنعد إلى عبد الرحمن منيف
في إطار الأنشطة الثقافية التي تسعى مكتبة «رقائم» عبرها إلى خلق فضاء للحوار الأدبي، تُنظّم المكتبة بالتعاون مع الزميل الشاعر محمد ناصر الدين، جلسة نقدية لمناقشة أعمال الروائي السعودي عبد الرحمن منيف (1933 ــ 2004)، يوم الخميس 29 كانون الثاني (يناير) الجاري، في مساحة «أم ميرنا». يضيء اللقاء على تجربة منيف السردية وأسئلته الفكرية والإنسانية، بحضور مهتمين بالأدب والرواية والنقد. ويُعدّ عبد الرحمن منيف من أبرز الأصوات الروائية التي قاربت التحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وعالجت أسئلة السلطة، والنفط، والحرية، والمنفى، في أعمال شكّلت علامة فارقة في السرد العربي، وفي مقدّمتها «مدن الملح» وغيرها من الروايات التي لا تزال تثير النقاش والقراءة المتجددة.

* جلسة نقدية لأعمال عبد الرحمن منيف: الخميس 29 كانون الثاني (يناير) - الساعة السابعة مساءً - مساحة «أم ميرنا» (الحمرا). للاستعلام: 81/677258
أليكس بكري يروي استعمار ذاكرة جنين
شفيق طبارة

في مدينة جنين، صالة سينما وحيدة، أُعيد فتح أبوابها عام 2011. بعد خمس سنوات فقط، هُدمت السينما ليُقام مكانها مركز تجاري بلا ذاكرة. مع ذلك، كانت إعادة افتتاحها حلماً جميلاً على الورق، لكنه سرعان ما بدا هشاً، معلقاً بخيوط لا يملكها أهل المكان. في قلب هذه الحكاية، يقف حسين محمد حسين دربي، فنّي ومشغّل جهاز عرض الأفلام، الذي أمضى أكثر من أربعين عاماً خلف أجهزة العرض، يعرف صوتها كما يعرف نبضه.
لحسين لغته الخاصة مع الآلة: يشير إلى هذه القطعة فيسميها «الشباك»، ويضع يده على تلك فيقول «السبركيت»، ثم يلمس الأخرى ويهمس «النتّاش». بخبرته وعلاقاته وذاكرته السينمائية، يُستدعى حسين ليُعيد تشغيل جهاز عرض لا يعرف أحد غيره كيف يشغله. يضع كلّ ما تبقى لديه من عمر ومهارة في خدمة مشروع لا يشبهه، مشروع تحلم به منظمة غربية غير حكومية.
«حبيبي حسين» للمخرج الفلسطيني أليكس بكري، ليس حكاية عن جهاز العرض، ولا عن صالة السينما. إنها قصة استعمار ثقافي يتسلل من بين الكلمات، ومن بين الابتسامات، ومن بين «التعاون» و«الدعم». الكاميرا تلتقط كل شيء من وراء الكواليس، رؤية متحيّزة، منحازة، تُظهر حسين كأنه متدرّب صغير، بينما هو آخر فني عرض أفلاماً في جنين... آخر من يعرف سرّ الضوء القديم للقوس الكوبرني، آخر من يملك ذاكرة المكان.
هكذا يصبح الفيلم أيضاً حكاية رجل يُعامل كأنه تلميذ، بينما هو أستاذ المهنة. حكاية سينما تُبنى من جديد، لكن على أسس لا تخصّها.
في «حبيبي حسين»، لا يعود الفيلم مجرّد وثائقي عن إعادة فتح دار سينما في جنين. إنه تفكيك بطيء، مؤلم، وصامت لبنية استعمارية تتخفّى خلف لغة «التنمية الثقافية» و«التعاون الدولي». الصالة تصبح هنا مسرحاً لدراما الهيمنة، وإعادة إنتاج السلطة، وتحديد من يملك الحق في الحلم، ومن يُسمح له بأن يكون بطل حكايته. يقدّم الفيلم حسين، بحميمية مطلقة، غير مصطنعة. حسين لا يحتاج إلى قصة، هو القصة. وجهه، صوته، طريقته في لمس جهاز العرض، كلّها تتحوّل إلى سردية قائمة بذاتها.
أقسى ما يكشفه «حبيبي حسين» هو أن حسين ليس فقط ابن واقع فلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل هو أيضاً ضحية احتلال ثقافي غربي ألماني تمارسه منظمة غير حكومية جاءت «لتساعد».
يتكثّف كل ذلك في مشهدين: مشهد توزيع الشهادات ومشهد افتتاح الصالة. هنا يلعب بكري بكاميرته، يكشف ويخفي في اللحظة نفسها، يقدّم الواقع كما هو، ثم يفتح نافذة صغيرة على ما يحدث داخل حسين. الكاميرا تتلصّص عليه وعلى الجميع من مسافة محسوبة، تراقب بلا شفقة، بلا تجميل للوجوه، لتتحوّل هذه المسافة البصرية إلى موقف سياسي.
يستكشف الفيلم سُبل التحرّر من إرث عقلية ما بعد الاستعمار التي ما تزال تتخفّى في تفاصيل الحياة اليومية للمؤسسات الغربية، لكنه يفعل ذلك من الجهة التي نادراً ما تُروى منها الحكاية: من منظور الفلسطينيين أنفسهم. من منظور أولئك الذين تُعلن المنظمات غير الحكومية أنها جاءت «لدعمهم»، بينما هم في الحقيقة يقفون في الهامش، يراقبون كيف تُعاد صياغة قصتهم بلسان ليس لسانهم، وكيف يُعاد ترتيب أحلامهم وفقاً لمقاسات لا تخصّهم.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire